تلقيت دعوة من الشيخة مي آل خليفة لزيارة البحرين لإلقاء محاضرة بمركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث‏,‏ عن اكتشافاتي الأثرية حول الأهرامات‏,‏ والتي ألقت الضوء علي العديد من أسرار منطقة الجيزة‏,‏ وبعد يومين من قبولي الدعوة اتصلت بي الشيخة مي تطلب مني إلقاء نفس المحاضرة باللغة الإنجليزية للأجانب المقيمين بالبحرين‏.‏ وعند وصولي العاصمة البحرينية‏(‏ المنامة‏)‏ وجدت الشيخة مي وياسر شعبان سكرتير أول بالسفارة المصرية في استقبالي‏,‏ وجاءت إقامتي بفندق مجاور للمطار‏,‏ وذلك نظرا لازدحام المدينة من أجل الاستعداد لسباق السيارات الدولي الشهير فورميولا الذي يشارك فيه نجوم من‏45‏ دولة‏,‏ ويقام لمدة ثلاثة أيام ويشاهده آلاف المحبين لهذه الرياضة من كل مكان‏.‏

واذكر أن أولي زياراتي للبحرين كانت عام‏1988‏ م‏.‏ حيث كانت مع الوزير فاروق حسني وزير الثقافة‏.‏ أما هذه المرة فقد وجدت تغييرا ضخما بالبحرين وهو ما لمسته في مجال العمارة والبناء‏,‏ فشاهدت ناطحات السحاب والبنوك والجامعات‏,‏ تغير سريع وملموس في فترة زمنية قليلة برغم أن البحرين يوجد بها القليل من البترول‏,‏ كما أن البحرين تعتبر الآن واحدة من أهم الدول التي تتمتع بإقبال سياحي عربي خاصة من السعوديين الذين يحضرون إليها لقضاء عطلة الأسبوع بين متعة التسوق والاستمتاع بجمال المدينة‏.‏

وبرغم هذا التقدم الكبير‏,‏ فإن ما أعجبني ولفت انتباهي بشدة هو الثقافة العالية التي يتمتع بها الشعب البحريني وعشقهم لتراثهم وآثارهم‏,‏ وكذلك دفاعهم عن المواقع الأثرية من الاعتداءات العشوائية‏,‏ حيث وصل الأمر إلي أن أهالي عالي وأعضاء من المجلس البلدي للمنطقة الوسطي وعددا من النواب والجمعيات البيئية والمؤسسات الأهلية اعتصموا في منطقة قريبة من نفق بوري‏,‏ وذلك احتجاجا علي انتهاك وتخريب الأراضي والمباني الأثرية الموجودة في مقابر عالي‏.‏

وقد قمت في اليوم الأول بمقابلة الدكتور عزمي خليفة سفير مصر في البحرين وقمنا بجولة مع الشيخة مي لزيارة المراكز الثقافية الأهلية بالبحرين‏,‏ وهو الشئ الذي أسعدني جدا‏,‏ لكون هذه المراكز ليست حكومية‏,‏ الأمر الذي يزيد من نشاطها وحريتها فتصبح ملتقي للمثقفين‏.‏ وأول هذه المراكز التي زرتها هو مركز الشيخ إبراهيم آل خليفة والذي تشرف عليه المثقفة الواعية الشيخة مي‏,‏ وقد افتتح هذا المركز عام‏2002‏ م‏,‏ ويعتبر من أهم المراكز الثقافية في مملكة البحرين إذ يستضيف رموزا ثقافية وفكرية من مختلف دول العالم‏.‏

ولديهم تقليد جميل‏,‏ وهو اجتذاب كافة الشخصيات البارزة سواء كانت معارضة أو مؤيدة‏,‏ ويقيمون معها حوارا فكريا راقيا‏,‏ وكل من يحاضر داخل هذه المراكز توضع صورته في إطار جميل دائري في قاعة المحاضرات‏.‏ وتم دعوة‏60‏ محاضرا‏,‏ خلال ثلاث سنوات وكان الحضور المصري واضحا في فعاليات المركز‏.‏ وتشارك السفارة المصرية في هذا المركز سواء بالحضور أو تسهيل حضور المثقفين المصريين‏,‏ وقد أخبرني مستشارنا الإعلامي أحمد أبوالحسن أن الشاعر فاروق شوشة تألق بأشعاره‏,‏ والناقد الدكتور صلاح فضل في محاضرته عن الشراكة الفكرية في الأندلس وصنع الله إبراهيم عن‏(‏ المثقف العربي اليوم‏)‏ ورضوي عاشور عن الكتابة والذاكرة‏,‏ ومحمود أمين العالم عن إشكالية العلاقة بين الحداثة والتريث والعولمة في الواقع الغربي الراهن‏.‏ وفاروق عبدالقادر عن تجربة عبدالرحمن منيف الأدبية‏.‏ كما شهد المركز أمسية فنية لعدد من الفنانات المصريات بعنوان قالت الراوية‏,‏ وسيد القمني في محاضرته عن السلبيات التي يعاني منها العالم الإسلامي‏.‏ كلها أسماء قوية في عالم الفن والثقافة والسياسة وموضوعات ساخنة تحدثوا فيها‏.‏ وكان مفترضا أن يحضر الدكتور جابر عصفور ليحاضر عن الثقافة العربية بين التعصب والتسامح لولا مرضه الأخير‏.‏

أما المركز الأهلي الثاني الذي زرته فهو بيت عبدالله الزايد للتراث الصحافي‏,‏ والذي أنشأه تخليدا لرائد الصحافة البحرينية عبدالله الزايد‏,‏ الذي أسس أول صحيفة بحرينية وكان يطلق عليها ــ البحرين ــ والتي توقفت في عام‏1944‏ م‏.‏ وقد أنشأ هذا المركز عام‏2003‏ م‏,‏ وهو يضم عددا من الكتب التراثية في مجال الصحافة‏,‏ ويقيم المركز كل شهر أمسية ثقافية يحاضر فيها أحد رموز الصحافة العربية ومشاهير الصحفيين من مختلف أنحاء العالم‏.‏

والملتقي الثقافي الأهلي هو المركز الثالث‏,‏ وقد أسسه الوجيه عبدالرحمن جاسم كي يصبح منبرا ثقافيا أهليا‏,‏ ويضم الملتقي أمسية أسبوعية‏,‏ هذا إلي جانب استضافة العديد من الفعاليات الثقافية المشتركة بين مملكة البحرين وغيرها من الدول العربية‏.‏ وقد استضاف الملتقي عددا من الكتاب والشعراء المصريين بينهم الكاتبة نوال مصطفي التي تحدثت عن تجربتها الصحفية‏,‏ كما ألقي الشاعر يحيي شرباش مجموعة من الأشعار العامية‏.‏

أما المركز الرابع فهو مركز البحرين للدراسات والبحوث‏,‏ ويهدف المركز إلي تعزيز البحوث العلمية والتكنولوجية وتأسس عام‏1981‏ م‏,‏ ويقوم المركز بإجراء البحوث التطبيقية وموسوعات الرأي العام‏,‏ كما يضم العديد من البرامج منها برنامج حوار الحضارات والدراسات الدولية والإستراتيجية وله علاقات مع العديد من المؤسسات العلمية والبحثية في مختلف دول العالم‏.‏ وينظم المركز ندوات حوارية يستضيف فيها أكاديميين ومفكرين من مختلف دول العالم‏,‏ وألقي أكاديميون وسفراء مصريون محاضرات عديدة داخل هذا المركز‏.‏

وينتشر في البحرين العديد من الأندية الثقافية والأدبية وهذا يخلق مناخا ثقافيا متحضرا‏,‏ حيث تناقش بحرية داخل هذه المؤسسات الأهلية كافة الموضوعات السياسية والثقافية‏,‏ وفي نفس الوقت معرفة القضايا الأدبية والفنية ليس علي مستوي العالم العربي فقط‏,‏ بل علي المستوي العالمي‏.‏ وقد كانت زيارتي هذه المرة بعيدة تماما عن المستوي الحكومي‏,‏ ولذلك فقد حضرت ندوة في منزل السفير المصري الدكتور عزمي خليفة مع العديد من المسئولين والمثقفين‏,‏ وكذلك حفل استقبال في منزل السيدة د‏.‏ بهية الحبشي عضو مجلس الشوري‏,‏ كما قابلت هناك العديد من المثقفات البحرينيات وناقشنا مع الدكتورة رفيعة غباشي شئون جامعة الخليج‏.‏ وهذه الجامعة خاصة بالدراسات العليا فقط‏.‏ وقد ناقشت الدكتورة رفيعة ضرورة إنشاء قسم للدراسات العليا لدراسة ترميم الآثار الدقيق والمعماري‏,‏ ونحن في احتياج شديد لإنشاء هذا القسم لخريجي كليات الترميم والعلوم والهندسة لإمكان وجود خريجين علي مستوي فني عال مدربين عن طريق مدارس الترميم العالمية سواء الإيطالية أوالألمانية أوالفرنسية أوالأسبانية‏,‏ علي أن يحاضر لخريجي الدبلوم أساتذة علي مستوي عال‏,‏ لأنه للأسف الشديد فإن سياسة التعليم الخاصة بالآثار في مصر تنتج لنا كل عام آلاف الخريجين من كليات الآثار وأقسامها الموجودة في الجامعات المختلفة‏,‏ وللأسف الشديد فإن المجلس الأعلي للآثار لايحتاج إلي أكثر من‏30‏ طالبا فقط كل عام‏,‏ ولكن هناك آلاف الخريجين أكثرهم دون المستوي نتيجة لوفرة الخريجين الذين لسنا في احتياج لهم‏,‏ وأرجو من وزارة التعليم أن تعيد النظر في سياسة التعليم‏,‏ ليس بالنسبة لدراسة الآثار فقط‏,‏ بل بالنسبة للسياسة العامة للتعليم في مصر‏.‏

وتمثل مملكة البحرين مدخل الخليج الذي يفصل شبه جزيرة قطر في الشرق عن المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية في الغرب‏,‏ وتشكل جزر المملكة أرخبيلا يضم‏33‏ جزيرة‏,‏ أكبرها جزيرة البحرين‏.‏ وقد كانت البحرين أول دولة خارج الجزيرة العربية تدخل الإسلام‏,‏ إذ أرسل نبي الإسلام محمد ــ صلي الله عليه وسلم ــ القائد الإسلامي العلاء بن الحضرمي عام‏630‏ ميلادية ليدعو أهل البحرين إلي الإسلام وأرسل معه كتابا إلي المنذر بن ساوي التميمي وإلي يخت مرزبان يدعوهما إلي الإسلام أو الجزية فأسلما وأسلم من يتبعهما من القبائل العربية‏.‏ وقد حصلت البحرين علي الاستقلال في‏14‏ أغسطس عام‏1971,‏ وانضمت البحرين إلي جامعة الدول العربية في‏11‏ سبتمبر عام‏1971‏ وإلي الأمم المتحدة عام‏1971.‏ وقد بدأ حكم آل خليفة للبحرين في عام‏1783‏ ميلادية وهم من قبائل العتوب العربية‏(‏ آل خليفة‏).‏

ويبدأ التاريخ السياسي الحديث للبحرين منذ خروج آل خليفة من الكويت ونزوحهم في عام‏1766‏ ميلادية تحت قيادة الشيخ خليفة بن محمد إلي موقع يعرف بالزبارة علي الساحل الغربي من قطر‏,‏ حيث أسسوا هناك حكومة وبدأوا يتطلعون إلي البحرين‏.‏ وكانت جزيرة البحرين قد خضعت في الفترة من‏1522‏ ــ‏1602‏ للحكم البرتغالي ثم استولت عليها حكومة فارس في الفترة من‏1602‏ ــ‏1782‏ وحكمتها حكما متقطعا وغير مباشر‏,‏ ولكنها لم تستقر تحت حكمهم خلال تلك الفترة‏,‏ بل انتزعت منهم من قبل بعض شيوخ العرب في المنطقة كما سيطر عليها سلطان مسقط في عام‏1718‏ وعام‏1720.‏ وقد كان آل خليفة يحاولون من جانبهم السيطرة علي جزر البحرين‏,‏ ولكن دون جدوي في البداية إلي أن توفي الحاكم آنذاك فاستطاعوا في إحدي محاولاتهم الناجحة لرد اعتداء مسلح ضد قاعدتهم في الزبارة من قبل وإلي البحرين ناصر بن مدكور أن يوجهوا حملة مضادة أدت إلي سيطرتهم علي جزر البحرين‏,‏ حيث نقلوا عاصمة حكمهم إليها في سنة‏1783‏ م‏,‏ وأسسوا حكومة استمرت تحكم البحرين حتي اليوم وإن كانوا قد خرجوا من قطر التي استطاع آل ثاني تولي الحكم فيها‏.‏

والجدير بالذكر أن البحرين كانت قد وقعت تحت حماية بريطانيا بموجب اتفاقين عام‏1880‏ وعام‏1882‏ وقد تم الإعلان عن الاستقلال التام عنها بتاريخ‏14‏ أغسطس‏1971‏ ببيان من حاكم البحرين وتحقق الاستقلال في‏16‏ ديسمبر من نفس العام وهو العيد الوطني للبحرين‏.‏ وقد أعلن في ديسمبر‏2001‏ أن البحرين أصبحت خالية من الأمية‏,‏ حيث انخفضت النسبة إلي‏2,69%‏ وتبلغ نسبة المسلمين حوالي‏82,5%‏ من التعداد الكلي للسكان ويمثل الشيعة‏65%‏ والسنة‏35%.‏

لقد كانت زيارة رائعة شاهدت فيها إنجازات عظيمة عمرانية وثقافية‏,‏ وأسعدني جدا أن السفير المصري الدكتور عزمي خليفة يشارك في الأنشطة الثقافية والأدبية‏,‏ وسعدت أكثر أن أشهد الشيخة مي آل خليفة وهي تناضل في سبيل حماية تراث البحرين‏,‏ حيث أدي هذا إلي أنها قدمت استقالتها من العمل في وزارة الإعلام احتجاجا علي قرارات المسئولين غير المختصين بالشأن الثقافي ضد التراث‏,‏ ورفعت صوتها عاليا من أجل الدفاع عن تراث البحرين القومي‏...‏ وقد لا يعرف البعض أن للبحرين تاريخا عريقا وحضارة تعود إلي‏2300‏ ق‏.‏م وهناك حدثت أسطورة جلجامش‏..‏ وهذا هو موضوع مقالنا القادم بإذن الله‏.‏