جيوار شاليون صاحب كتاب تاريخ الإرهاب‏:‏
الإرهــاب ظاهــرة أوجدتهـا الثـورة الفرنســية‏!‏


رسالة باريس : ليلى حافظ


برغم الخصومة والمنافسة بين بريطانيا وفرنسا إلا أن الفرنسيين لم يسعهم إلا أن يثنوا علي تماسك البريطانيين في مواجهة الهجمات الارهابية الاخيرة‏,‏ وعلي النظام الطبي الرائع الذي استقبلت به المستشفيات المصابين وسرعة العلاج وردد الفرنسيون الشعار البريطاني‏:‏ لا تعطي شرحا أبدا‏,‏ ولا تشتكي أبدا‏,‏ أي لا تضيع الوقت في الشرح والشكوي‏,‏ بل توجه مباشرة إلي العمل‏.‏ وهو ما يفسر رباطة جأش البريطانيين في مواجهة التفجيرات الأخيرة‏.‏

وبسرعة بدأت فرنسا تضع البلاد تحت حالة التأهب‏,‏ ورفعت الحالة إلي اللون الأحمر وهو ثالث درجة قبل القرمزية‏,‏ داخل البلاد حيث المناطق المزدحمة خاصة في موسم العطلات وسفر المواطنين بالقطارات والطائرات‏,‏ كما اعلنت الحكومة تشديد الرقابة علي الأماكن السياحية وعلي الحدود الفرنسية وحول السفارات المعنية‏,‏ مثل السفارة البريطانية فبالنسبة للفرنسيين ذكري التفجيرات التي شهدتها العاصمة الفرنسية في الثمانينات والتسعينات مازالت عالقة في الأذهان‏.‏ ومازالت كلمات الرئيس جاك شيراك في التسعينات تتردد‏:‏ اننا سوف نرهب الإرهاب‏.‏

ولكن العمليات التي وقعت في باريس في عامي‏1995‏ و‏1996‏ لم يكن لها نفس المجموعة‏.‏ فيختلف الإرهاب من عصر إلي عصر‏.‏ بداية ما هو الإرهاب ؟ أو كيف يمكن توصيفه ؟ يقول مصدر في مجال مكافحة الإرهاب بفرنسا إنه من الصعب تحديد شخصية الإرهاب‏,‏ فهو عنف يهدف إلي انتصار أفكار أيديولوجية محددة‏,‏ وبرنامج معين‏.‏ ولكنه غير مرئي وليس له هوية معينة‏.‏ وبالنسبة للكاتب الفرنسي جيوار شاليون صاحب كتاب تاريخ الإرهاب الذي صدر في العام الماضي واعده مع أرنو بلين‏,‏ فان ظاهرة الإرهاب مرتبطة بكلمة يرهب لذا فهي تعمل عبر تكنيك معين يستخدم لأسباب عديدة سواء من اجل الاحتجاج علي السلطة أو الوصول اليها أو الحفاظ عليها‏.‏ لذا ففي رأيه إن الإرهاب الحديث ظاهرة اخترعتها الثورة الفرنسية في فترة الترهيب الكبير في عامي‏1793‏ و‏1794‏ حين قامت حكومة الثورة بنشر الرعب في الاقاليم الفرنسية ضد الملكيين والفيدرالية‏,‏ وكانت تلك المجموعات هي أول من اطلق عليها تعبير الإرهابيين‏.‏ ودخلت الكلمة إلي القاموس الفرنسي في الأكاديمية الفرنسية لاول مرة في عام‏1798,‏ فهي كلمة فرنسية أخذتها منها اللغات الأخري‏,‏ مثل الإنجليزية والإيطالية‏.‏ ولقد كان الإرهاب في تلك ال
فترة إرهاب الدولة‏.‏ وكان هدفه إرهاب الأفراد والمجتمعات في إطار صراع بلا هوداة‏,‏ علي السلطة‏.‏ ولكن ذلك لا يعني أن ظاهرة الإرهاب ظهرت فقط في نهاية القرن الثامن عشر‏,‏ بل هي ظاهرة معروفة منذ أن بدأ الصراع علي السلطة‏.‏ ثم تطورت الظاهرة وأشكالها في القرن التاسع عشر حين بدأت تأخذ شكلا من الفوضي تحركها المنظمات الفوضوية‏.‏

شهدت فرنسا بعد ذلك مرحلة رابعة من الإرهاب في أثناء حرب الجزائر‏,‏ ولقد وصفها البعض بعمليات ذات الصفة الإرهابية لأنها أولا عمليات كانت تقوم بها جبهة التحرير الوطنية ضد المسلمين في فرنسا الذين لا يشاركون في المقاومة والمتعاونين مع فرنسا‏,‏ وهي أيضا عمليات قامت بها منظمة الجيش السري التي كان يقوم بها الفرنسيون ضد المقاومة الجزائرية وضد الديجوليين الفرنسيين الذين يؤيدون استقلال الجزائر‏.‏ ثم كان هناك أيضا إرهاب الدولة التي كانت تقوم بها الأجهزة الرسمية المختلفة‏.‏

وبعد استقلال الجزائر تعددت الأعمال الإرهابية في فرنسا‏,‏ فشهدت حقب السبعينات والثمانينات عمليات قام بها الباسك وابناء الجزر وابناء اقليم بريتاني‏,‏ ولقد تم القضاء عليها جميعا باستثناء الباسك التي لا تزال مستمرة حتي الآن‏.‏ ومع الثمانينات والتسعينات دخلت فرنسا مرحلة جديدة من الإرهاب‏,‏ الذي اطلق عليه إرهاب دولي بالصراع العربي الاسرائيلي‏.‏ فشهدت في عام‏1995‏ سلسلة من العمليات قامت بها المجموعة الإسلامية المسلحة والتي راح ضحيتها عشرة اشخاص‏,‏ وحوالي‏300‏ مصاب‏,‏ وفي عام‏1996‏ وقعت عملية واحدة في ديسمبر راح ضحيتها اربعة اشخاص ومائة مصاب‏.‏ ثم ضرب الإرهاب مرة أخري الفرنسيين في الخارج في عام‏2002‏ في كاراتشي حيث لقي‏11‏ شخصا مصرعهم واصيب‏12‏ آخرون‏.‏

والعمليات الإرهابية‏,‏ في كل أشكالها‏,‏ تهدف الي نشر القلق وعدم الأمان بين المدنيين‏.‏ وبالنسبة لمركز الأبحاث حول الإرهاب الدولي فان عمليات الإرهاب تستخدم القوة بشكل غير قانوني ضد أشخاص أو ممتلكات‏,‏ من أجل فرض ضغوط علي الحكومة والشعب بهدف إجراء تغييرات سياسية أو دينية أو اجتماعية وهناك كل أنواع الإرهاب‏,‏ من إرهاب الدولة إلي الإرهاب الدولي والديني والسياسي واليميني المتطرف والكيمائي والنووي والايديولوجي والالكتروني‏.‏ وكل مجموعة منها لها بنية مختلفة‏,‏ فبالنسبة لخبراء مكافحة الإرهاب الفرنسيين‏,‏ فإن الألوية الحمراء في ايطاليا‏,‏ من المنظمات ذات تكوين مؤسسي جيد‏,‏ أما منظمات الإسلاميين فيعلمون بتنظيم خاص ولكن ليس لديهم داخليا تدرج في المناصب‏.‏ ويري الخبراء أنهم يعملون داخل مساحة واسعة وصعبة‏,‏ أما بالنسبة لمنظمة القاعدة فهي مجموعة تستخدم فكرا معينا ويشاركها فيه مجموعات أخري مثل الجهاد‏.‏ فهي منظمة لديها ايديولوجية‏.‏

ولكن مع هذا التنوع في شكل الإرهاب‏,‏ كيف يمكن مكافحته ؟

أجمع الخبراء أن الإرهاب هو أصعب أنواع الحروب‏,‏ لأن الإرهابي غير مرئي‏,‏ ولا يمكن تحديد هويته‏,‏ فليس له شكل محدد‏,‏ أو حدود متعارف عليها‏.‏ والآن يدخل الإرهاب مرحلة صعبة لأنه‏,‏ حسب مصدر في مجال مكافحة الإرهاب‏,‏ يهدد كل الدول‏,‏ وفرنسا ليست مهددة أكثر أو أقل من الدول الأخري‏,‏ كما ان التطورات الحديثة‏,‏ مثل العولمة وفتح الحدود‏,‏ يجعل كل الدول معرضة لعمليات إرهابية داخلها‏,‏ ولا تستطيع ان تكون في حماية دائمة‏.‏

وبالنسبة للمصدر فإن اسلوب مكافحة الإرهاب يجب ان يكون مختلفا في كل دولة‏,‏ لأن كل دولة لها ظروفها المختلفة عن الاخري‏.‏ ففي فرنسا علي سبيل المثال‏,‏ تعمل البلاد من خلال القضاء‏,‏ الذي يعمل بمهنية أكبر عن الدول الأخري‏,‏ كما أن الدولة في فرنسا تعمل بشكل أساسي في هذا المجال‏,‏ بعكس دول أخري مثل الولايات المتحدة‏.‏ وأخيرا تري فرنسا ان لها تجربة طويلة مع العالم العربي‏,‏ والشرق الأوسط‏,‏ وهي أقرب إليهم من الولايات المتحدة علي سبيل المثال وتستطيع التعاون معهم‏.‏

فبالنسبة لفرنسا‏,‏ الحرب ليست هي الوسيلة المثلي أو الوحيدة لمحاربة الإرهاب‏,‏ لأنه كيانات غير مرئية‏.‏ وتفضل فرنسا العمل بأسلوب الوقاية‏,‏ فتقضي علي الخلايا قبل انتقالها إلي مرحلة الفعل‏,‏ كما فعلت مؤخرا بعد ان كشفت عددا من الخلايا داخل فرنسا التي كانت تبعث بشباب للقيام بعمليات انتحارية في العراق‏.‏ ولكن في نفس الوقت‏,‏ فان حسب العديد من الخبراء العراق لم يكن أبدا مصدرا للإرهاب‏,‏ بل أصبحت كذلك منذ الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضدها في عام‏2003,‏ التي جعلتها اليوم بؤرة للإرهاب‏.‏

وتختلف طرق مكافحة الإرهاب من دولة إلي أخري‏,‏ ففي فرنسا تشكل فريق عمل من ستة قضاة‏,‏ يعملون فقط في مجال مكافحة الإرهاب‏,‏ وهم مجموعة خاصة تعمل بأسلوب مختلف ونظام آخر عن القضاة الاخرين فقاضي الإرهاب هو الذي يقود التحقيقات ويصدر للبوليس أوامر بالتفتيش أو التنصت علي التليفونات‏.‏ أما المخابرات الفرنسية فهي تعمل بشكل منفصل تحت سلطة منفصلة‏,‏ ولكنها تحصل علي معلومات من القاضي ويمكن للقاضي ان يكلفها بعمل تحقيق‏.‏

علي رأس هذا الفريق يعمل القاضي جان لوي بروجيير‏,‏ المختص بالتحقيق القضائي‏,‏ منذ أكثر من عشرين عاما‏,‏ حيث يتمتع بسلطات متميزة أثارت الكثير من المحامين والسياسين ولكنه استطاع خلال السنوات القليلة الماضية أن يكشف ويفك عدة شبكات إرهابية في فرنسا‏.‏ واجهزة العمل في مكافحة الإرهاب في فرنسا تعمل في استقلالية تامة عن المجموعات التي تشكلت في أوروبا أو الولايات المتحدة لأن في رأي الخبراء في فرنسا‏,‏ فإن الحرب ضد الإرهاب مشكلة دول منفردة‏.‏ ولكن ذلك لا يمنع التعاون فيما بينهم‏.‏ فهناك بالتأكيد تعاون دولي وثيق بين فرنسا والدول العربية من ناحية تبادل المعلومات‏.‏

كما تعمل فرنسا مع أوروبا‏,‏ ولكن ليس هناك تنسيق مع الاتحاد‏,‏ وليس مع ما اطلق عليه مستر إرهاب وهو جهاز أوروبي لمكافحة الإرهاب‏,‏ بل تتعاون بشكل ثنائي مع كل دولة علي حدة‏,‏ خاصة في تبادل المعلومات الخطيرة‏.‏

أما مع الولايات المتحدة‏,‏ فان الأسلوب حتما يختلف فالعمل في مكافحة الإرهاب في فرنسا يتم بمهنية أكبر‏,‏ والدولة تقوم بالعمل الأساسي‏,‏ ولكن التعاون بين الدولتين قائم‏.‏ وكانت الواشنطن بوست قد اعلنت مؤخرا ان وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أقامت منذ عام‏2002‏ جهازا سريا في قلب باريس حيث يعمل رجال الوكالة بتعاون وثيق مع المخابرات الفرنسية‏.‏ ولقد اكدت ميشيل آليو ماري وزيرة الدفاع عن وجود تعاون بين البلدين في مجال الإرهاب‏,‏ ولكنها لم تؤكد وجود الجهاز‏.‏

هل قوانين مكافحة الإرهاب يمكن ان تؤثر في الحرية المدنية التي تتمتع بها شعوب الدول الديمقراطية ؟

يقول الخبراء إن هناك دائما مساحة بين الحرية الشخصية والأمن‏,‏ وفي الفترات التي تسود فيها الفوضي‏,‏ وحيث الأمن يصبح غير مضمون‏,‏ يصبح من الضروري التخلي عن بعض الحريات الأساسية‏,‏ وعلي القاضي أن يحدد إلي أي مدي يمكن التنقل إلي ناحية الأمن علي حساب الحريات الاساسية وذلك علي حسب حجم التهديد وعليه أيضا أن يحقق التوازن بين الاثنين‏.‏ واضاف الخبراء ان الحفاظ علي الحريات الأساسية يشجع العمل علي تعاون وثيق مع المجتمع الدولي‏,‏ حتي لا تقوم الدولة وحدها بالإجراءات الأمنية‏.‏

وبالنسبة لما يطلق عليه الإرهاب اليوم‏,‏ والحرب ضد الاسلاميين‏,‏ فقد اجمع المحللون علي انه لا يجب ابدا الخلط بين الاسلام كدين‏,‏ وبين الاسلاميين والقاعدة كتنظيم إرهابي وايديولوجي ففي رأيهم ان القاعدة تعمل بفكر معين‏,‏ وانها تضرب في كل العالم في أوروبا مثل اسبانيا ولندن‏,‏ وايضا في الدول الإسلامية مثل السعودية ومصر وباكستان لذلك يجب الفصل بين الاسلام‏,‏ وبين المنظمات التي تطلق علي نفسها صفة الاسلامية‏.‏واخيرا هل يمكن القول‏,‏ يوما ما‏,‏ ان الحرب ضد الارهاب قد انتهت؟ ان الحرب ضد الارهاب قديمة قدم التاريخ‏,‏ ولن نستطيع ابدا القول إنها انتهت‏,‏ حسب رأي الخبراء الفرنسيين‏,‏ ومن جهة اخري يري البعض الآخر انه ليس كافيا ان تتم مكافحة الارهاب من خلال الاجهزة العسكرية والمخابرات والقضاء‏,‏ بل يجب ان يكون هناك دور للسياسة ايضا‏,‏ فان الحرب ضد الإرهاب قد تكون مجدية‏,‏ ولكن المهم هو محاربة الايديولوجية التي تحرك الاشخاص‏,‏ وهذا العمل يقوم به السياسيون فيجب الذهاب إلي أبعد من مجرد اعلان الحرب ضد الإرهاب‏,‏ بل يجب الوصول إلي الجذور‏,‏ ومعالجة الاسباب‏.‏