الجنرال الإسرائيلي الذي احتل غزة:
هذه الأرض لم تكن لنا.. وكان علينا أن نخرج
كتب : طارق الشيخ:
بدأ الانسحاب الاسرائيلي من غزة التي احتلها الجيش الإسرائيلي في عام1967 ويستعد الفلسطينيون للعودة الي اراضيهم المقدسة..وهناك في قلب اسرائيل جلس الميجور جنرال يشعياهو جافيش ـ أو جاويش ـ وقد تخطي عامه الـ80 ليجتر أحداث الماضي..ولم لا..فهو القائد الإسرائيلي الذي كان يتولي القيادة الجنوبية خلال حرب عام1967.. وهو الذي اقتحم قطاع غزه بقواته الغازية منذ مايقرب من38 عاما.. وهاهو اليوم يري الجيش الإسرائيلي ينسحب منها ومعه جموع المستعمرين الذين راودتهم يوما أحلامالحدود الآمنة في ظل القوة العسكرية لإسرائيل!!
فمع مرور الزمن اخذت تنهار نظرية تحقيق الأمن من خلال الإستيلاء علي اراضي الغير بالقوة وخرجت جيوش اسرائيل من سيناء بعد عام1956 ثم مرة اخري بعد عام1973 ومرة اخري خرجت من لبنان.. واخيرا من غزه.. واليوم يخالج شعور بالقلق الجنرال الذي لم يتبق له من انشطته العسكرية ضد العرب سوي الذكريات..ذكريات قتال واحتلال تتبدد في الرمال في وقت تحلق فيه من بعيد حمائم السلام وتنمو فيه اغصان الزيتون.. واليوم يرأس الجنرال اتحاد اعضاء البالماخ ويقضي وقته في الجلوس بمتحف يحكي جانبا من تاريخ حروب اسرائيل ضد العرب.
ويشار الي الجنرال يشعياهو بوصفه عضو رئيسي في الوفد العسكري الرفيع المستوي الذي التقي برئيس الوزراء الأسبق ليفي أشكول في مايو وبدايات يونيو عام1967 للتباحث حول شن حرب إستباقية وقائية لضمان تحقيق نصر ضد القوات العربية.
ويشير الفريد ليلينثال في كتابه الشهير الصادر عام1978 تحت عنوان الصلة الصهيونيةالي أن الجنرال يشعياهو كان يعيش قبل حرب1967 لحظات القلق والخوف وهو ما عبر عنه بالقول: كان خطر زوال إسرائيل جاثما بقوة قبل حرب الأيام الست.
وخلال الإجتماعات السابقة علي الحرب علم الجنرال أن هناك مقابر يعد لحفرها بجوار تل أبيب لاستيعاب10 الاف قتيل, وتحدث موشيه ديان عن توقعات بحدوث خسائر كبيرة.
ويتذكر الجنرال كيف صدر له أمر القتال وقواته تواجه قوات مصرية إحتشدت في سيناء منذ3 أسابيع سابقة علي الهجوم بما فيها قوات مصرية علي مسافة40 كيلومترا فقط من بئر سبع,وكان تحت قيادته35 الف مقاتل أغلبهم من قوات الاحتياط و500 دبابة.
ويتذكر الجنرال كيف كانت الحدود متروكة دون حماية بل ان علامات الحدود لم تكن تمتد الا لـ سنتيمترا فقط تحت سطح الأرض, ويثني علي ما فعله رابين( رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل الذي إغتيل فيما بعد من أجل السلام) حيث أعد الجيش الإسرائيلي لدخول حرب في المستقبل وليس لحروب الماضي.
فالجيش الإسرائيلي كان معدا بشكل كامل لقتال القوات التي تتبع الفكر القتالي السوفيتي..وكانت التدريبات شاملة.
ولكن يبدو أن التدريبات التي تلقاها الجنرال لم تسعفه في الجبهة المصرية عام1973 عندما كان أقصي ما استطاع القيام به هو بذل محاولات مستميتة لمنع الجيش الثالث الميداني من الانطلاق الي قلب سيناء بعد نجاح العبور.
وعن غزة1967 يتذكر الجنرال يشعياهو كيف صدرت له الأوامر بعدم الإقتراب من قناة السويس خشية التدخل السوفيتي كما صدر اليه امرا اخر وهو.. عدم إحتلال قطاع غزة ذي الكثافة السكانية الكبيرة.
ويعترف يشعياهو بأن غرضه المبدئي لم يكن غزو المنطقة فلم يكن هناك فكر متعلق بتغيير خريطة البلاد وكان الهدف من اقتحام غزة هو تدمير الجيش المصري وإنهاء مشاعر الخوف التي تكنها اسرائيل لمصر.
ويذكر المؤرخ ميخائيل أورين كيف تنبأ موشيه ديان بإستسلام غزه دون قتال ولكن وبعد تحرك القوات الإسرائيلية اظهر المقاومون شجاعة كبيرة ووجد الجنرال يشعياهو قواته تتعرض لهجمات من غزه فأصدر ديان أمره للجنرال بإقتحام غزه.
غزة لم تكن لنا
وروي الجنرال يشعياهو كيف إتجه الي غزه لاحتلالها إنقاذا لإسرائيل,ويؤكد أن تلك الأرض لم تكن لنا وكان علينا ان نخرج..لايمكننا أن نحكم شعبا اخر.. لايمكننا ان نحكم اكثر من مليون او مليوني شخص معترفا بالتهديد الذي يمثله الاحتلال من الناحية الديموغرافية.
وردا علي سؤال وجهته له صحيفة الجيروزاليم بوسطالإسرائيلية بشأن خطر الإرهاب رد الجنرال قائلا:لقد قالوا ذلك عن لبنان ايضا..وقالوا إننا سنفقد رادعنا, ويعود ليضيف لم يتوقف ردعنا للعرب ولم يمنعهم هذا من دخول حرب ضدنا المرة تلو الأخري..فإذا أراد العرب الهجوم فإنهم يستطيعون ذلك.
ويعود الجنرال ليتساءل.. هل نحن في حاجة لغزة للدفاع عن انفسنا وتوجيه ضربة مضادة؟هل سيحول إحتفاظنا بغزه دون هجومهم( يقصد العرب)؟ويجيب الجنرال الذي صقلته الأعوام الـ80 عن سؤاله بوضوح قائلا الإجابة هي لا,مؤكدا أن اسرائيل لديها قدرة الدفاع عن نفسها.
ويري الجنرال الذي كان قائدا لشارون في عام1967 ان شارون كان متطرفا حتي وقت قريب فهو الذي قال في عام2002 ان مستعمرة نتساريم مهمة لإسرائيل مثل تل ابيب ولكن اليوم تغير شارونالا ان الجنرال الخبير يؤكد انه تغير غير كاف فهناك الانسحاب من الضفة الغربية الذي يوازي الانسحاب من غزة في أهميته.
المستقبل الغامض
وعن المستقبل.. مستقبل إسرائيل يري الجنرال يشعياهو أن إسرائيل لديها حاليا جيل له جذور صحيةمقارنة بما كان عليه الجيل الذي أسس إسرائيل في عام1948 وهو ما يدفعه الي التفاؤل وإظهار قدر من عدم الإكتراث بالمستقبل وتهديداته,الا ان هذا لاينفي وجود القلق من المستقبل داخل اعماقه وهو ما أفصحت عنه كلماته عندما تحدث مشيرا الي ان إسرائيل لو تمكنت من نيل المشروعية داخليا ودوليا فستكون هناك فرصة جيدة لأن تستمر لمدة100 عام من اليوم!
ومازال الجنرال جالسا وسط ذكريات التاريخ وهو يشاهد من موقع المتفرج هذه المرة زحف الجنرال زمنوالجنرال ديمغرافياعلي أحلام العنف والإحتلال لتفسح مكانا لأغصان الزيتون وشمس السلام.
