رن هاتفي المحمول. قال المتحدث انه يتكلم من جامعة الامام محمد في السعودية، وقال ان مؤسسة الدراسات الاسلامية العربية في طوكيو تحضّر لمؤتمر عن الاسلام سيعقد في اليابان. وبعد ان اخذ موافقتي الشفهية على الاشتراك بالمؤتمر، استأذنني بإعطاء رقم هاتفي الى مدير المؤسسة لينقل الي الدعوة رسمياً.
في اليوم التالي، اتصل بي شخص آخر قال إنه يدعى الدكتور عبد المجيد عبد الرحمن البهلوي، وقال انه مدير المؤسسة، وشرح لي اهداف المؤتمر وجدول أعماله، ثم ابلغني ان شخصا يدعى مجيد مصطفى الاميري مكلف بتوزيع مواضيع المؤتمر على المشاركين، وانه يقوم في الوقت الراهن بجولة على عدد من الدول لانجاز هذه المهمة، وسيصل الى بيروت للاتفاق معي على البحث الذي يفترض بي ان اعده، وعلى ترتيبات السفر الى طوكيو.
وفي اليوم المعين، اتصل بين الاميري على هاتفي المحمول ذاته وقال انه يتكلم من مطار تورنتو في كندا، وانه وزوجته تأخرا عن موعد الطائرة التي كانت ستقلهما الى بيروت عبر باريس. قلت له: حسنا، سوف انتظر وصولك. قال: "ولكن عندي مشكلة صغيرة اريد مساعدتك. لقد كنت في طريقي من الولايات المتحدة الى لبنان عبر كندا، وارسلت حقائبي مباشرة الى بيروت، وربما تكون قد وصلت الآن الى المطار عندكم. ولقد وضعت زوجتي بطريق الخطأ حقيبة اليد وفيها دفتر الشيكات وبطاقات الائتمان في الحقيبة الكبيرة، ولا املك الآن سوى دريهمات معدودة". سألته ما المطلوب مني؟ قال: "اريد ان اشتري بطاقتي سفر جديدتين لي ولزوجتي للسفر من تورنتو الى بيروت، لأن بطاقتينا مقفلتان على شركة طيران محددة، ولا توجد طائرة تابعة لهذه الشركة تقلع من تورنتو الى بيروت الا بعد ثلاثة ايام".
ـ وما المبلغ الذي تريده؟
ـ اي مبلغ. ثلاثة الاف دولار اميركي تكفي، وأعيدها اليك في بيروت.
صادف ذلك اليوم ذكرى مرور شهر على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكنت كسواي من عارفيه والعاملين معه في حالة توتر عاطفي واضطراب نفسي، فبادرت على الفور الى الاتصال بأحد مكاتب التحويل المالي السريع وأرسلت اليه خلال ساعات قليلة المبلغ المطلوب، اضافة الى عمولة 130 دولاراً، تقاضاها المكتب. ولما استلم المال، اتصل بي شاكرا ممتنا، وقال انه سيصل الى بيروت عبر باريس يوم الخميس.
وها قد مر على موعده الخميس الخامس والعشرين ولم أر له وجهاً.. ولم اسمع له صوتاً.
لقد كنت حريصا على ان انجز معاملة النجدة الانسانية الطارئة بسرعة، فالرجل سعودي ـ او هكذا ادعى ـ، وأنا احب أنفة السعوديين ونقاء سريرتهم. ثم ان زوجته معه، وقد انقطعت بهما السبل وهما في طريقهما الي. وليس من الشهامة التردد في المساعدة لإخراج رجل وزوجته من سبيل مقطوع. ولكن من الواضح الآن ان الرجل لم يكن سعودياً ولكنه كان محتالاً محترفاً يتعيّش من المال الحرام.
ومن الواضح ايضا ان حسن حظه، او لعله سوء حظي، ساعده على اختيار الوقت المناسب لإيقاعي في فخ احتياله، وهو الوقت الذي كنت غارقا في أحزاني وآلامي على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. فأنا لست ساذجاً يسهل خداعه او ابتزازه. ولكنني سريع العطب العاطفي خاصة اذا كان الامر يتعلق باليتيم او بابن السبيل.
أما الآن وفي الوقت الذي اعيد فيه ترتيب موازنتي العائلية لتسديد مبلغ الثلاثة الاف دولار، اتساءل بحيرة وقلق: كيف حصلوا على اسمي وعلى رقم هاتفي المحمول؟ وكيف عرفوا باهتماماتي الثقافية؟.. لا بد ان احدهم على الاقل يعرفني جيداً.. ويعرف انني صيد سهل وإن لم أكن صيداً ثميناً.
فالرجال الثلاثة ـ ولعلهم رجل واحد ـ الذين تناوبوا على الاتصال بي من السعودية، ثم من اليابان وبعد ذلك من كندا ـ ولعلهم اتصلوا من كندا فقط ـ، يشكلون عصابة واحدة، أخشى ان لا اكون وحدي ضحيتها.
ولذلك رويت عملية الاحتيال التي تعرضت لها الى عدد من الاصدقاء؛ بعضهم رثى لحالي، واستغرب بعضهم الآخر سرعة وقوعي في فخ الاحتيال الذي نصب لي. إلا أنهم جميعاً حفظوا الدرس.
ومنذ يومين ـ أي بعد اكثر من شهرين على هذا الحادث ـ اتصل بي الدكتور هشام نشابه رئيس المعهد العالي للدراسات الاسلامية ليفاجئني بنبأ المحتال ـ أو المحتالين ـ الذين اوقعوا بي، قال إنهم ـ أو إنه ـ اتصل به للغرض نفسه، وبموجب السيناريو نفسه ايضا. ولكن هذه المرة بأسماء جديدة منتحلة.
قالوا له انهم يحضرون لمؤتمر يريدون مشاركته، وان منظم المؤتمر في طريقه اليه، ولكن انقطعت به السبيل في كندا ـ ودائماً في تورنتو ـ وهو في طريقه الى بيروت من اميركا الجنوبية... وانه يحتاج الى المال لشراء تذكرة سفر جديدة... الخ..
كان الدكتور نشابه يعرف تفاصيل قصتي، فأدرك على الفور ان ثمة عملية احتيال جديدة تستهدفه هذه المرة. الا ان معرفته بقضيتي عصمته من الوقوع في الفخ. ولكن هناك الكثيرين ممن لا يعرفون هذه القصة والذين قد يستدرجون عن طيب قلب الى الفخ. ولذلك آثرت ان أنشر غسيلي.. ورزقي على الله!!!
محمد السمّاك: المعروف مع غير أهله
هذا المقال يحتوي على 704 كلمة ويستغرق 4 دقائق للقراءة
