تحرص سويسرا دائماً، وبوعي، على القيام بكل ما يوحي بأنها ما زالت محافظة على صورتها كدولة صغيرة تقف على الحياد، رغم أنها لا تتحرّج من التدخل في بعض الشؤون العالمية. الحيادية التي يتم التأكيد عليها في مناسبة أو في غير مناسبة، لم تعد قضية بسيطة مثلما كانت في القديم. فمن يزور سويسرا هذه الأيام، ويقرأ صحافتها، سيعثر، في كل يوم تقريباً، على ما يؤكد هذا الإنطباع. فمنذ فترة قريبة بدأ يدور نقاش حاد في مجلس الدولة الإتحادي بين أعضاء المجلس، الذين يسعون لتقديم صورة دقيقة ومفصلة لما تعنيه سياسة الدفاع العسكرية التي يجب السير عليها في سويسرا، بما يتعلق بعدد وهيكلية وحدات الجيش السويسري المتواجدة في الخارج، وبالدور الذي عليها أن تلعبه، خاصة، وحسب ما تكتبه الصحافة السويسرية، أن هناك نية لمضاعفة عدد الجنود في الخارج حتى عام 2008.
ولمعرفة خلفية الموضوع، من الضرروي أن نعرف أن سويسرا إنضمت عام 1996 إلى مشروع حلف الناتو الذي أطلق عليه "المشاركة من أجل السلام". والمقصود من إتفاق التعاون هذا، والذي تم التوقيع عليه بعد نهاية الحرب الباردة، هو إغراء دول أوروبا الشرقية التي كانت عضوة في حلف وارسو سابقاً، بالإنضمام إلى صف الناتو. العديد من هذه الدول، إن لم يكن أغلبها، إنضمت بالفعل للناتو، باستثناء سويسرا. لم تشأ سويسرا أن تكون يوماً عضواً كاملاً داخل حلف الناتو، مثلما لم تعرب عن نيتها أن تنضم إلى الحلف في المستقبل. وقضية الإنضمام للحلف هذه قضية حساسة جداً، لأن أي توجه نحو ذلك سيهز الوعي الذاتي للسويسريين. وحتى إذا ما قررت الحكومة ذلك، فإنها ملزمة بطرح قرار مثل هذا على التصويت، رغم أنها تعلم مسبقاً أن القرار سيقابل بالرفض.
لكن مع الناتو أو من دونه، فإن إرسال وحدات من الجيش السويسري إلى الخارج، هو قرار لم ولن يلاقي الإستحسان في داخل سويسرا، إن لم يواجهه رفض أغلبية السكان. وهذا ما يجعل قادة الجيش السويسري يسعون في هذه الأيام لتهدئة مشاعر الشعب. "نريد أن نوظف وحدات الجيش فقط في مشاريع السلام الموجودة"، كما صرح قبل أيام قائد عسكري لصحيفة النوية تزوريشير تزايتونغ، "أما في تلك البلدان الي يُراد تثبيت السلام فيها حديثاً، فلا نذهب إليها، سنظل بعيدين عنها". لذلك يؤكد الجنرال ذاته، في الصحيفة ذاتها، أن من المستحيل إرسال أفراد من الجيش السويسري إلى العراق، مثلاً. وعندما أعرب حلف الناتو عن رغبته في أن تقوم سويسرا بتدريب وحدات الأمن والشرطة العراقية الجديدة، لم تستجب الحكومة السويسرية لهذا الطلب. والتبرير الرسمي لذلك، هو التوجه العام في سويسرا الذي يقول: "نريد تشجيع السلام والإستقرار في العالم فقط، لأن أمن العالم هو من أمننا الداخلي أيضاً"، و "لا نرسل جيشنا إلى الخارج، إلا وفق قرار صادر عن الأمم المتحدة أو عن منظمة الأمن والتعاون المشترك"، كما صرح ناطق رسمي من الحكومة لصحيفة النوية تزوريشير تزايتونغ. سويسرا تتمتع بكامل العضوية في المنظمتين المذكوريتين، و"تتحمل مسؤوليتها بشكل كامل".
من الضروري أن يُذكر في هذا السياق أن الجنود السويسريين يحملون السلاح خارج سويسرا من أجل الدفاع عن أنفسهم فقط. وفي حالة بقائهم في الخارج لمدة تزيد على الثلاثة أسابيع، وفي حال تجاوز عددهم إلى 200 عسكري، في إحدى مناطق الإضطرابات، فإن ذلك لا يتم إلا بعد تصديق البرلمان عليه أولاً. الجنود السويسريون لا يذهبون إلى الخارج بصفتهم محاربين كما كان يفعل قبل ما يقارب 100 عام المرتزقة السويسريون. اليوم يقوم الجنود السويسريون بمهمات إنسانية: يأخذون على عاتقهم تنفيذ عمليات شحن المواد الغذائية، ومساعدة المدنيين، وكل ما يتعلق بالتجهيزات الضرورية، في المناطق التي يكون قد إنتهى الصراع فيها عادة.
وحسب ريبورتاج أعرق وأكبر صحيفة سويسرية، نويه تزوريشه تزايتونغ، فإن سويسرا تدفع من أجل تنفيذ إلتزاماتها الدولية في الخارج ما يقرب من 40 مليون دولار أميركي سنوياً من خزينتها. وفي الوقت الحاضر يبلغ عدد الجنود السويسريين المتواجدين خارج البلاد، 256 رجلاً وثماني نساء، يتوزعون على مناطق مختلفة لحفظ السلام في العالم. هذا رقم بسيط مقارنة بما تقوم به دول أخرى: ألمانيا مثلاً، أرسلت 7000 جندي أما هولندا فقد بلغ عدد جنودها المشاركين في قوات حفظ السلام 1351 جندياً، وحتى الآن مات 3 جنود سويسريين خارج حدود بلدهم؛ ماتوا في حوادث مختلفة وليس على جبهات القتال!
تاريخياً بدأت سويسرا بالمشاركة في قوات حفظ السلام في عام 1958، عندما طار للمرة الأولى 93 عسكرياً سويسراً إلى كوريا. كان عليهم في ذلك الوقت مراقبة الإلتزام بوقف إطلاق النار بين الكوريتين، الشيوعية التي تقع في الشمال، وبين كوريا التي تقع في الجنوب. حتى اليوم يقيم خمسة ضباط سويسريين في بامونجون، عند خط التماس. بقية أفراد وحدات الجيش السويسري يتوزعون في مناطق مختلفة، بما فيها منطقة الشرق الأوسط. ويمكن إستعراض قائمة البلدان التي يتوزع عليها هؤلاء الجنود: جورجيا، أثيوبيا، أريتيريا، جمهورية الكونغو الديموقراطية، السودان، سري لانكا، ألبانيا ولبنان. لكن تظل النسبة الكبيرة من الجنود، تعمل في الوقت الحاضر في الكوسوفو. هناك يقومون بمهماتهم الإنسانية بالتعاون مع وحدات الأمم المتحدة العالمية. فمثلاً يقوم الألمان مع السويسريين بتدريب الوحدات العالمية المشتركة. أما في المعسكر العالمي المعروف تحت اسم: "كامبو كازابلانكا"، فيشرف السويسريون على عمل محطة ضخ الماء وتصفيته.
لكن رغم ذلك لا يملك السويسريون الحق بإتخاذ القرارات حين يعملون في الخارج. فمن غير المسموح لهم، أن يكونوا على قمة هرم القيادة. وحسب التصريحات الرسمية للعسكريين السويسريين لا يشكل ذلك مشكلة بالنسبة لهم "الآخرون يحترموننا، والعلاقة مع العسكريين الآخرين جيدة جداً"، كما صرح جنرال سويسري يعمل في لبنان. على أية حال، ليس الجو ودياً دائماً، كما يصفه الجنرال. فقبل فترة قريبة لم يكتف عسكريون سويسريون بتعرية مجند نمساوي، إنما راحوا يلمسون جسده، أثناء تدريبهم لمجموعة من الجنود قادمين من بلدان أخرى في إقليم الكوسوفو. بعد تلك الحادثة تعرض الجنود الذين إرتكبوا المخالفة إلى عقوبات إنضباطية.
حوادث مثل هذه تدعم الأصوات الناقدة. "من الأفضل أن نعطي أموالنا لأهداف إنسانية، بدل أن نخسر الثقة بنا"، كما صرح أحد قادة حزب الخضر السويسري والذي هو عضو في هيئة الأمن التابعة للبرلمان، لصحيفة النوية تزوريشه تزايتونغ. وحسب رأيه، إن وراء إرسال وحدات الجيش للخارج، تكمن مصالح إقتصادية في الدرجة الأولى. "فلأن سويسرا تُهاجم دائماً بسبب سرية الحسابات في مصارفها، تريد الحكومة أن تعلن عن تضامنها مع العالم، بما يشاؤه العالم؛ كما تريد التخفيف من الضغط عليها". وحسب رأيه، فإن سويسرا لم تعد دولة حيادية 100 بالمائة، إنها تغازل الناتو أكثر من ذي قبل. "عقلياً، أغلبية المواطنين السياسيين وأعضاء الحزب الإشتراكي الديموقراطي هم في الناتو".
الخلاف على شرعية أو عدم شرعية إرسال وحدات من الجيش السويسري إلى الخارج، قسم معسكر اليسار في سويسرا إلى فريقين: الفريق الأول، لا يخفي وجهة نظره التي تقول "أن من مصلحة سويسرا، أن تعمل على كل ما يساعد في تثبيت دعائم الإستقرار والأمن عالمياً"، كما يصرح بعض قادة الحزب الإشتراكي الديموقراطي، وحسب رأيهم، "كلما اصبح الأمن أكثر استتباباً في العالم، كلما قلّ عدد المهاجرين الذين ينزحون إلى سويسرا". وإذا كان إرسال الجيش يعتمد على قرار صادر من الأمم المتحدة، "فإن ذلك لا يؤثر على حياد سويسرا مطلقاً".
الفريق الثاني يتشكل من المعارضين اليساريين لإرسال الجيش للخارج، وهؤلاء مدعومون، للمفارقة، من معسكر اليمين. فحسب رأيهم، "يجب أن يكون دور الجيش وفي أشد الحالات، هو حماية بلدنا ذاتها، وليس هناك ما يستدعي أن يذهب للخارج"؛ وقد نجح الفريق الثاني سوية مع معسكر اليمين، بعرقلة مساعي الحكومة السويسرية في توجهاتها العسكرية الجديدة. فلأنهم يحوزون سوية على الأغلبية في البرلمان، فقد صوت النواب ضد قرار شراء طائرتي نقل هيليكوبتر للنقل العسكري خارج سويسرا؛ وبهذا الشكل نجحوا بإفشال برنامج التسلح الذي خططت له الحكومة. "على الجيش أن يتنازل موقّتاً عن عقد صفقات ضخمة لشراء أسلحة جديدة، مهما كان نوعها". آخر مرة عرفت فيها سويسرا قراراً مشابهاً، كان في القرن التاسع عشر: عام 1848!
زيوريخ
