ادمون صعب


quot;وقد استطاع كل فريق ان يستعين بقوة خارجية تدعمه وتقف بجانبه، وهذا ما جعل لبنان نموذجاً مصغّراً لساحة نزاعات الشرق الأوسط بدل ان يبقى، كما كان تاريخياً، رمزاً لما يمكن ان يشكّل حلاً لتلك النزاعاتquot;.

هنري كيسينجر
في كتابه quot;سنوات التجددquot; (1999)

في انتظار quot;جنرال في المنفىquot;، بدأت امس قناة quot;العربيةquot; السعودية بث شريط وثائقي طويل عن معاناة قائد quot;القوات اللبنانيةquot; سمير جعجع وشجاعته وصبره على جلاديه في زنزانة الموت في وزارة الدفاع التي دخلها يوم كان العماد اميل لحود قائداً للجيش فأشرف على اجراءات quot;ظلمهquot; بداعي المحافظة على حياته (!) على اساس ان لا شيء يضمن الحياة ndash; وكذلك الموت البطيء ndash; مثل دفن الانسان تحت الارض وحرمانه الضوء ونور الشمس، وحتى رؤية البشر، في عقاب اضافي لم يستطع القضاة ادخاله في الحكم الذي أُرسل من اجله الى السجن المؤبّد بعد ابعاد كأس الاعدام عنه، وقد طلبه له كثيرون تشفياً وانتقاماً وخصوصاً بعد quot;تعليقquot; سلسلة جرائم في رقبته وكان اخطرها الوقوف وراء تفجير كنيسة سيدة النجاة في الزوق في شباط 1994 التي اتُهم بها جرجس الخوري، وكانت المبرر الاساسي لحل quot;القوات اللبنانيةquot; ومحاصرة مقر جعجع في غدراس ثم سوقه الى السجن الذي لم يبارحه الا في تموز 2005، اي بعد 11 سنة.

واذ يصادف بدء عرض هذا الوثائقي قبل نحو ثلاثة اسابيع من الذكرى الاولى لاستشهاد الحبيب جبران تويني الذي جعل من قضية السيادة والاستقلال في مستوى وجوده فأعطى لبنان حياته شرطاً لتوحيد شعبه الامر الذي وضعه امانة في اعناق قادة 14 آذار، ولم يتحقق الى الآن ويا للاسف، كما لا يبدو انه اولوية في حسابات هذه القيادات تتقدم موضوع المحكمة ذات الطابع الدولي التي زاد الخلاف حولها من الانقسام في البلاد.
واننا لنتساءل هنا: هل كان الرئيس رفيق الحريري ورفاقه قد تعرضوا لما تعرضوا له لو كانت لهم شجاعة جبران تويني وسمير قصير وامثالهما من النواب الـ29 في quot;لائحة الشرفquot; الذين تحدوا نظام الوصاية السوري في جلسة التمديد للرئيس اميل لحود؟
بالطبع لا، لان quot;ثورة الارزquot; ما كانت انتظرت طويلاً حتى تعمّدت بدماء الحريري ورفاقه. وانه لولا هذه الدماء لما كانت هناك انتفاضة في اوساط الذين انضموا الى الثورة لاحقاً، بسبب فظاعة ما جرى يوم 14 شباط 2005، علماً ان الثورة كانت ملتهبة قبل ذلك بنحو عقد وقد اكتوى بنارها العماد ميشال عون وسمير جعجع ورفاقهما، الى العسكريين الذين لا يزال ينتشل رفاتهم ويخضع للفحص الجيني بينما كان quot;الآخرونquot; يفتقرون الى الشجاعة الكافية للوقوف في وجه الطغاة وحكم الوصاية المخابراتي، يتنعمون بالخيرات المتدفقة عليهم مصالح ونفوذاً واسلاباً، ينظرون الى ما يتعرض له الاحرار، ثم يشيحون انظارهم عنهم.

حتى في الاعلام كان مجرد ورود اسم سمير جعجع وميشال عون وبشير الجميل في الفضاء التلفزيوني كفيلاً بوقف المتكلم عن الظهور سنوات، حتى في تلفزيون quot;القواتquot;!
لقد كانت القضية في حاجة الى تضحيات ومضحّين، والمستعدون قلة. وكان نظام الوصاية مكتفياً بتمثيل الجماعات التي يتألف منها النسيج اللبناني، في اطار الطائف، استناداً الى هويتهم المذهبية وتبعيتهم له، اكثر مما الى تمثيلهم الشعبي او وزنهم الطائفي والسياسي.

ومن هذه الزاوية ينظر اليوم الى الوزراء الشيعة الذين استقالوا من الحكومة، بصرف النظر عن اسباب الاستقالة. اذ يُنظر اليهم على اساس هويتهم المذهبية لا على اساس تمثيلهم الشعبي او وزنهم السياسي. وهي المعادلة عينها التي جعلت سمير جعجع يستقيل من الحكومة الاولى التي تألفت بعد الطائف، كما حكمت بإبعاد العماد ميشال عون من الحكومة التي تألفت بعد الانتخابات النيابية الاخيرة، بعدما استُبعد من التحالف الرباعي الذي ادى انهياره في كانون الاول الماضي الى بدء النزاع مع quot;حزب اللهquot;.

ومن المؤسف الا يُنظر الى ممثلي حركة quot;أملquot; وquot;حزب اللهquot; في الحكومة سوى انهم شيعة يمثلون طائفتهم فحسب، بينما الذين اوصلوهم الى الندوة النيابية، ثم الى الحكومة، قد اختاروهم على اساس انهم مقاومون لاسرائيل. وان مقاومة اسرائيل لها quot;ثمنquot; لم يظهر ان ثمة من هو مستعد لدفعه لعائلات الشهداء التي لم يلتفت احد في الحكم اليها ولا الى ابناء الشهداء والارامل الذين خلفوهم وراءهم ويحتاجون الى عناية حياتية، وصحية، وتعليمية لم تتوافر لهم من اي مصدر رسمي، فكانت لهم اموال الزكاة والدعم الايراني والسوري في شتى المجالات، بدءاً بالمجالات العسكرية.
فمنذ انطلاقها عام 1982 كانت المقاومة تؤمّن حاجاتها بطرقها الخاصة، وتجنّد المقاومين للاستشهاد من اجل لبنان كما تتحمل نفقات رعاية أسرهم.
وهذا مستمر الى الآن، وكأن في البلاد من لا يريد ان يقاوم، او من يريد للتحرير أن يتم مجاناً ويقدم على طبق من فضة من دون بذل ولا شهداء.

لذلك لم يكن مناسباً قول رئيس الحكومة في رده على رئيس الجمهورية في موضوع دستورية جلسة الاثنين quot;ان القول بعدم جواز انعقاد جلسات مجلس الوزراء لمجرد غياب او استقالة مجموعة من الوزراء تنتمي الى فئة معينة من اللبنانيين من شأنه ان يعطي هذه الفئة، أو أي فئة أخرى تتخذ مثل هذا الموقف مستقبلا، القدرة الاستنسابية المطلقة على ممارسة حق النقض على جميع المؤسسات الدستورية، وخصوصا مؤسسة مجلس الوزراء التي تتولى السلطة التنفيذية في البلاد، وهذا مناقض ومناهض تماما لمبادىء العيش المشترك ولوثيقة الوفاق الوطني لعام 1989 والمكرسة بالتعديلات الدستورية عام 1990quot;.

وهنا نقطة الافتراق مع quot;حزب اللهquot; وquot;أملquot; كفصيلي مقاومة رفع المواطنون في مناطقهما مناضليهما في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي وممثلي شهدائهما الى مصاف ممثلي الشعب والمشاركين في صنع القرار السياسي. وما يحصل معهما اليوم يشبه الى حد بعيد ما حصل مع سمير جعجع الذي غطّى الطائف مسيحياً، مع البطريرك الماروني، يوم أُدخل وحيداً الى الحكومة، ولم يسأل عنه احد يوم خرج منها الى السجن الاستبدادي ليواجه الموت البطيء، علما انه وراءه آلاف الشهداء الذين سقطوا quot;ليحيا لبنانquot;!

لذلك، فان الازمة السياسية الراهنة التي جاءت نتيجة تداعيات حرب تموز، وارتياب quot;حزب اللهquot; في ما كان quot;يخططquot;، بحسب قادته، في quot;الغرف السوداءquot; لانهاء المقاومة واجبارها على تسليم سلاحها قبل تحرير مزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا ndash; لهي ابعد من استقالة وزراء ينتمون الى طائفة معينة. بل تتعلق بصميم العيش المشترك الذي دفع المقاومون ضد العدو الاسرائيلي دماءهم في سبيله، والمشاركة في القرار، والتضامن في قضية المقاومة وتحمّل مسؤولية ما ينتج عنها في مقابل تحرير الارض، وضمان حمايتها حتى خروج آخر جندي اسرائيلي من فوق الارض اللبنانية، ووفاء للشهداء الذين اعطوا دون حساب، لا لسوريا ولا لايران.

وقد أصاب عالم الاجتماع اللبناني الدكتور سمير خلف عندما دعا، اثر الطائف، الى ما وصفه بـquot;ثقافة التسامحquot; التي quot;تتطلب، في جملة ما تتطلبه، ان يغيّر كل لبناني اليوم مفهومه حيال quot;الآخرquot;. فوحده هذا التغيير يفتح امامنا المجال رحباً لتحويل جغرافية الخوف عيشاً مشتركاً اصيلاً وصادقاً (...) كما ان التضامن الفئوي متى بُرّئ من نزعة التعصب وعدم التسامح يمكن ان نجعله منطلقاً لأشكال من المشاركة اكثر توازناً وحكمة وقاعدة لصوغ هويات ثقافية جديدة. وهنا يكمن الامل الكبير، وربما الوحيد، باعادة تركيب لبنان التعددي تركيباً متميزاً، بل مثالياًquot;.

ويضيف: quot;ليس مستحيلاً، ولا صعباً، ان يعاد تكوين الولاءات المجتمعية. فالجماعات متى تسنّت لها قيادات حكيمة، واعية، ورؤيوية، يمكن ان تعيد النظر في مفاهيمها الاجتماعية بحيث ترى في خلافات الرأي مظاهر من التنوّع والثراء الثقافي، وتكف عن ان ترى فيها مظاهر من فقدان الثقة والخوف والانغلاقquot;.
اننا نسوق هذا الكلام للبروفسور خلف في وجه المتشائمين الذين ينعون لبنان كل صباح، ويعلنون وفاته القريبة وهو الذي تغلّب على الانقسام والتفتت والانهيار منذ آلاف السنين.