سمير عطا الله

دخلت مع زميلين الى مطعم لبناني يقدم صنوفا من الحشائش واصنافا من الطرب. وقد اشتهرت المطاعم اللبنانية بالكرم وتنوع ما لذ وطاب، لكن يبدو ان صاحب هذا المطعم نباتي وحريص على صحة زبائنه. لذلك كل الاطعمة بالزيت: لوبياء بالزيت. فاصولياء بالزيت. هندباء بالزيت. بامية بالزيت. والمطربات بالزيت ايضا.
وقامت احداهن تغني لفيروز، وعزفت الفرقة. ودربكت الطبول. وصرخ المقدم يعلن ان المطربة الصاعدة سوف تغني لأميرة النشيد. يا مسكينة يا فيروز. يا حزينة يا فيروز. صبرا وسلوانا ايها السامعون. فالمعروف ان فيروز تغني من حنجرة ملائكية. وصاحبتنا هذه واقفة على المسرح، كل ما فيها ظاهر الا حنجرتها. وقبل هذا اليوم، او هذه الليلة، لم اكن ادري ان فيروز تتأوه او تتلوى او ترفع يديها داعية الجمهور الى ان يردد معها: laquo;شايف البحر شو كبيرraquo;. لكن صاحبتنا على المسرح تأثرت بصوت الطبل وحماس الطبال وراحت تطلب من منا، مساكين الحضور، ان نردد ونرقص.

وكان احد الزملاء العرب الذي هو ثالثنا قد اصيب بعدوى الحمى من الطبال والمقلدة، فقام يرقص. وشعر الزميل الثاني ان اسباب انسحابي قد اكتملت، فوضع يدا على كتفي ويدا على ذقنه وقال: laquo;بسيطة. ننتهي من العشاء ونمشيraquo;. وفعلا تذكرت اننا جئنا في الاصل من اجل العشاء، فرحت استطلع الصحون على المائدة امامنا، واقول في نفسي، كل ما نملك في لبنان صوت فيروز والاكل اللبناني ومساحة من 10540 كيلومترا مربعا. وها نحن امام الفاصولياء بالزيت واللوبياء بالزيت والبامية بالزيت، ومن البخل جعل الزيت ماء. واما فيروز، فإذا كانت هذه فيروز، فأنا بعد اليوم سأكتفي بالطرب على صوت هيفاء وهبي. فكلما رفعت رأسي او ادرته ارى امامي هذه المواطنة التي جعلت للغناء مستويات جديدة، معظمها لا ضرورة له، والباقي يوفره المزيتون لا الملحنون. واما مساحة الوطن العزيز، فان صاحبتنا على المسرح كلما التوت تغطي نصفها.

الاكل مذاق. وهناك انواع من اللوازم اللحومية يأكلها اللبنانيون، وانا لا اطيقها. منها اللسانات. والسناسل. والكبدة. والنخاعات. والكلاوي. وبيض الغنم. والكروش. وlaquo;النيفاraquo;، او رأس الخروف والنعجة والحمل! وبعدما انتهى زميلنا الثالث من وصلته على طرف المسرح، عاد مشرقا، فوجدني واجما لا آكل. فقال ملحا: laquo;ماذا اطلب لك؟ لسانات؟ سناسل؟raquo;. طلبت الحساب. في سرعة.