منتصر الزيات

رئيس لجنة الحريات بنقابة المحامين بمصر

مش فاهم حكاية المراجعات الفكرية التي لا تتم إلا داخل السجون ؟ ورغم أن مبادرة وقف العنف التي أطلقها بعض قيادات الجماعة الإسلامية ومعهم بعض المحسوبين تاريخيا علي جماعة الجهاد مر عليها قرابة تسع سنوات ، مازالت محاولات جديدة لاطلاق مراجعات جديدة لمجموعات مختلفة داخل حركة الجهاد داخل السجون ، ورغم أنها تحمل اختلافا عن طريقة المبادرة القديمة لكنها فضلا عن كونها جاءت متأخرة إلا أنها تحمل معاني غير مشجعة علي التعاطي معها ، وأهمها ما يضعفها برأيي أنها جاءت بعد سنوات عديدة من سابقتها التي أطلقت أثناء انفجار الموقف ، وكان لها دوافعها القوية وأسبابها الواضحة ، وكان أصدقائي في الجهاد يرقبونها ويعارضونها ويرفضون التواصل معها . وربط المراجعات الفكرية التي بشر عنها جهاديون بالإفراج عن عدد من المحسوبين علي حركة الجهاد ينذر باستحضار تجارب تاريخية قديمة أيام السجن الحربي وأبو زعبل في التجربة الناصرية بل وأيام السجون بعد اغتيال السادات في ندوات الرأي المتلفزة والمفبركة التي أشرف عليها الأستاذ حلمي البلك رحمه الله وفؤاد علام أبرز قيادات جهاز أمن الدولة في تلك الأثناء ، بما يعني أنها تستغل من الطرفين للخروج من مأزق ، الداخلية تريد تعزيز سيطرتها وتتخلص من بقاء المعتقلين داخل السجون في الوقت الذي تتصاعد فيه انتقادات دولية لمصر في هذا الصدد ، وعناصر الجهاد وقد رأت الإفراج عن غالبية عناصر الجماعة الإسلامية أن تتجرع سيناريو المراجعات لتسترد حريتها ، بعد أن خذلها المجتمع بنخبه ومفكريه وأحزابه ومؤسساته في الضغط علي النظام من أجل إنهاء الطوارئ والإفراج عن المعتقلين . وأتصور أن استمرار احتجاز مواطنين اعتمادا علي قانون الطوارئ أو تذرع النظام المصري بحالة الطوارئ هو من أهم أسباب بقاء التوتر كامنا خلف السطور أو تحت الرماد ، فلا ينبغي استمرار اعتقال بريء سنوات طويلة دون أن يرتكب جرما أو تحدد حريته أحكاما قضائية ، ذلك يفقد هؤلاء أي انتماء للوطن ويعدمهم الثقة في صدقية النظام تطبيق القانون بمعايير موضوعية ، وهم يرون بأم عيونهم في غفلة من الدنيا كلها الجهة المنوط بها احترام القانون وتطبيقه تتحايل عليه ، وتنفذ أحكام القضاء ببراءة المعتقلين والإفراج عنهم علي الورق فقط وتستبقيهم داخل أقبية مخافر الشرطة أو بعض مقار مباحث أمن الدولة بعض أيام تستصدر خلالها أجهزة الأمن أوراقا جديدة وأوامر اعتقال جديدة ، كأنهم اقترفوا إثما خلال تلك الأيام التي قضوها بلا حول لهم ولا قوة تحت سيطرة الشرطة وداخل أبنيتها . وأصبحت نوادر السجون تتحدث عن براءة هذا بعشر سنوات وبراءة ذاك بخمس عشرة سنة !! ولله في خلقه شئون.

والمكان الطبيعي للحوار هو خارج السجون فتلك هي المقدمة الطبيعية للحديث عن قيمة الحوار ، وإذا اضطرت الظروف إجراء حوار بين السجين والسجان عند تفجر الصراع بين بعض الجماعات الجهادية والنظام ، وتهيئة أجواء ساعدت عليه فذلك لا يقتضي تطبيق ذات المفردات عند افتقاد نفس الظروف وسيادة مناخ مؤهل للإفراج عن المعتقلين أولا طالما أنهم أبرياء ولا تجد أحكاما جنائية بحقهم ، وأن استمرار التعاطي بذات الطريقة يفقد الثقة فيما تم من إجراءات سابقة طوال السنوات التسع الماضية وفي كل الإجراءات اللاحقة ، ويجعلنا عرضة التعرض لدورات مجهولة من غضب أجيال جديدة كامنة أو تحت الولادة والمخاض.

إننا لا نري ضرورة تدفع إلي أية أعمال عنف أو عنف مضاد ، وقناعتنا الدائمة أن سبب الصراع الذي تفجر خلال التسعينات بين الجماعات والدولة متبادل بذات القدر بينهما ، وإذا كانت شرائح واسعة من النخبة السياسية العربية قد ارتكبت خطأ تاريخيا بأن أحاطت الحركات الإسلامية السياسية بمواقف استئصالية وصل بعضها في تطرفه حد التنكر لفرض الجهاد ، فإن الحركات الأصولية هي الأخري ارتكبت خطأ تاريخيا مماثلا بالتوسع في ممارسة العنف حتي وإن بدا في صورة رد الفعل بما يعبرون عنه '' بدفع الصائل '' أي الدفاع الشرعي الخاص والغض من شأن النهج الإصلاحي ومن ينتهجونه ، إذ لم تر فيه سوي مهرب فرضه الجبن وخوار الهمم ، وإذا كنا نري مسئولية القيادات القديمة سواء داخل الجماعات أو المؤسسة الأمنية عن الدماء التي سالت من الطرفين ، فإننا لا نوافق علي أن المراجعات الفكرية تعني الصمت علي مخالفات النظام السياسية والشرعية ، وإنما التخلي عن المعارضة المسلحة داخل المجتمعات الإسلامية وإفساح المجال للمعارضة السلمية القوية تمارسها الجماعات وعناصرها دون ممالأة أو مهادنة أو تجمل وفرج الله كرب شيخنا الدكتور عمر عبد الرحمن الذي كان حريصا أن يصرخ فينا في كل مناسبة أو عظة أو خطبة '' قولوا الحق وإن كان مرا '' ويتلو قول الله تعالي (أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين).

إن المراجعات تعني أن نقدم تصوراتنا لكيفية إدارة شؤون الدولة ، وأن نشارك في صوغ دقائق الحياة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا كبديل للمقاطعة أو الانعزال ، أن نتصالح مع المجتمع لا أن نتقاطع معه ، أن نقدم ترجمة حية للأخلاق والسلوك في معاملاتنا مع البشر كلهم علي اختلاف عقائدهم ، دون أن يعني هذا كله الإقرار بمشروعية السلطة في كل تجاوزاتها وسلبها حق الله في التشريع ، وسلبها ثروات الناس وأموالهم وتجاهل طموحات الشعب في حياة كريمة ، أن نطارد الحكومات من أجل تهيئة الفضيلة وتزيينها للمواطنين بديلا عن الرذيلة ودغدغة العواطف ، أن نشارك في حكم بلادنا عبر مجالس منتخبة بنزاهة ونكافح تزوير إرادة الشعب ، ونتحمل في سبيل مواقفنا هذه السجن أو الاعتقال دون أن نقدم التنازلات ، فإن نيلسون مانديلا بقي في سجنه خمسة وعشرين عاما دون أن يقدم تنازلا واحدا أو يقر بمشروعية حكومة التمييز العنصري أو يطلب التماسا.