النزوح الأرمني من برج حمود إلى المناطق الأخرى
أسبابه سياسية وأمنية وحياتية وتربوية والنتيجة: إخراج الأرمن من عزلتهم واندماجهم في المجتمع اللبناني

غسان سعود - النهار اللبنانية : في بداية التسعينات إستفز بعض الشبان الأرمن عائلاتهم ومجتمعهم حين قرروا شراء مساكنٍ خارج منطقة برج حمود. وأثاروا امتعاض أسرهم وتسببوا في مشاكل عدة. إذ أن التفكير في الخروج من برج حمود كان يثير قلق الأرمن المتقدمين في السن. لكن كثراً منهم لحقوا بأبنائهم وانتقلوا للسكن خارج المدينة التي كانت مغلقة ذهاباً وإياباً في السابق. لكنّ تدفق المهجرين من المناطق والطوائف المختلفة خلال الحرب ادى إلى انتهاك خصوصية الإكتفاء الذاتي عند الأرمن داخل منطقتهم، إجتماعياً وإقتصادياً وثقافياً. وغدا داخل برج حمود وخارجها يشبهان بعضهما كثيراً مما أسقط حواجز نفسية وعرقية وطائفية ولغوية عدة، وجعل الخروج من برج حمود أمراً مقبولاً، وخصوصاً مع توافر الأموال اللازمة التي جناها الأرمن بفعل جهدهم المضني في العمل، فكثيرون منهم يعملون حوالى 18 ساعة يومياً.

البعد التاريخي

حين نزح الأرمن إلى لبنان في العقد الثاني من القرن الماضي، توزعوا بداية في بعض المدن اللبنانية. وسكنوا خصوصا تحت التنك في محلة الكرنتينا، وفي تخشيبات في quot;بورة التبانquot; قرب مصلحة الكهرباء. إلا أن اندلاع الحرائق في هذه المساكن أرغم الأرمن على التجمع في محلة برج حمود وأقاموا أحياءهم وأطلقوا على كل حي إسم مدينتهم الأرمنية التي نزحوا منها كـ quot;كمب سيس واضنةquot; و quot;مرعشquot; وquot;امانوسquot; وquot;سيوازquot;.

وفي العام 1963 أشرفت quot;كاثوليكوسية الأرمنquot; على بناء أول مشروع سكني للأرمن في لبنان لإيواء أهل الكرنتينا ونقلهم من بؤرة البؤس، إلا أن المساكن لم تكن في برج حمود وإنما في منطقة الفنار، وكان انتقال الأهالي جماعياً ومنظماً.

لكن بحسب أفاديس بانشانيان، أحد المستثمرين الأرمن، فقد quot;بدأ منذ منتصف التسعينات النزوح الأول للأرمن اللبنانيين بكامل إرادتهم من مكان إقامتهم. فاختارت عائلات كثيرة بإرادتها مساكن جديدة، بعدما اضطروا يوم أتوا إلى لبنان للسكن في أماكن محددة لهم من الدولة اللبنانية، وأيضاً إبان الحرب الأهلية حين وفدوا إلى برج حمود هرباً من المناطق ذات الغالبية المسلمةquot;. وحرص الأرمن على عدم قطع الروابط بين النازحين والقاطنين في الغيتو الأرمني السابق، إذ تبنوا عادة روتينية يومية تقضي بالتوجه يومياً من أماكن سكنهم الجديدة إلى أحيائهم القديمة لشراء الخضر واللحوم من محال أصدقائهم.

النزوح السياسي

سياسياً، وجد حزب الطاشناق نفسه مؤثراً في شكل حاسم في تأليف لوائح دائرة المتن الشمالي والدائرة الثانية في بيروت. فلم يعارض بناء عدد من الكنائس والنوادي والمدارس خارج برج حمود لتشجيع الأرمن على quot;الخروج من عزلتهم والاندماج أكثر في المجتمع اللبنانيquot;، مع تشدده في المحافظة على التراث الأرمني وفي مقدمته اللغة الأرمنية والكنيسة الأرمنية. وبين الانتخابات النيابية في عامي 1992 و2006 تضاعفت أرقام الناخبين الأرمن في بلدات جل الديب بقنايا والزلقا وأنطلياس وبيت الككو وعدة بلدات متنية أخرى. وثمة سبب رئيسي وراء نقل نفوس الأرمن المؤيدين بأغلبهم لحزب الطاشناق الذي تحالف في منطقة المتن الشمالي منذ بداية التسعينات مع نائب رئيس مجلس النواب السابق النائب ميشال المر، الذي احتاج الى أن يضمن تأييد مزيد من الناخبين لتأكيد سيطرته على المجالس البلدية في ساحل المتن الشمالي وسائر البلدات المهمة في الحسابات السياسية. واستتبع نقل النفوس بخروج مكثف للأفراد والعائلات من برج حمود في اتجاه بلداتهم الجديدة، تارة من أجل إمضاء مختار وطوراً لتأمين المستندات القانونية. وبدأت تبرز أسباب عدَة تشجع الأرمن على التخلي عن الحياة في منطقتهم، والانتشار السكني في المنطقة الممتدة بين الزلقا وبكفيا.


أسباب الهجرة

صغر مساحة الشقق في quot;الغيتوquot; القديم هو من الأسباب التي شجعت الأرمن على الانتقال إلى خارج برج حمود. فعدم اتساع الوحدات السكنية لتضخم العائلات، وخصوصا ان مساحة بعضها لا يزيد على السبعين متراً وهي غالباً تتألف من غرفتين أو ثلاث أدى إلى انعدام وجود الخصوصية وازدحام البنايات بالسكان بشكل يفاقم الضغط النفسي. وتعاني المساكن القديمة في برج حمود التي أوت الأرمن أكثر من نصف قرن quot;النشquot; والرطوبة عددا من المشاكل في البنية التحتية والتجهيزات الضرورية بسبب إهمالها من الدولة والمسؤولين والقوى الأرمنية.

منذ انتهاء الحرب في العام 1990، إزداد إنتهاك quot;استقلالquot; المساحة الأرمنية المغلقة، من غرباء سوريين وأكراد ولبنانيين من غير الأرمن، أغلبهم من الفقراء والمشردين ذوي المستوى الاجتماعي والاقتصادي المتدني. الأمر الذي أقلق العائلات الأرمنية التي حرصت كثيراً على عدم اختلاط أبنائها بهذه المجموعات التي تُشجع على تعاطي المخدرات والتدخين والشتيمة والسرقة. وضرب بعض هؤلاء، المنظمون ضمن عصابات، نظام القيم الأرمنية الذي حافظ عليه أهالي برج حمود اباً عن جد.

وأدى تزايد أعمال العنف بين العمال الأجانب من جهة وبعض الأرمن من جهة أخرى، إلى نزوح عائلات كثيرة من البلدة - المدينة التي ولدوا وترعرعوا فيها، إلى مناطق أخرى ذات بيئة ثقافية يؤمنون على تفاعل أبنائهم معها، وإن بنسبة صغيرة. إضافة إلى أن عددا كبيرا من الأرمن اختار مغادرة المنطقة رغم تمسكه بملكية شققه الصغيرة ومحاله القديمة. وسكن هؤلاء خارجها بسبب تحول منطقة برج حمود إلى ما يشبه مجموعة أسواق تجارية، حيث تتشعب الأسواق الشعبية، وتزدحم المحال التجارية، ويمتلئ المكان بالفوضى والضجيج والتلوث، ويصعب أو يستحيل على العائلات أن تنعم بالهدوء خلال النهار.

جورج تاشاجيان، الاختصاصي في العلوم الاجتماعية، إعتبر أن ثمة سببين رئيسيين لنزوح الأرمن إلى خارج برج حمود. الأول أكاديمي وتربوي، فمدارس برج حمود تعاني تدني مستواها الأكاديمي مقارنة بالمدارس الأرمنية الكبيرة الموجودة خارج الغيتو الأرمني. وأهم المدارس quot;هريبسميانتسquot; في الفنار و quot;حيمارانquot; في أنطلياس وquot;AGBUquot; في ضبية.

أما السبب الثاني فيرتبط بالمجمعات السكنية الكبيرة التي بدأ المستثمرون منذ بداية التسعينات في بنائها خارج برج حمود. من بلدة الزلقا في ساحل المتن صعوداً إلى بيت الككو. وينجح المستثمرون الأرمن في إقناع أهالي برج حمود بإيجابية الانتقال من الدائرة المرسومة بالفقر والبؤس. ويُشجعون انتقال الأسر الأرمنية، وخصوصا أنهم يتملكون الشقق الجديدة عبر تقسيط ثمنها على دفعات طويلة الأمد. وينجذب الأرمن كالآخرين إلى رفاهية الحياة في الزلقا وجل الديب وأنطلياس وحتى في الرابية وبيت الشعار وبيت الككو التي لا يمكن مقارنتها ببؤس الحياة في برج حمود، إن من حيث التجهيزات الحديثة أو الشوارع الواسعة والبعيدة عن الضجيج والقريبة من المدارس والنوادي الأرمنية الاجتماعية والثقافية والرياضية. فمن أسباب الإنتقال التي لا يمكن تجاهلها بحسب تاشاجيان، وجود النوادي الرياضية التي ينتسب إليها عدد كبير من الأرمن خارج برج حمود وأبرزها quot;الأنترانيكquot; في ضبية وquot;الهومنتمنquot; في المزهر.

إشارة إلى أن كثيرين من الذين انتقلوا من برج حمود يعزون سبب انتقالهم إلى مؤثرات أخرى تبدو بسيطة، كالهرب من ضجيج السيارات والتلوث الناتجين من الجسر الذي جرى استحداثه مؤخراً لوصل الأشرفية بالدكوانة ويخترق برج حمود، وأدى إلى نزوح معظم العائلات التي تسكن في محيطه. وجبل النفايات الجنوبي الذي يرغم الأهالي الساكنين بالقرب منه على التخلي عن الأحياء التي ولدوا وترعرعوا فيها. خاصة وأن مشكلته تبدو عصية على الحلول، وهو يسبب روائح كريهة ولا سيما في فصل الصيف. وبعض الأهالي يعتبر أن quot;الجبل الأسودquot; يسبب أمراضاً يستحيل الشفاء منها... إضافة طبعا إلى روائح المجارير التي لا تزال تنبعث من نهر بيروت.

التضامن الأرمني

إشتهر أرمن لبنان بتضامنهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. فحرصوا على عدم تشجيع زواج أبنائهم وخاصة الإناث بغير الأرمن، أو بتسرب ثقافة غريبة عنهم عبر فقدانهم لغتهم المحكية والمكتوبة والمحافظة عليها بشكل دائم عبر التعاليم والتقاليد الدينية، ولعبت اللغة الأرمنية دوراً أساساً في الحفاظ على التماسك والتضامن الأرمنيين وصون الفرادة الأرمنية.

اقتصادياً حوّل الأرمن مدينتهم الصغيرة في برج حمود إلى ما يشبه المدينة الصناعية حيث بنوا المعامل الصغيرة لتصنيع منتوجات مختلفة. ومعظم الشقق القديمة التي أخليت، حُولت مستودعات أو معامل صغيرة. ونجح أرمن برج حمود والمناطق القريبة منها في أن ينظموا ما يشبه الاكتفاء الذاتي، وخصوصا أن الأرمني، خلافاً للبنانيين كثر، يفتخر بصناعته ويشدد على براعته ويصر على تسويق ما ينتجه الأرمني. وحتى لو اضطر الارمن إلى دفع مبلغ إضافي فانهم يفضلون تبادل شراء منتوجاتهم التي يصنعونها بأنفسهم على استيرادها من مكان آخر.

أما سياسياً فرغم الثلاثية الحزبية الأرمنية، بنى الأرمن التفافاً لافتا حول حزب الطاشناق. ولم يقعوا في فخ الاقتتال الداخلي كما حصل مع سائر الطوائف. وتمكنوا بفعل وحدتهم وشبه الإجماع الشعبي حول قرارات القيادات الحزبية، من أن يؤمنوا لطائفتهم الصغيرة نسبياً حقوقاُ مهمة ومؤثرة في الحياة السياسية اللبنانية. ومع ازدياد النزوح إلى خارج برج حمود حمل الأرمن معهم الكثير من التعاضد والتشدد في التضامن والحذر على افتقاد الميزة الأرمنية التي فقدتها الأقليات اللبنانية الأخرى.

وفي هذا السياق، تلعب جمعية quot;طلاب زافاريانquot; دوراً أساساً. والجمعية هي الجناح الطالبي لحزب الطاشناق في لبنان، وهي اقدم مصلحة طالبية في المنطقة اذ تأسست في بيروت عام 1904. وشكلت في البداية صلة الوصل بين المؤسسات الحزبية في اوروبا ورفاق النضال في ارجاء الامبراطورية العثمانية في حينها. وتعمل وفق ما تنص عليه عقيدة الحزب، ولا سيما الدفاع عن القضية الارمنية وتحديدا الحفاظ على حقوق الأرمن في لبنان وتأكيد الاعتراف بالمجزرة الارمنية التي وقعت عام 1914، اضافة الى ضرورة الاعتراف باحتلال تركيا للاراضي التي كان يملكها الارمن والعمل من اجل الحصول على تعويض عن الخسائر التي لحقت بالشعب الارمني.

إشارة إلى أنه، وبتنسيق من حزب الطاشناق، صار الأرمن يملكون جريدة يومية هي quot;ازتاغquot; الناطقة باللغة الارمنية. واذاعة quot;صوت فانquot;، الاذاعة الارمنية الوحيدة في لبنان.

وحرص قياديو الأرمن على عدم تشتت العائلات الأرمنية التي تركت برج حمود، واستوطنت أحياء كاملة. وعائلات كثيرة إنتقلت بطريقة منظمة حيث شكّلت دوائر سكنية خاصة بها وانتشرت في محيط النوادي والمدارس والكنائس الأرمنية ومكاتب الحزب (حزب الطاشناق) ومراكز جمعية quot;صليب إعانة الأرمنquot;.

ولا بد من التشديد على دور النائب ميشال المر في تحفيز الأرمن وتشجيعهم على الخروج من دائرتهم المغلقة. وقد لعب المر بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة دوراً في صوغ الدور السياسي والاجتماعي والاقتصادي للشعب الأرمني في لبنان منذ بداية التسعينات، وخصوصاً عبر حزب الطاشناق.

في الزلقا وأنطلياس والمزهر والرابية والربوة ثمة أحياء باتت تعرف بالحي الأرمني. ويلاحظ بشكل واضح في مختلف الأحياء الأرمنية ذات المساكن الجديدة، أهمية قرب موقع الكنيسة ومكاتب حزب الطاشناق في اختيار أماكن سكنهم الجديدة، وخصوصا عند المتقدمين في السن الذين كانوا حتى الأمس القريب يستشعرون تهديداً لثقافتهم أزاء الخروج من برج حمود التي اعتبروها دولة تحدها الدورة من الشمال ونهر بيروت من الجنوب.

أما أهالي البلدات التي وفد إليها الأرمن فهم كانوا بداية متشبثين جداً بنظرتهم لجيرانهم الجدد من منطلق اتهام الأرمن بالتضامن مع بعضهم حتى الانعزالية. لكن مرور الاعوام وبذل الأرمن جهداً واضحاً في التودد لجيرانهم، أسهما كثيراً في إخراج الأرمن من عزلة الأحكام المسبقة التي يستسيغ اللبنانيون إقرارها بحق بعضهم بعضاquot;. إشارة إلى الهاجس الأرمني في برج حمود وخارجها، في جبل لبنان والبقاع وطرابلس، وسائر مناطق وجود الأرمن، وهو الحفاظ على quot;دين الاجدادquot; ومواجهة التحديات الكثيرة ومنها الحفاظ على الثقافة والحضارة الأرمنيتين. وقد لعبت الاحزاب والكنيسة دورا اساسيا في المحافظة عليها بمساندة التركيبة الثقافية والطائفية والدينية في لبنان.