الجمعة: 2006.06.23
د. عبد الله دحـلان: أقتحام القنوات الفضائية بيوتنا لا يبرر منع وجود دور عرض
د. عوض القرني: المطالبون بها يهدفون إلى مشروع إجتماعي تغييري
الدمام - ميرزا الخويلدي
ضمن سياق الجدل بين تيارات التفكير الإجتماعي والديني في السعودية، تبرز قضية السينما كواحدة من مفردات الجدل الساخن بين تيارات يرى بعضها أن الفن، والسينما على رأسه ليس سوى (رجسٌ من عمل الشيطان) يراد أن يتحول إلى حصان (طروادة) من أجل تغريب المجتمع وتدمير بناه الثقافية والإجتماعية. فيما يرى التيار الآخر أن السينما ضرورة، كواحدة من أهم ادوات التعبير عن الرأي والتوجيه الفكري والتأثير في السلوك الإجتماعي، وإذا تجردت الأفكار من التحريض (الأيديولوجي) فثمة منادون بتأسيس وتطوير صناعة السينما كأحد روافد الإقتصاد، أو لإمتصاص الفائض من (تسكع) الشباب في الطرقات وأمام المجمعات التجارية، فضلاً عن عشرات الآلاف الذين يعبرون الحدود لإرتياد صالات العرض السينمائي في البحرين أو دبي أو بيروت أو القاهرة.
وقد ابانت التجربة السينمائية الاخيرة للسعودية هيفاء المنصور والتي اثارت موجة من الردود في الشارع السعودي عن امكانات هذه الصناعة الفنية وقدرتها على التأثير في الرأي العام ومطاولة قضاياه الحساسة.
وكان اختيار المنصور منزل القنصل الفرنسي لعرض فيلمها القصير، يجعل من السؤال عن غياب قاعات السينما اكثر وجاهة ومقبولية، بل اكثر حرجا بعد كل هذه العقود من الانشغال بتعزيز البنى التحتية للثقافة محليا، في عالم مازالت السينما تمثل ابرز معالمه الثقافية. لم تكن السينما غائبة بهذا المعنى حتى مطلع العام 1980 من القرن الماضي، فقد كانت تتخذ لها مكانا مهما في المدن الكبيرة كالظهران وجدة والطائف، وكان الناس يسيرون ببطء وتأني نحو دور السينما العفوية التي لم تكن تتصادم مع قيم المجتمع بالطريقة التي تحدثها افلام الفضائيات العالمية اليوم.
وفي الوقت الذي كان أهالي الشرقية وخاصة طبقة موظفي شركة ارامكو يتعرفون على الأفلام الأجنبية والبوليسية عبر صالتين للسينما في راس تنورة والظهران، عرف الناس في جدة وعلى امتداد سنوات طويلة تناهز الاربعين عاماً، العروض السينمائية التي كانت تقدم في اكثر من عشرة مواقع للعرض بعضها لا يتعدى احواش او صالات وسط الاحياء السكنية، وقيل أن فؤاد جمجوم كان لديه محلاً خاصا لتأجير أجهزة السينما في حي البغدادية سنة 1960.
وحين تراجعت واندثرت التجارب الأولى للسينما، وهي لم تتعد كونها مجرد صالات للعرض، أرتفع في بداية الثمانينات بشكل (جنوني) مبيعات أفلام الفيديو العربية، التي كان معظمها يخلو من (مقص الرقيب) للقطات التي لم يكن مسموحاً بعرضها على الشاشة الفضية، وحين عرف الناس اجهزة الإلتقاط (الدش) كان السعوديون أكثر العرب اقبالاً على الصحون اللاقطة، فأصبحت السينما اليوم لا تحضر في المملكة الا عبر القنوات الفضائية واشرطة الفيديو واقراص الكومبيوتر، وهي بحسب بعض التقديرات من اكبر الاسواق استهلاكا للافلام في المنطقة العربية، في حين تستقبل البحرين نهاية الاسبوع عددا كبيرا من الزائرين للاستمتاع بانتاجات الفن السابع.
هل كان المناخ الديني المحافظ يقف خلف السكوت عن اقامة دور السينما طيلة هذه العقود؟ ام هي البيئة الاستثمارية التي لم تزل تتردد في إقتحام أبواب الحداثة؟ ام هي وزارة الثقافة التي ظلت تتعامل مع هذه القضايا بالكثير من (الحذر) و(الإحتياط)؟.
يقول الدكتور عبدالله صادق دحـلان، الكاتب المعروف، تعتبر السينما في العالم أحد ملامح التطور الثقافي والفكري والعلمي، ولقد ساهمت السينما في تطور ثقافة الشعوب في العالم المتقدم وفي الدول النامية، ولم تكن عروض السينما في بدايتها سوى رسائل ثقافية وعلمية ودينية، ترسل للشعوب لمعالجة قضايا إجتماعية وسياسية وعلمية، وأستخدمت كوسيلة لنشر الأديان ونشر المعتقدات ثم تطورت السينما إلى أن تحولت إلى وسيلة من وسائل الترفيه النفسي للشعوب، وهي وسيلة أخذت تتطور علي مرّ السنين وصرف عليها البلايين لتطويرها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من تقدم في الإنتاج والإخراج والإعداد والعرض وإستخدام أحدث وسائل التقنية في الإخراج والإعداد.
ويضيف، من وجهة نظري الشخصية أن دخول درور السينما للسوق السعودي سيسهم في نشر ثقافة الشعب وسيعمل على توجيه الشباب والشابات نحو الفكر الإسلامي المعتدل وسيفتح أبواب لنشر المعرفة ومعالجة قضايا إجتماعية هادفة. وستعمل على جمع الشباب المتسكع في الأسواق والمحلات في دور عرض راقية منظمة تحت رقابة وإشراف جيد، وإن خصوصية المرأة السعودية تدفعنا إلى إنشاء دور سينما تحقق نظام الفصل في القاعة بما يعطي للمرأة حريتها في المشاهدة بعيدة عن إزعاج خصوصيتها، أو بالإمكان تقسيم ساعات العرض إلى أوقات للنساء وأخرى للرجال والشباب، وإذا كان التخوف من أن يدس فكر معادي للإسلام أو للعادات أو التقاليد فإنه من السهل جداً إحكام الرقابة على عرض الأفلام في دور العرض في الوقت الذي يصعب جداً إحكام الرقابة على عرض الأفلام في القنوات الفضائية، حيث العرض غير مراقب ولا يملك أي شخص او مؤسسة أو حكومة منع إستقبال قناة فضائية، وللأسف الشديد لقد أقتحمت القنوات الفضائية بيوتنا وغرف نومنا ومكاتبنا وأصبحنا في حالة قلق على فكر وثقافة أبنائنا من القنوات الفضائية السيئة، ومن هذا المنطلق فإنني أدعو أصحاب القرار والشأن بضرورة دراسة أهمية تواجد دور عرض للسينما لعرض الأفلام الهادفة للأسرة السعودية. وأجزم بأننا قادرين على إحكام الرقابة على الأفلام الغير هافدة وغير لائقة والتي لاتتماشى مع شريعتنا وعاداتنا وتقاليدنا. وعلى خلاف رأي دحلان، يقف الدكتور عوض القرني، الداعية والكتاب المعروف، حيث يقول: إن ما يسمى إصطلاحاً بالفنون بالنسبة للإسلام ليست في منزلة واحدة، فالكثير منه ينظر إليها باعتبارها وسيلة حكمها حكم محتواها ورسالتها ومضامينها التي تحتويها، بمعنى أنها كوسيلة مجردة ليس لها حكم بالحِل أو الحرمة ولا يتحدد الموقف منها بالقبول أو الرفض إلا بعد معرفة المحتوى والمعنى والرسالة والهدف الذي يستهدف تحقيقه من خلالها. ويندرج تحت ذلك الشعر والنثر الفني والقصة والرواية والتمثيل والرسم. ويقول القرني : إذا كانت هذه الفنون تستهدف نشر قيم الإسلام وأخلاقه وتدافع عن قضايا المسلمين وتلتزم في أدائها بضوابطه وأحكامه وأراد بها صاحبها الخير والإصلاح فهو مأجور على ذلك وهي جائزة. وإن كانت هذه الفنون تستهدف نشر التحلل والفساد والإلحاد والتشكيك في مسلّمات الدين وتُسهم في تخدير المجتمع وإلهائه أو لا تلتزم في أدائها بالضوابط والأحكام الشرعية مثل الوقوع في الاختلاط والتبرج والموسيقى فهي محرمة والقائم عليها آثم. ومن الفنون ما هو محرم أصلاً حتى وإن سماه الناس فناً مثل نحت تماثيل ذوات الأرواح والموسيقى على الراجح الصحيح وغناء المرأة للرجال حتى بدون الموسيقى أما مع الموسيقى فالغناء محرم بجميع صوره لوجود الموسيقى فإن لم توجد فغناء المرأة للنساء والرجل للرجال جائز بالضوابط السابقة وكذلك بعض أقسام الفنون التشكيلية تندرج تحت المحرم.
ويوضح القرني: ليس بين الإسلام وبين الفنون اشتباك لكن المشكلة أن البعض يريد من الإسلام أن يتغيّر ويتطوّر ليوافق في قضايا الحياة المختلفة بعض الرؤى التي نشأت ووجدت في سياقات تاريخية ودينية وإجتماعية وفكرية مختلفة بينما الإسلام منهج رباني له رؤيته الخاصة النابعة من شموله وكماله وعلى أساسها يحدد موقفه من الفنون قبولاً أو رفضاً، وليس بالضرورة أن ما كان مقبولاً في دين أو ثقافة معيّنة يكون مقبولاً لدى جميع الأديان والثقافات.
ويقول: قبل الموافقة أو الرفض للسينما في السعودية نتساءل أولاً هل يوجد سينما من حيث التأليف والسيناريوهات والتمثيل والإخراج يمكن أن تعبر عن خصوصية وهموم الشعب السعودي بل عن خصوصية وطموحات المسلم في أي مكان؟
أم أن الموجود في العالم الإسلامي هو إعادة استنساخ لما لدى الغرب تماماً ولكن بوجوه عربية ولسان عربي أحياناً؟ ثم هل قدّم حتى الآن أي عمل سينمائي يمثل قيّم وأخلاق المسلمين في أي بلد ويلتزم بضوابط الإسلام وأحكامه؟ ليجيب: ظني أن الإجابة المنصفة المحايدة لن تكون في مصلحة المنادين بفتح دور للسينما في السعودية.
ويقول القرني: كان للسينما دور مؤثر في الثقافة الغربية لكن الفضائيات والإنترنت سلبتها هذا الدور وفقدت أهميتها ولم تعد أكثر من متعة وتسلية. لكن المطالبين بالسينما في السعودية إمّا أنهم لازالوا يعيشون معطيات الستينات الميلادية وما قبلها أو أنهم يوظفون هذه المطالبة لمشروع إجتماعي تغييري ليس المقصود منه السينما إنما هي إحدى أدواته. لكنه ينتهي للقول: نعم يمكن للسينما أن تعبر عن الإبداع والجمال لكن وفق أي قيم ومن أي منطلق ورؤية للحياة هذا هو السؤال الذي لا يريد دعاة السينما في السعودية أن يجيبوا عليه.
المخرجة السينمائية السعودية هيفاء المنصور، تقول: السؤال لماذا نحن بحاجة إلى سينما في السعودية يبدو عبثيا بالنسبة لي وغارقا في وهم الخصوصية التي أحطنا مجتمعنا بها كسياج يمنعنا من التواصل مع الآخرين وحتى مع أنفسنا في أحيان كثيرة. فلسينما على مدى قرن من الزمن أصبحت جزء من ثقافة أغلب الشعوب تعبر عنهم وتتواصل معهم من خلال الترفية أو التعليم أو التوثيق. لا نستطيع أن ننكر بأن السينما وسيلة ترفيه راقية للعائلة. فبعد حضور فيلم في نهاية الأسبوع بعد أيام حافلة بالعمل والإجهاد يتجدد جو النشاط والبهجة للعائلة. وهذا الترفية لا يعد إهدارا للوقت فإذا كان الفيلم جيدا فمن المؤكد أنه يقدم تجربة إنسانية مهمة تفيد المتفرج ويخرج بعدها بقيمة منعشة تعمق تجربته الحياتية. فالسينما كانت ولا زالت تستخدم في المجتمعات المتطورة كأداة لتطوير الحس الإنساني وتهذيبه من خلال سرد تجارب ذات بعد إنساني يمس شغاف القلب يسعدنا ويجعلنا أكثر رقة في التعامل مع الآخرين وفيلم laquo;فورست جامبraquo; الشهير من أفضل الأمثلة على تلك النوعية من الأفلام التي لازلت تؤثر فينا. السينما أيضا تساعدنا على معرفة أنفسنا واكتشاف ذاتنا فمن خلال الأفلام تتعرف المجتمعات على عيوبها وعلى نقط قوتها وتعيد تقيم موقعها على خريطة العالم. وذلك بلا شك أحد أهم جسور الحوار الداخلي في مجتمع ما. فالفن السابع أشتهر بأنه يفسح مجالا لنسمع صوت من لا صوت له من معاقين فكريا وجسديا ومن فئات اجتماعية عانت من التهميش. فالكثير من الأفلام ساهمت في إعادة صياغة مفردات المجتمع من خلال عيون هؤلاء. ولا يسعني إلا ذكر فيلم laquo;الملائكة لا تحلق فوق الدار البيضاءraquo; لمحمد عسلي، فمن خلال ذلك الفيلم المغربي الجميل تعرفنا على الدار البيضاء من خلال أعين الفقراء المساكين ولم تكن دارا بيضاء أبدا ولكنها كانت دار مفعمة بهموم المغربي البسيط.
وتضيف المنصور، السينما أيضا من أقوى الطرق لنشر الثقافة وتعزيزها في المجتمعات فنحن الآن نعيش في عصر الصورة وثقافة الفرد في الغالب مستقاة من الإنترنت والتلفزيون والسينما. فلا نستطيع أن نغفل دور السينما كوسيلة توثق للأحداث ككتب التاريخ وتستخدم كمرجع ولكن في إطار فني يجذب المشاهدين من صغار وكبار. فالذي يشاهد فيلم مثل laquo;التايتنكraquo; يستطيع أن يفهم تأثير تطور الصناعة والثورة الصناعية في أوربا وعلاقة ذلك بخلق حس الكبرياء والغطرسة لدى الإنسان عندما صنع الآلة لدرجة أفقدته إنسانيته واتزانه. وتتابع، السينما أيضا صناعة فمن ناحية إقتصادية بحتة هناك دول تعتمد بشكل كبير على صناعة السينما كأحد مصادر الدخل القومي مثل مصر والهند والصين وأميركا. فالسينما توفر فرص عمل متنوعة من إخراج وتمثيل إلى هندسة صوت, وديكور، إضاءة، كومبيوتر وجرافيكس. ونحن شعب فتي وفئة الشباب فيه تشكل نسبة لا يستهان بها، وتلك الفئة تحتاج لخلق فرص وظيفية متعددة ومتنوعة تستوعب طاقته وتحتوي أوقات فراغه. الناقد المسرحي، أثير السادة، يقول: لو قدر لهذا الوطن ان تكون فيه صالات لعروض السينما، يأتيها الناس ليلا ونهارا، في ساعات فراغهم وراحتهم، لوفرنا على الموظفين في جسر الملك فهد جهدا ووقتا لطالما تكلفوه لاجل اتمام اجراءات القاصدين لدور السينما في البحرين نهاية كل اسبوع، ولخففنا احتمالات الاصابة بالضغط والسكري عند اولئك المنتظرين لساعات طويلة في طوابير الجمارك، ممن يصرفون ساعتين او اكثر لقطع مسافة طولها 25 كيلو متر.
بل لوفرنا عليهم بذل اموالهم في تثبيت هذا الكم من القنوات الفضائية التي تعرض للافلام، الغث منها والسمين، ولاخرجناهم من عزلة الجدران الى فضاء اجتماعي يلتقون فيه ويشاركون بعضهم البعض تجربة الانغماس في طقوس الفرجة السينمائية. ويضيف، اقول لو كان لنا ما نتمنى من تلك الصالات، لتعرفنا على مزيد من الاسماء المشغولة بصناعة السينما من ابناء الوطن والتي اعتادت الهجرة بنتاجها الى الخارج لتتنفس هواءها، وتنال حصتها من الضوء. ولعرف الناس عندها عن قرب ابداعات الشباب المطمورة، واحلامهم المعانقة لآفاق السماء دون ان تجد لها مكانا في الارض، احلامهم الخاصة باختبار مواهبهم الفنية في الانتاج السينمائي، تأليفا وتمثيلا واخراجا، بعد ان فتنتهم هذه الصناعة وغمرتهم بالوانها.
