سعد محيو

صدرت مؤخراً دراسة مقتضبة، ولكن مثيرة، في نيويورك حول دور الأمريكيين من أصل عربي في شتى الإدارات الأمريكية: من السياسة الخارجية إلى شؤون الأمن القومي الأمريكي، ومن الاقتصاد إلى تخطيط وشن الحروب.

وبرغم ان الدراسة تشير إلى أن دور هؤلاء العرب يبدو محدوداً في مجالات تخطيط وتوجيه السياسات الأمريكية، قياساً مثلاً بدور اليهود، إلا أنه كان لهم مع ذلك شأو بعيد في خدمة المصالح القومية الأمريكية.

بالطبع، ليس جديداً أن يخدم بعض أبناء المنطقة العربية الإمبراطوريات الكبرى في التاريخ، سواء أكانت أجنبية أو إسلامية. وليس غريباً أيضاً أن يصل بعض هؤلاء إلى مراتب وظيفية عليا فيها. النموذج الفاقع على هذه الظاهرة كانت روما القديمة، التي برز فيها قادة عسكريون شرق أوسطيون كبار عملوا في صفوف الجيش الروماني، تلاهم أباطرة عظماء مثل سبتيموس سيفيروس وابنه الشهير كركلا الذي حكم الإمبراطورية في الفترة بين 193 و225 ميلادية، والإمبراطور السوري إيلاغابالوس (218 222) الذي أشرف على حفل زواج الإله الكنعاني بعل وإلهة القمر الرومانية أورانيا بهدف توحيد الآلهة السورية والرومانية.

كل هؤلاء القادة والأباطرة نشطوا ليس فقط لخدمة روما القديمة، بل أيضاً لمنح مواطنهم الأصلية أدوارا دينية وسياسية وإدارية بارزة في إطار السلطة الإمبراطورية.

لكن، هل يمكن قول الأمر نفسه عن أبناء المنطقة الذين خدموا، أو يخدمون الآن، روما الحديثة (الإمبراطورية الأمريكية)؟

لا يبدو أن الأمر كذلك. والعينات هنا كثيرة، لكن أهمها الجنرال جون فيليب أبي زيد المتحدر من أصل لبناني، والذي دمج بين التعليم الأكاديمي (جامعة هارفارد حيث نال اعجاب أساتذته) والتدرج السريع في السلك العسكري، إلى أن احتل موقع القائد العام للقيادة المركزية للقوات الأمريكية (CENTCOM). وكما هو معروف، تشرف هذه القيادة على العمليات العسكرية الأمريكية في منطقة تضم 25 دولة من القرن الإفريقي إلى وسط آسيا. وهي بذلك تغطي معظم أنحاء الشرق الأوسط الكبير.

أبي زيد، الذي وضع في هارفارد اطروحة من 100 صفحة عن ldquo;السياسة الدفاعية للمملكة السعوديةrdquo;، يردد باستمرار انه ldquo;يحب العرب والعالم العربيrdquo;. لكنه لم يستطع ترجمة هذه الحب إلا عبر العمل على إخضاع المنطقة، وبالقوة إذا ما لزم الأمر، ليس فقط للإمبراطورية الأمريكية بل أولا وأساساً لمشروع العولمة التي تحمل. وهكذا، كان الجنرال أول من أعلن أن حرب العراق ldquo;هي أولى حروب العولمةrdquo;. كما أنه يشرف حالياً على برنامج شامل في القرن الإفريقي لدمج هذه المنطقة بالعولمة على الصعد كافة العسكرية والاقتصادية والثقافية والسياسية. يقول: ldquo;العولمة إما أن تنجح أو لا تنجح. ولكي نجعلها تنجح، ننشط الآن في ثلاث مناطق وعلى ثلاثة مستويات: في العراق حيث نتعامل مع دولة بعد فشلها (من أفشلها؟) في أفغانستان التي كانت دولة ترعى الإرهاب. وفي القرن الإفريقي حيث تنغمس شعوب المنطقة في مشاكلها الداخلية وتحاول منع الإرهابيين من أن يكون لهم موقع قدم على أراضيهاrdquo;.

حسناً. وما حصيلة هذا النشاط في المناطق الثلاث؟

حتى الآن، 100 ألف قتيل في العراق خلال غزو 2003 وبعده. وقبل ذلك نصف مليون طفل قتيل من جراء حصار قوى العولمة لبلاد الرافدين. وفي أفغانستان، حرب تدمير متواصلة من دون أي ضوء في نهاية النفق (عدا في بقعة جغرافية صغيرة هي كابول). وفي القرن الإفريقي حروب ومشاريع حروب جديدة قد تقضي على البقية الباقية من موارد عيش أفقر شعوب الأرض.

لماذا هذا التباين الكبير بين دور أسلاف أبناء المنطقة في روما القديمة وأحفادهم في روما الحديثة؟

لا أحد يعرف. لكن، ربما نعثر على الجواب في أمريكا نفسها. فحين كان الجنرال أبي زيد في الأكاديمية العسكرية، كان زملاؤه الأمريكيون من ذوي الأصول الأنجلو سكسونية يطلقون عليه اسم ldquo;العربي المجنونrdquo;. السبب؟ ربما لأنه (وكما الأمر مع بقية أبناء جلدته) أوغل في خدمة مصالح الأمة الأمريكية، على حساب مصالح أمته الأصلية ldquo;التي يحب كثيراًrdquo;!