الخميس: 2006.09.07

خيري منصور


هناك فرنسيون وضعوا أيديهم على قلوبهم عندما فاز ldquo;لوبانrdquo; بأقل من عشرين في المائة في الانتخابات الفرنسية، ومنهم من رأى أن هذه النسبة رغم تدنيها كارثية وتنذر البلاد بالعودة إلى ما قبل التمدن ومجتمع التعايش السلمي، ذلك ببساطة لأن ldquo;لوبانrdquo; يعلن عن مواقف وشعارات عرقية ويمينية ضيقة، ويحول المثل القائل، ما ليس فرنسياً ليس واضحاً، الى ما ليس فرنسياً ليس من هذا العالم.

ورغم الحاضنات التي وفرتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول لليمين المحافظ في أمريكا وأوروبا، إلا أن التيارات الإنسانية التي لا تخضع البشر لتراتبية عرقية أو لونية صمدت، وقاتلت في ميادينها المدنية بكل الأدوات المتاحة، الآن يأتي الدور على بريطانيا، ويفوز الحزب الوطني على مستوى البلدية، مؤشراً إلى جنوح المجتمع البريطاني نحو مفاهيم وأطروحات تنتمي الى ما قبل هذا العصر، بل ما قبل الليبرالية بمعناها الحقيقي وليس بالمعنى الذي يعاد انتاجه بهدف التصدير.

ثمة إذن طبعة انجلوساكسونية من لوبان سواء صدرت في واشنطن أو في لندن وهي تختبر منسوب القوة والحرارة لدى من يقولون عبر أطروحات مضادة بأنهم إنسانيون بلا حدود، ولا يفرقون بين الناس تبعاً للأعراق أو اللون أو الديانة.

وهناك نقطتان يجب أن نأخذهما في الاعتبار ونحن بصدد رصد هذه الظاهرة التي تنذر بتوتر يهدد التعايش، ويحول الحوار المنشود بين الحضارات والثقافات الى صراع لا آخر له.

النقطة الأولى، هي أن الميديا الأمريكية وتوابعها في النطاق الأوروبي غذت عواطف وانفعالات سلبية إزاء الآخر خصوصاً العربي والمسلم، بعد ان عقد قران زائف وبشهود زور بين الإرهاب والإسلام.

والنقطة الثانية هي الموروث الاستشراقي الهاجع في اللاوعي وفي كتب أصفرت أوراقها لكنها لم تغادر الرفوف والذاكرات. فما إن يتوفر سبب حتى لو كان وهمياً لاستدعاء هذا الاحتياطي الاستراتيجي من ثقافة التعالي والاقصاء والنبذ والمفاضلة على أسس عرقية ودينية حتى تندلع الشياطين من مخابئها.

وكانت بريطانيا بما شرعته من قوانين مضادة لأعرافها منذ وثيقة الماغناكرتا قد مهدت لهذا الوضع، بحيث تحدد تعريفاً للبريطاني يروق لمؤسساتها ولمن ينكفئون داخل أغمادهم الحجرية، عازلين أنفسهم عن بقية البشر.

لقد كانت ظاهرة ldquo;لوبانrdquo; الفرنسي قبل أعوام مستهجنة أوروبياً، وتثير مخاوف لدى من راهنوا على مستقبل آمن للبشرية خارج مدار العنف والنبذ المتبادل، والكراهية المؤدلجة.

لكن افراط الميديا المشحونة بأدبيات الاستشراق الجديد، وثقافة اليمين المحنط لا المحافظ فقط في التحريض والتعبئة والقراءة العوراء للواقع حولت تلك الظاهرة الى أمر مألوف بحيث أصبح من حق الناجين من هذا الكمين أن يتساءلوا عن جدوى الحد من العنف عبر المزيد من ديناميات إنتاجه.

لقد أدخل لوبان فرنسا في اختبار يقيس ما تبقى من منجزات ثورتها ومبادئها وليبراليتها، فهل سيتكرر هذا الاختبار في بريطانيا؟ أم أن التزكية هذه المرة هي البديل من أجل ترسيخ العنف والكراهية والصراع؟