مأمون فندي
في عام rlm;2050rlm; قدمت أستاذة نابهة من اساتذة تاريخ الفكر، كتابا عرضت فيه للافكار العربية وطريقة تعاطيها مع العالم، بعد احداث rlm;11rlm; سبتمبر سنةrlm; 2001،rlm; بدأت كتابها على انه محاولة للتأريخ للتيارات الفكرية، التي سادت تلك الفترة، من خلال تناول احداثها واخضاعها لتحليل صارمrlm; وجادrlm;،rlm; بهدف ابراز الدروس المستفادة، وقد اعتمدت الباحثة في تحليلها على تجميع مادتها، مما كتب في الصحف في الفترة منrlm; (2001rlm; ـ rlm;2006)rlm; أو ما دون في الكتبrlm;،rlm; وقد استلهمت في بحثها منهجية الاستاذ البرت حوراني استاذ جامعة اكسفورد ـ عندما أرخ للفترة الليبرالية وتاريخها الفكري، في كتاب اسماه laquo;تاريخ الفكر العربي في الفترة الليبراليةraquo;، الذي عرض فيه لاعمال الطهطاويrlm; وخير الدينrlm; والبستانيrlm;،rlm; وكذلك عرض فيه لفكر محمد عبدهrlm; والافغانيrlm;rlm; وطه حسينrlm;.rlm; ذلك الاختيار من جانب حوراني لدراسة أفكار كتاب بعينهمrlm;،rlm; بني على أن كلا من هؤلاء كان يمثل نموذج تفكير مختلفاrlm;. rlm;وقد تفضل استاذة تاريخ الفكر عامrlm; 2050rlm;، أن تتناول بدلا من الافراد مدارس فكرية، وتعمم فيها على حساب الاجتهادات الفرديةrlm;،rlm; والسؤال هنا هو: هل لأحد منا أن يتبين في هذه الفترة اختلافا في المناهج بين كتاب اليوم؟ لا شك ان هناك قلة قليلة تحصى على اصابع اليد الواحدة قد تكون جديرة بالدراسة، إما لانها تمثل روح العصر وإما لأنها تمثل خروجا عليه؟
ربما تجد هذه الباحثة ان قليلا منا قدموا معرفة اصيلةrlm;،rlm; أو أعملوا فكرا اصيلا لفهم الاحداث وتبعاتهاrlm;،rlm; وربما قلة اقل ذهبت لقراءة المحركات الخفية وراء الاحداث وبصرت بهاrlm;،rlm; لذا قد يأتي كتاب الاستاذة في مائة صفحة. وربما السبب الرئيسي في ان كتابها جاء صغير الحجم هو تعريفها للفكر وتصنيفها للمفكرين والأحداثrlm;،rlm; إذ هي تناولت المفكرين، الذين انطلقوا في تحليلاتهم من رؤية اصيلة ومن ندية لمفكري الحضارات الأخرىrlm;،rlm; اذ رأت تلك الاستاذة ان اعمال الفكر المستورد، الذي ساد في تلك الفترة على تحولات محلية، لا يقع تحت مشروعها التحليلي، الذي ينصب على الفكر العربيrlm; الأصيل. هذا الفكر الذي اعتبرته، ليس فقط عاكسا لحياة العرب وتعاطيهم مع الحياةrlm;،rlm; ولكن اعمالا لهذا الفكر لفهم محركات الاحداثrlm;. كما عرفت الباحثة المفكرين على أنهم أناس يرسمون اهداف الأمم ويحددون غاياتها، من خلال حوار يعتمد على علمية ومنهج تحليلي اصيلrlm;.
جزء من كتاب استاذة تاريخ الفكر تجاوز المرحلة التي كانت تكتب عنها، فبدلا من أن تستخلص نتائجها من قولنا، نحن الحاضرين في هذه الفترة، وجدتها تعتمد على رائد من رواد العقلانية، رجل رحل قبل احداث rlm;11rlm; سبتمبر، اعتبرته الباحثة علما من أعلام مرحلة لم تدم طويلا، ورمزا لمدرسة لم يكتب لها النجاح في مصر، اقتبست منه قولهrlm;، laquo;وهكذا تراثنا في حياتنا الفكرية كالغرباء في بلد مجهولrlm;،rlm; يسيرون في طرقاته ولا يدرون من اين يسيرون أو الى اينrlm;..rlm; ذلك لاننا استوردنا الثياب الفكرية الجاهزة واردنا أن نقحمها اقحاما على اجسادنا فقلما نفلحraquo;. وكثيرا ما جاء اقتباسها من كتاب للدكتور زكي نجيب محمود، الذي بدا فيه ناعما في تناوله لأزمة الفكر العربي، ثم ما لبث أن اصدر حكما قاسيا استخدمته الباحثة في عام rlm;2050rlm;، لتنهي به كتابها، اذ تقول في نهاية الكتاب وعلى لسان الفيلسوف العقلاني عن الجيل الراهن، بأنه جيل كان الرجال فيه ذوي قامات قصيرة وقدرات متواضعة يصعب على المتعقب أن يجد لمعظمهم فكرة واحدة يعرف بها وتعرف بهمrlm;،rlm; لأنهم على الأغلب الأعم ما كانوا إلا عارضي ثياب، لا هم ناسجوها وrlm;لا هم بائعوهاrlm;،rlm; ولا هم لابسوهاrlm;،rlm; فواضح وضوح الشمس الصافيةrlm;،rlm; انه لا رجال الفكر في هذا الجيل قد اضطلعوا بالتصدي لمشكلات حياتنا الحقيقيةrlm;. الا ترون معي ان هذا الاستنتاج مجحف بالتاريخ الفكري لتلك الفترة وتعاطي المفكرين العرب معالم ما بعد احداثrlm;11rlm; سبتمبر؟ كثير من العقلاء لا يظنون ذلك.
نعم اعطت الباحثة تحليلا مطولا عن كتابات لكاتب واحد، اعتبرت مقالاته نموذجا لمفكر كوزمابولتان انطلق من ثقة حضارية وناقش كتاب الغرب بجدية ونديةrlm;،rlm; ولكن ثناء الباحثة على مفكر واحد لا يعفيها من انها تجاهلت نماذج اخرى لكتاب أصليينrlm;. تركيزها غير المبرر على أن المناخ الثقافي العام هو الأساس في اضمحلال الفكر في هذه الفترة فيه ظلم بينrlm;.rlm; المناخ الثقافي بالفعل ربما يكون مسؤولا الى حد ماrlm;،rlm; ولكن لماذا لم تتعرض الباحثة الي العوامل الخارجية التي عاني منها المفكرون العربrlm;،rlm; أليس ظلما أن ترى الباحثة أن النسق الثقافي العربي هو المشكلة؟ هذا عالم مفتوح، نحن نتفاعل مع العالم والعالم يتفاعل معناrlm;،rlm; يعمل فكره على مجتمعاتنا وثقافتناrlm;،rlm; ونعمل افكارنا على مجتمعاته وثقافتهrlm;،rlm; اذن لماذا تطالبنا الباحثة بفكر مختلف؟ ثم ماذا عن تحليلها للحركات الاسلاميةrlm;،rlm; تلك الحركات الاصيلة، التي تحاول الدفاع عن ثقافتنا ضد هيمنة الغربrlm;.rlm; ولكن الباحثة وبغباء صورت فكر الحركات الاسلامية على أنه نموذج صارخ للتغريب، وعلى انه استعارة كاملة لافكار الغرب، واضافة صفة اسلامية بعدها يستخدم هؤلاء ـ على حد قولها ـ البنوك الغربية التي ظهرت مع الحداثة الغربية، ثم يطلقون عليها بنوكا اسلاميةrlm;،rlm; يستخدمون مصطلح الدولة بمعناه الأوروبي ثم يلصقون بها كلمة اسلاميةrlm;،rlm; ان وصف الباحثة لفكر الحركات الاسلامية على انه بالضبط مثال لما قاله زكي نجيب، على انهم عارضو ثياب ليسوا بناسجيها، هي مدعاه للحوار والجدلrlm;.
استاذة تاريخ الفكر قسمت افكار تلك المرحلة الى نوعين مرتبطين بممارسات الناس وعاداتهمrlm;،rlm; اذ اعتبرت أن هناك افكارا أشبه بعملية النسيج، اذ تبدأ الفكرة بخيوط متعددةrlm;،rlm; وتتشابك تلك الخيوطrlm;،rlm; وتتعدد ألوانها لتصنع في النهاية فكرة كاملة متكاملة كقطع نسيج الحرير القادمة من أخميم، وليس كالملابس الجاهزة القادمة من تايوانrlm;.rlm; وقد راق لي شخصيا تشبيه الفكرة ومجال الافكار بمجال النسيج والغزل، ذلك لان في النسيج تأنيا واضحا وحساسية واضحة، وكذلك، ذوقا وجهدا يهدف الى انتاج قطعة فنية في المقام الأولrlm;،rlm; وحبي لهذه الصورة البليغة ناتجة لكوني بدأت حياتي نساجا للفركة،rlm; وهو نوع من النسيج اليدوي تنتجه قرى نقادة في الصعيد، ونرسله الى السودانrlm;،rlm; وقد ماتت هذه الصناعة بعد انهيار الاقتصاد في السودان، وها أنا أعمل استاذا بدلا من كوني نساجاrlm;،rlm; لسوء الحظrlm;.rlm; ونسيج القماش ونسيج الفكر يدل على اهتمامنا بالنتائجrlm;. اما النوع الثاني من الافكار، الذي ساد هذه الفترة في رأي الباحثة فهو ما أسمته، وبطريقة فيها استخفاف، على أنه الفكر الفشار. وبالفكر الفشار تعني الباحثة تلك الفكرة التي تطرأ على رأس صاحبها بسرعة كما تنفجر حبة الذرة تحت النار لتنتج ما نسميه بـ(البوب كورن) أو ما يسميه العامة بالفشار. وهي هنا تقصد أن معظم الافكار جاءت وليدة اللحظة، دونما تأن، أفكار انفجرت في لحظتها وكتبت في لحظتها من الرأس الى القلم الى القارئ، دونما مرور بالعقلrlm;.
وتوصي الباحثة في نهاية كتابها بمراجعة تاريخ تلك الفترة بدقة، ذلك لانها كانت نقطة تحول في تاريخ العرب السياسي، الذي لم يقابله تحول فكري يتناسب مع أحداث كبري مرت بهم شكلت ملامح مجتمعاتهم وخارطتهم السياسيةrlm;. ليس لدي شك في ان في هذا الكتاب ظلما بينا لكثير من النماذج الفكرية، التي كانت ربما لا تمثل أنساقا فكرية كاملةrlm;،rlm; ولكنها كانت تعبر عن بداية مشروع فكري عربيrlm;،rlm; كما ان الباحثة غفلت عن ان هناك محاولات في تلك الفترة من أجل أعمال الفكر كوسيلة للنهضة بالمجتمعات العربية، وليس بالضرورة أن كل افكارنا كانت مستوردة أو انها فقط ردة فعل وزعيق ضد الآخرrlm;،rlm; كان لدينا عقلاء ولكن البحث عن اصواتهم يتطلب مزيدا من التنقيبrlm;.rlm;
