جورج جرداق
من أكثر ما خلفتْه الخرافات شيوعاً في بلدان الأرض: التشاؤم بالرقم ثلاثة عشر، وباليوم الثالث عشر من الشهر خصوصاً. هذا مع العلم أن نيرون لم يأمر بإحراق روما، وجانكيزخان لم يحرق مدينة سمرقنْد، وهولاكو لم يدمّر بغداد، وتيمور لنك لم يبن أهراماً من الرؤوس في البلدان التي غزاها... في أيام من الشهور تحمل هذا الرقم. ومع العلم كذلك أن الطاعون الذي غزا الشرق وفتك بالغرب في العصور الوسطى فقضى على الملايين من البشر في ساعات، إنما فعل فعله هنا وهناك ابتداءً من أوائل أحد الشهور لا في الثالث عشر منه، وأنّ القنبلة الذرية لم تسقط على هيروشيما في يوم يحمل هذا الرقم، وأن الألوف من الطغاة والسفّاحين الذين تملأ أسماؤهم وأخبارهم صفحات التاريخ في مختلف أقاليم الأرض، ولدوا ونشأوا وتسلّطوا وارتكبوا جرائمهم في أيام تحمل مختلف الأرقام، وقد لا يكون بينها الرقم الثالث عشر.
وحول هذا الموقف الصبياني الخاطئ يتوجس معظم الناس في كل بلدان الأرض من رقم مسكين لا علاقة له بما يصيب الناس من خير أو شر، شأنه على هذا الصعيد شأن سائر الأرقام، أروي لك ما عرفته من أحوال حسناء باريسية، وما سمعته منها، عندما كنت في باريس بالصيف الأسبق، واسمها فرنسواز دومير:
أليس كذلك؟
تقول هذه الحسناء الفاتنة وهي تعبث بغدائر شعرها المتدلّية على كتفيها، إن الرقم ثلاثة عشر هو في نظرها وإحساسها مدعاة للتفاؤل والابتهاج، على نقيض ما هو شائع. وتبني رأيها هذا على أسباب كثيرة وتجارب وفيرة. وإليك ما قالته لي وهي تتحدث عن هذا الموضوع:
- ولدت فرنسواز الفاتنة في الثالث عشر من شهر أيار (مايو). وهي تعتبر ميلادها حدثاً سعيداً بالنسبة لباريس وللعالم أجمع... وتقول في فرح ومرح وهي تنظر إلى أعطافها الندية وأطرافها البهيّة: ما نفع الدنيا لولاي؟!! ثم تضيف قائلة: أليس الثالث عشر من أحد الشهور هو تاريخ مولد عبقري أوروبا في الشعر والموسيقى والتأليف الأوبرالي توحيداً للفنون الجميلة الأربعة: الشعر والموسيقى والرقص والغناء، ريشار فاغنر؟!
وهنا زدت أنا قائلاً: والثالث عشر من أحد الشهور كذلك هو تاريخ مولد عبقري النغم في الشرق محمد عبد الوهاب، فيما شهدت الأيام التي تحمل أرقاماً أخرى ولادة هؤلاء القبابيط والشلاعيط الذين يزعجون ليالينا ويفسدون الذوق العام بعوائهم وموائهم وينعتون أنفسهم بـ(الفنانين!).
- أول هدية قدمت إلى فرنسواز الجميلة كانت في الثالث عشر من شهر شباط (فبراير)، لدى عودة عمها جيرار من إيطاليا.
-أول قبلة طبعت على شفتيها كانت في الساعة الثالثة عشرة من شهر أبريل (نيسان).
- أول كتاب من كتب (الشعر) الحديث اشترته ولم تقرأه.. كان شراؤه في الثالث عشر من شهر حزيران (يونيو).
- أول مرة ذهبَت فيها إلى البحر في نورمانديا حيث لبست زي السباحة والأنظار معلّقة بمفاتنها مأخوذه بمحاسنها، كانت في الثالث عشر من شهر تموز (يوليو).
- في اليوم ذاته رآها المؤلف المسرحي فرنسوا ريشمان، وحدّثها عن رغبته في إسناد دور اليها في مسرحية جديدة له، فعملت في هذه المسرحية التي استمر عرضها ثلاثة عشر شهراً بلا انقطاع.
- في الثالث عشر من شهر تشرين الأول، تلقّت هدية هي مجموعة كبيرة من تسجيلات (الأغاني) المصنوعة على الطريقة الأميركية، أي أغاني الـ (وعْوبحْ) والقرقعة والحشرجة وسائر البشاعات الصوتية، فباعتها في الحال واشترت بثمنها جزمة لبستها بقدميها اللتين تحملان أجمل امرأة في العالم!!
- في اليوم الأول من شهر آذار تزوجت أحدهم. وفي الثالث عشر من شهر أيار طلّقت هذا اللوح الذي تزوّجته وارتاح بالها!
وهنا تضحك الباريسية الفاتنة وتسألك قائلة:
- بعد هذا كلّه، ما رأيك في هذا الرقم؟ إنه رقم مبارك، أليس كذلك؟!
أبو الفوارس
منذ سنوات قليلة غاب أحد أركان الأعمال الفنية بلبنان والشرق العربي، صبري الشريف، الذي اقترن اسمه بالأخوين رحباني وفيروز وكلّ من عمل مع الأخوين كفيلمون وهبي ونصري شمس الدين وهدى حداد والفرقة الشعبية، على مدى أربعين عاماً عمل فيها صبري مديراً للأعمال الرحبانية بعد أن كان مديراً عاماً للقسم العربي في إذاعة (الشرق الأدنى). كما اقترن اسمه بأسماء الكثيرين الذين اكتشفهم في الساحة الفنّية والساحة الإعلامية، وعرف إمكاناتهم الحقيقية بعيداً عن الخطأ أو التوهم، فدرّبهم ووجههم توجيهاً سليماً شأن من يضع الأشياء مواضعها الحقيقية فلا ينخدع ولا يخدع. وقلّ من جاراه في هذا الباب من حيث الصدق والجدّية في العمل والأمانة والثبات فيما يراه صوابا.
ولهذه المناسبة، أروي لقرّاء (المجلة) حكاية تأخذ طرافتها من بعض الزوايا في سيرة هذا الرجل الفذّ غفر الله له وللناس جميعا:
الحسناء الذّواقة
الذكية البرمكية الحسناء ريتا نجيم، بنت العشرين ربيعاً التي تنفر من الاستماع إلى معظم (مطربي) هذه الأيام، قبابيط المطاعم والملاهي وشلاعيط الإذاعات والتلفازات، ولا تسمع من الغناء إلاّ الصادق الأصيل النابع من مصادره الحقيقية، ولا تقبل من الشعر والنغم والأداء إلاّ الجميل الجميل جاءتني ذات مرة وأخذت تحدّثني عن الغناء والمغنين، وأبدت إعجابها الشديد بأغنيتين كانتا قد استمعت إليهما في مساء قريب، هما القصيدتان المعروفتان (وحقّك أنت المنى والطلب) و(غيري على السلوان قادر) لأبي العلا محمد. ثم قالت في حماسة واندفاع:
- أريد منك أن تدلّني على من يعرّفني بأبي العلا محمد:
فضحكت، ولم أخبرها أن أبا العلا محمد عاش معظم عمره في القرن التاسع عشر... وبعض عمره في أوائل القرن العشرين!
وتحرّك بي ميلي إلى المداعبة والمفاكهة، فخطر ببالي أن أبعثها إلى منصور الرحباني كي يعرّفها بأبي العلا محمد... غير أني ما لبثت أن قلت في نفسي:
-منصور مزّاح ردّاح يطيب له أن يلهو بلحية من يدانيه استجابةً لميله إلى المعابثة، وفي المعابثة راحة للنفوس الطيّبة والطباع الخيّرة. وعلى هذا، فقد يهزّ رأسه ويلبس عباءته ومداسه ويمضي بهذه الحسناء إلى رئيسة (جمعية حقوق المرأة) مثلاً، ويقول لها: هذا هو أبو العلا محمد!
وهكذا عدلت عن هذه الفكرة، وسألت الآنسة الذوّاقة الحسناء:
- من أين أنت آتية الآن؟
قالت: من عند صبري الشريف.
- وكيف فاتك أن تخبريه برغبتك هذه؟ لا يعفّك بأبي العلا محمد إلا صبري الشريف! فلم أكد أنطق بهذه الكلمات حتى وقفت وقالت:
- أنا راجعة إلى بيت صبري!
الميزان لصحيح
وعدت إلى الضحك وأنا أتصوّر مشهد صبري عندما تطلب إليه ريتا أن يعرفها بأبي العلا محمد الذي عاش في القرن التاسع عشر.. وتساءلت:
- ما سيكون من شأن صبري عند ذاك؟ هل سيضحك؟
نعم، سؤال خطر ببالي عند ذاك هو هذا: هل يضحك صبري هذه المرة؟
ولهذا التساؤل سبب إليكه في اختصار:
معظم المتعاطين مع الأخوين رحباني اللذين كان صبري مدير أعمالهما الفنيّة والمسؤول عن أحوالهما المادية، لم يكن صبري يعجبهم لأنهم كانوا مغرضين، فلولا صبري لاشترى الأخوان الضائعان بنصف دخلهما قبعات مكسيكية، وسراويل ملوّنة، وزنانير عريضة، وقمصاناً عليها صور ديوك وقرود وثعالب ونسانيس...
ولدفعا النصف الثاني من دخلهما ثمن دعوات إلى الأكل حيث يغتنم عاصي الرحباني الفرصة ليناقش المدعوّين ويجادلهم إن لم يكن هنالك موضوع للمناقشة وداع للمجادلة، ويغتنم منصور الفرصة نفسها لكي يأخذ غطّة نوم صغيرة... تدوم ما دامت الجلسة حول المائدة مستمرة ومزدهرة وحامية... حتى ولو كان الوقت عزّ النهار!
أما أنا، فقد كنت معجباً بصبري، أحبه وأحترمه وأشعر وأنا أحادثه بأنني أحادث رجلاً شريفاً حقّا، وصادقاً لا يراوغ ولا يمالئ شأن المستنفعين بالمدارة والمسايرة، ويضع الأشياء مواضعها ويزن الأشخاص بميزان لا يغش ولا يخدع، ويرفض الاستغلال في كل الظروف.
ومن الأسباب التي من أجلها لم يكن صبري يعجب الكثيرين من الناس، أنه لا يضحك أبدا، ولا يبتسم... وإلى تتمة الحديث.
عنترة العابس
من غريب أمري مع صبري الشريف أنني كنت أواليه على الرغم مما بيننا من تناقض على هذا الصعيد. فأنا أحبّ الضحك بسبب وبلا سبب... وهذا من قلّة الأدب! فيما يحب صبري العبوس بسبب وبلا سبب... وهذا من غزارة الأدب!!
نعم، من الأسباب التي من أجلها لم يكن صبري يعجب المتعاملين مع الأخوين رحباني، بل أول هذه الأسباب، أنه لا يضحك، وفقاً لمزاجه الخاص وجدّيته الصارمة وانصرافه الدائم إلى التفكير في العمل الذي يزاوله وفي السبيل إلى إتقانه، وأنه لا يلقاك ولا يسلّم عليك ولا يتحدث معك إلاّ وهو عابس عبسة السبع الذي ينظر إلى حبيبته اللبوة وهي تغازل الثعلب أو الواوي أو وحيد القرن!
كان لا يضحك أبدا. وهو إذا ضحك مرة في السنة أو السنتين، فإن هذه الضحكة تجيء أشبه بالـ (نقزة) التي تحصل في الجسم على أثر قرصة برغشة أو عقصة برغوث! ثم إنه إذا ضحك هذه الضحكة، أو هذه الـ (نقزة)، لا يلبث أن يندم من فوره فيقطم ضحكته النموذجية هذه على عجل، ويزمّ شفتيه، ويعبس، ويغرق في أفكاره ويعود إلى وقاره... فإذا بضحكته quot;التاريخيةquot; هذه لا تدوم أكثر من جزء من الثانية!
والعبوس لديه مقياس النجاح بحيث تستطيع أن تأخذ من كمية التقطيب لديه ميزاناً دقيقاً لدرجة نجاحه في العمل الذي يقوم به، وكل أعماله كانت ناجحة...
والعبوس لديه مقياس الأفراح والمسرّات كذلك، بحيثْ تقدر أن تأخذ من درجة عبوسه معياراً لا يخطئ لمدى ارتياحه وانشراحه!
كما أن العبوس - في نظره - هو محكّ الصداقة، ومعيار القدرة على القول الحكيم، والفكر القديم، والعمل السليم، بل قلْ إنه مقياس المروءات والقيم. وهو لذلك يحب الشعراء، بصورة خاصة، عنترة بن شداد لأن اسمه في التاريخ عنترة العبسي، أو عنتر عبس، ولأن اسمه في السيرة الشهيرة المعروفة بـ (سيرة عنتر) يأتي دائماً على الصورة التالية:quot;عنترة العابس، أبو الفوارس!).
هل يضحك؟
أذكر أنه استوقفني ذات مرة وعبس في وجهي عبسة شريفة تدلّ على الرضا والارتياح، وحدّثني في هدوء كثير يدلّ على ما في نفسه عند ذاك من حرارة وحماسة... وهنّأني على عبارة وردت في مقال لي بمجلة (الكفاح العربي) عن الشاعر المسرحي الكبير موليير، وهي العبارة التي أصفه فيها بـ (العبقريّ الذي أضحك الدنيا ولم تعرف الابتسامة شفتيه!!).
لذلك كلّه تساءلت في سرّي يوم أشرت على المثقّفة الذوّاقة ريتا نجيم بأن تعود إلى صبري الشريف وتسأله عن أبي العلا محمد، وقلت:
- ترى، هل يضحك صبري عندما تسأله أن يعرّفها بأبي العلا محمد؟!
