صبحي حديدي
في قرار غير مسبوق، ذي مغزي كبير وينبغي أن يفسح المجال أمام أحكام أخري عالمية بصدد حالات مماثلة (مجزرة مدينة حماة السورية، 1982، مثلاً)، اعتبرت محكمة العدل الدولية في لاهاي أنّ ذبح آلاف المسلمين البوسنيين في بلدة سريبرنيتشا، تموز (يوليو) 1995، كان إبادة جماعية منظمة من جانب أوّل، وأنّ حكومة صربيا تتحمل مسؤولية الفشل في منع وقوع المجزرة من جانب ثان. وهذا قرار جدير بالترحيب من حيث المبدأ، لاعتبارات إنسانية وقانونية وسياسية وتاريخية عديدة، لكنه يظلّ إشكالياً وناقصاً وقاصراً في آن معاً، لأنه ببساطة يحصر صفة الإبادة الجماعية في مجزرة سريبرنيتشا وحدها، ويتجاهل أنّ هذه لم تكن سوي مجزرة واحدة ضمن مشروع صربي متكامل لتدمير المجتمع الصربي المسلم، اعتُمدت في تنفيذه أعمال القتل والاغتصاب والتهجير الوحشي ، كما يقول البروفيسور مارتن شو، الأستاذ في جامعة ساسيكس البريطانية وصاحب كتاب ما هي الإبادة الجماعية؟ .
ومن المدهش حقاً أن تقرّ المحكمة الدولية بمسؤولية الحكومة الصربية، وتلك بالطبع مسؤولية جسيمة ثقيلة لأنها تخصّ جرائم حرب وجرائم بحقّ الإنسانية، بدليل نصّ القرار ذاته (الذي يقول بالحرف إنّ السلطات الصربية وقفت متفرجة حين كان يجري ذبح 8,000 رجل من مسلمي البوسنة)، وأن تمتنع في الآن ذاته عن إدانة الحكومة الصربية بجريمة الإبادة الجماعية، رغم أنّ هذا بالضبط هو جوهر الدعوي المرفوعة إلي قضاة لاهاي. ما يدهش أكثر أنّ قرار المحكمة الدولية يقرّ، صراحة وبوضوح اقصي، أنّ صربيا انتهكت بنود ميثاق منع وعقاب جرائم الإبادة ، الذي صدر سنة 1948 للبتّ في قضايا الهولوكوست وإبادة اليهود، ووقّعت عليه يوغوسلافيا في حينه، ليس بصدد منع وقوع مذبحة سريبرنيتشا فحسب، بل في الفشل في القبض علي راتكو ملاديتش، الجنرال الصربي المدان غيابياً بتهمة تنفيذ المذبحة، وتسليمه إلي القضاء. وما يدهش، ثالثاً، أنّ الحكمة تجاهلت المسؤولية الأممية عمّا جري، أي مسؤولية قوّات السلام التابعة للأمم المتحدة، وتحديداً القوّات الهولندية دون سواها، في عدم بذل أيّ جهد لوقف المذبحة علي الأقلّ، وليس الحيلولة دون وقوعها.
وهذه الحال من النقصان في أروقة العدل الدولي تعيد إلي الأذهان تلك الحال الأخري من النقصان النظير، حين احتشد خمسة آلاف حيّ لإحياء ذكري ذكري سقوط ثمانية آلاف قتيل. حساب غير متكافيء، خصوصاً إذْ يجري في قلب أوروبا القرن الواحد والعشرين، حيث ينبغي لأعداد الموتي ــ قتلاً، عن سابق عمد وتصميم وتخطيط ــ أن تثير في النفوس قدراً من المشاعر يكفي لاستنهاض الأضعاف المضاعفة، أو الضعف علي الأقلّ، في صفوف الأحياء. أليست هذه أوروبا التي أقسمت علي عدم تكرار تجربة الهولوكوست؟ أليست هذه أوروبا الحريصة علي صون كرامة الفرد، وحقن دمه وصيانة حقّه في البقاء من باب أولي؟ ثمّ ألسنا في البلقان، حاضنة حروب أوروبا الدامية ومرجل النار المتّقدة أبداً؟
الأخبار ذكرت أنّ خمسة آلاف، فقط، من مسلمي البوسنة احتشدوا في بلدة بوتوكاري الواقعة علي مسافة حفنة كيلومترات من بلدة سريبرينتشا، التي شهدت في 11 تموز (يوليو) من العام 1995 أبشع مجزرة جماعية في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما بعد الهولوكوست. هنا، في سريبرينتشا هذه، سقط أكثر من ثمانية آلاف قتيل، مسلم بوسني حصراً، علي يد قوّات البوسنة الصربية، في تفصيل أوّل. التفصيل الثاني ليس أقلّ إثارة للهول: المجزرة تمّت في جيب إسلامي وُضع تحت حماية الأمم المتحدة، وخيار تكديس المسلمين في باصات تنقلهم إلي ساحة الذبح تمّ علي مرأي ومسمع من قوّات حفظ السلام الدولية، والوحدات العسكرية الهولندية بصفة محدّدة.
وكالة الصحافة الفرنسية، وفي تقريرها الذي غطّي إحياء مسلمي البوسنة هذه الذكري، لم تغفل الإشارة إلي صُور فوتوغرافية وأشرطة سينمائية تبرهن وقوف الهولنديين مكتوفي الأيدي أمام فصول المجزرة، إذا لم يتحدّث المرء (كما يفعل مسلمو البوسنة في الواقع) عن أعمال تواطؤ علي التصفية العرقية شاركت فيها الوحدات الهولندية. وفي كلّ حال، لا يسع المرء ذاته إلا أن يتعامل بجدّية، وبالكثير من المرارة واليقين، مع نتائج تحقيق أجرته الشرطة العسكرية الهولندية في العام 1999، ونشرته تحت ضغط الرأي العام وأحزاب المعارضة، يقول بوضوح إنّ القبعات الزرق كانت لديهم أحكام سلبية ضدّ المسلمين، بينما حملوا آراء إيجابية جداً حول صرب البوسنة .
وسوي ذلك كيف نفسّر تلك الصورة التي تظهر ضابطاً هولندياً، هو العقيد توم كاريمانس، يطارح الجنرال الصربي راتكو ملاديتش الخمر والقهقهة والجذل... آنذاك؟ وكيف نتجاهل تصريح الضابط الثاني، رون روتن، الذي قال دون تأتأة إنّ عناصر القبّعات الزرق ساعدوا قوات صرب البوسنة علي جمع المسلمين في مجموعات من 60 إلي 70 شخصاً، وتكديسهم في آليات تحت أنظار الصرب الساخرين ؟ وكيف، أخيراً، نفسّر ما يُقال لنا من أنّ بعض الأفلام الأخري، التي توثّق تقصير أو تواطؤ الهولنديين، تعرّضت للتلف أثناء التظهير .. في معامل وزارة الدفاع الهولندية؟
فوق ذلك، ها هو مجرم الحرب المسؤول عن المجزرة، الجنرال راتكو ملاديتش، يعيش تقاعده هانئاً سعيداً آمناً، بل ويحظي بحراسة مشدّدة توفّرها له الميليشيات الصربية، في قلب جمهورية صربيا. رادوفان كراجيتش، رئيسه المدنيّ السابق وشريكه في هذه المجازر وسواها، ليس أقلّ هناء وسعادة وأماناً في الربوع الصربية ذاتها. وهكذا ستظلّ حال مجرمَيْ الحرب حتي يثبت العكس، أي حتي تبرهن محكمة جرائم الحرب في لاهاي أنها أكثر قليلاً من خشبة مسرح تصطخب في جنباته رطانة القانون الذي يكيل بمكيالين... أو أكـــثر ربما!
لكن مجزرة سريبرينتشا تذكرة، أيضاً، بمآلات إعادة ترتيب البلقان علي أعتاب انهيار المعسكر الإشتراكي وبدء تفكك الإتحاد اليوغوسلافي. وهذه، في عبارة أخري، مآلات الخيارات الجيو ـ سياسية، العريضة الفضفاضة القاصرة، التي استقرّت عليها الولايات المتحدة وحليفاتها الأوروبيات. ونتذكّر، إلي ذلك، أنّ سياقات إنتاج مجزرة سريبرينتشا (مثل سياقات سقوط المناطق الآمنة ، وقصف سوق سراييفو حين اختلط الدم البشري بعصارة البندورة!) كانت قد تزامنت مع اقتراب الإستحقاق السياسي الأهمّ في الولايات المتحدة (الإنتخابات الرئاسية) حين تواجد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في النقطة الحرجة الوسطي من لعبة شدّ الحبل مع الكونغرس والجمهوريين والعصاة الديمقراطيين.
وهكذا كان لا بدّ لهذا التراكم أن يتواصل وفق الأسلوب الأمريكي، فانطلقت النمور الكرواتية من أقفاصها، وسقطت مدينة كنين كعتبة أولي لموازنة صربيا الكبري مع كرواتيا التاريخية، وما بينهما دويلة علي عزت بيكوفيتش الإسلامية الفولكلورية. وكان المزيج التعددي الحضاري الفريد الذي يدعي سراييفو قد أخذ يتشوّه منذ أن رهن بيكوفيتش البلد وأهل البلد إلي الإرادة الغربية، وإلي بترودولار الإسلام الرسمي (السعودية بصفة خاصة)، مع غزل هنا وهناك للإرث اليهودي ـ المسيحي و العمق الحضاري الغربي ـ اللاتيني . كلّ هذا التراكم انصبّ في جيبٍ مسلم صغير ضئيل ضعيف، زرعته أقدار التاريخ في قلب أوروبا وظلّ علي الدوام جسماً غريباً مرفوضاً ومريباً، محاطاً بعواطف الضيق تارة والإشفاق طوراً، ولكن ليس بعواطف القبول به كـ آخَر سياديّ، مسلم في معطيات وجوده الحضارية الجوهرية.
الأهمّ أنّ مجزرة سريبرينتشا كانت وتظلّ تذكرة، من جانب آخر، بالوضع العالق الذي يكتنف وجود البوسني المسلم، وهو الوضع الذي يواصل إعادة إنتاج الأزمات استناداً إلي بضعة حقائق راسخة رسوخ الجبال:
1 ـ البوسنة والهرسك هي أحجية الإثنيات المتقاطعة المتشابكة، والموزاييك العجيب الفاصل بين كرواتيا وصربيا، والتي يزيد من تعقيد وضعها أنها تضمّ المسلمين إلي جانب الصرب والكروات. وتاريخها، مثل تركيبها الديموغرافي، يجعل توتّر الإحساس بالهوية أضعف بكثير مما هي عليه الحال في شمالها (حيث الكرواتي كرواتي ببساطة) وجنوبها (حيث الصربي صربي). ذلك يعني أن وجود هوية بوسنية مستقلة، تسمح بتأسيس دولة تعددية ذات تجانس إثني وسيادة وطنية، فكرة زائفة ومضللة.
2 ـ مسلمو البوسنة جزء من إرث الفتح العثماني الذي أقام في المنطقة نحو خمسة قرون. وهم، مثل غالبية مسلمي البلقان، مجموعات سلافية كانت تتبع مذهباً مانوياً ـ زرادشتياً يدعي البوغوميل ، واعتنقت الإسلام بصورة جماعية هرباً من اضطهاد الكنيسة التي رأت في المذهب هرطقة تستوجب القمع. وقد تمتعوا بحرية أكبر في ظل النظام الذمّي العثماني، الأمر الذي لم يمنع بقاء العديد من التوترات مع السلطات العثمانية بسبب إدخال مسلمي البلقان بعض الشعائر والمعتقدات الوثنية أو المسيحية إلي فرائض الاسلام.
3 ـ تأسيساً علي هذا الوضع التاريخي، يميّز مسلمو البوسنة أنفسهم عن الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك استناداً إلي معطيات دينية، ولكنهم لا يملكون أي وعي بهوية قومية أو إثنية. ذلك لأنّ هذه الهوية لا توجد بالمعني التاريخي، ولم يكن متاحاً إيجادها خارج ما فرضه الزعيم اليوغوسلافي الشيوعي جوزيف بروز تيتو من هوية إسلامية مصطنعة أريد لها أن تكون نقطة توازن أمام الخصومة الصربية ـ الكرواتية سواء في إطار الفيدرالية (تعطيل فكرتي صربيا الكبري وكرواتيا الكبري)، أو ضمن جمهورية البوسنة والهرسك نفسها. ولم يكن بغير دلالة أن التسمية التي اختارها تيتو انطلقت مباشرة من التسمية الدينية: مسلماني .
4 ـ غياب أي وعي قومي بالكيان والهوية تراكم عبر السنين ونجم عن عوامل موضوعية مثل ذوبان الإنتلجنسيا المسلمة في التيارات القومية الكرواتية أو الصربية، وغياب برجوازية إسلامية أو طبقات شعبية إسلامية ذات سمات محددة. كذلك غابت المنظمات ذات الطابع الإسلامي أيضاً، باستثناء منظمة مسلمي يوغوسلافيا التي تحالفت منذ مطلع القرن مع الصرب تارة والكروات طوراً، وبلغت حدّ التعاون مع نظام الـ أوستاشي الذي أقامه أدولف هتلر.
5 ـ بعد ستة قرون من هيمنة الإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية، والغزوات البونابارتية، والتغلغل الأوروبي الكاثوليكي والروسي الأرثوذكسي والشيوعي التيتوي، سوف يظل الكرواتي كرواتياً والصربي صربياً، وستظل ملفات كوسوفو ومونتينيغرو ومقدونيا وسراييفو هي علامات البلقان العتيق التاريخي، ونقاط الشدّ والجذب بين روسيا وبلغاريا وألبانيا وهنغاريا ورومانيا واليونان وتركيا والقوقاز، وبين ما يشبه الحرب الباردة الإرتجاعية بين روما وبيزنطة، بين الحَمَل البلقاني الأسود والصقر البلقاني الرمادي، كما يقول عنوان كتاب ربيكا ويست الشهير.
الخلاصات تقول إنّ مسلمي البلقان (أو البشانقة كما يقول المؤرخ البوسني مصطفي إماموفيتش) كانوا أبرز الضحايا، بعد أن تعرّضوا إلي أسوأ ما شهده القرن من أفانين الإبادة، علي يد الصرب والكروات، الأرثوذوكس والكاثوليك، من الشمال ومن الجنوب وفي عقر الدار أيضاً. هذه حالهم، اليوم أيضاً، إذْ يتابعون بمرارة قرار محكمة لاهاي بتبرئة الحكومة الصربية، حيث امتزج عجز النظام القضائي الدولي بقصور مفهوم الإبادة الجماعية واختلاط التطهير العرقي بالتطهير الثقافي والتعمية عليهما معاً. وهي حالهم إذْ يستذكرون الفارق بين البوسنة 1990، والبوسنة 1995، والبوسنة 2007، وائتلاف هذا الموزاييك العجيب المؤلف من رجال الميليشيات، ورجال البترودولار، ورجال المافيا، فضلاً عن قادة المجتمع الدولي وقضاة محكمة العدل الدولية .
