الجمعة 23 مارس 2007
محمد السماك
كثيرة هي الكتب السياسية التي تحاول دراسة التوجهات الخارجية للسياسة الأميركية بعد انتهاء الحرب الباردة. وقد ذهب بعض هذه الكتب إلى وصف الولايات المتحدة بـquot;الإمبراطورية الجديدةquot;، بل الإمبراطورية التي لم يسبق للعالم أن شهد مثيلاً لها في كل تاريخه القديم والحديث. وقد ترافقت ظاهرة تنامي القوة الأميركية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً مع ظاهرة تقلّص العالم. حتى أنه ليس من السهل الجزم أيهما كان نتيجة للآخر أو سبب وجوده: تعاظم القوة الأميركية أم تقلّص العالم؟ على أن الأمر الملفت في ذلك هو أن الولايات المتحدة خسرت صورتها الجميلة التي تميزت بها حتى انتهاء الحرب الباردة، وأصبحت وفق استطلاعات الرأي تحتلّ المركز الأول على لائحة الدول التي تشكل خطراً على السلام العالمي، وتليها إسرائيل مباشرة. ويعكس خلفيات هذه الصورة المؤرِّخ وعالِم الاجتماع الأميركي quot;روبرت كاغانquot; في كتابه المثير للاهتمام quot;الأمة الخطرةquot;. ويحاول كاتب آخر هو الدبلوماسي السنغافوري quot;كيشور محبوبانيquot; أن يلقي الضوء على النتائج المترتبة عن هذا التحوّل وأسبابه في كتابه: quot;في ما يتعدى عصر البراءة: إعادة بناء الثقة بين أميركا والعالمquot;. فخلافاً للإمبراطوريات السابقة لم يكن للاستعمار الأميركي المباشر دور أساسي في صناعة الصورة السيئة التي تبدو عليها الولايات المتحدة اليوم. ولعل العامل الأول والأهم في أسباب سوء هذه الصورة هو ممارسة واشنطن لسياسة quot;الليمونة المعصورةquot; مع أصدقائها وحلفائها؛ وهكذا سقط الشاه محمد رضا بهلوي في عام 1979 وقامت الثورة الإسلامية في إيران. وهكذا سقط الجنرال سوهارتو في إندونيسيا في عام 1998 بعد أن حصلت منه الولايات المتحدة على كل ما كان بإمكانه أن يقدمه لها من الخدمات الاستراتيجية التي كانت في حاجة إليها. وهكذا سقطت أفغانستان بين أيدي quot;طالبانquot; بعد أن تخلّت عنها الولايات المتحدة عندما شعرت بأنها حققت أهدافها بإلحاق الهزيمة بالاتحاد السوفييتي السابق. وهكذا تداعت باكستان بعد أن لعبت على مدى عقود طويلة دور مستودع الأسلحة والمسؤولين الأمنيين الأميركان الذين كانوا يدعمون المجاهدين الأفغان في نضالهم ضد السوفييت. وهكذا تحول المجاهدون بعد انتصارهم إلى quot;إرهابيينquot;. وفي العالم العربي كان الرئيس العراقي السابق صدام حسين على علاقة وثيقة بالولايات المتحدة وخاصة خلال حربه مع إيران (1980-1988) حيث كانت الأسلحة الأميركية تتدفق عليه بغزارة، وحيث كانت المعلومات الاستخباراتية التي تجمعها الأقمار الاصطناعية الأميركية في خدمة مخططات قواته العسكرية. حتى إذا عصرته حتى آخر نقطة من خلال الحرب الاستنزافية على الجبهة الإيرانية، استدرجته إلى فخ العدوان على دولة الكويت لتبرر إلقاءه في سلة مهملات التاريخ. لقد ذهب العراق ضحية هذه السياسة حيث سقط من أبنائه أكثر من ثلاثة أرباع المليون شخص وهجِّر الملايين منهم. ويوماً بعد يوم يكتشف الأميركيون أنفسهم -وليس العراقيون وحدهم- أن المأساة التي حلّت بالعراق لم يكن للولايات المتحدة بما تمثله من قيم وبما تتمسك به من مصالح، أي علاقة. وأن الذين خططوا لغزو العراق، وأن الذين جرّوا البيت الأبيض لاتخاذ القرار بالغزو كانوا مجموعة من المسؤولين الأميركيين مزدوجي الولاء: الولاء الظاهري للولايات المتحدة. والولاء العقائدي لإسرائيل. ومن أبرز هذه الشخصيات:
* دوغلاس فيث، وكان المستشار السياسي لوزارة الدفاع ونائب الوزير (السابق) دونالد رامسفيلد، وهو عضو بارز في المنظمة الصهيونية الأميركية.
* ريتشارد بيرل، وكان مستشار الرئيس جورج بوش لشؤون الشرق الأوسط ورئيس المجلس السياسي بوزارة الدفاع quot;البنتاغونquot; وممثل شركة quot;سولتامquot; الإسرائيلية للأسلحة. وسبق أن اتُهم وأُدين بتسريب معلومات سرية أميركية إلى إسرائيل.
* كارل روف، وكان المستشار السياسي للرئيس بوش وأحد أقرب المقرّبين إليه.
* بول وولفوفيتز، منظّر الحرب على العراق وأحد واضعي خطط هذه الحرب، وكان نائب وزير الدفاع، وهو الآن رئيس البنك الدولي.
* إليون ابراهامز، وكان مستشار مجلس الأمن القومي، الذي يعتبر مطبخ القرارات السياسية الأميركية. وسبق أن حُكم عليه بالسجن بسبب الإدلاء بشهادة كاذبة أمام الكونغرس في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان تتعلق بصفقات أسلحة لجماعة quot;الكونتراquot; في نيكاراغوا المؤيدة للولايات المتحدة، إلا أن الرئيس بوش أصدر عفواً خاصاً عنه.
* ريتشارد هاس، وكان عضواً في مجلس الأمن القومي، ومستشاراً لنتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلي الأسبق، وهو من أكثر المتشددين في الدفاع عن نظرية الحرب على العراق وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط من جديد. ولكن ما كان لهذه الشخصيات اليهودية- الأميركية أن تتمكن من فرض هذا التوجه على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لو لم تكن تتمتع بغطاء ديني- سياسي توفره لها شخصيات دينية صهيونية غير يهودية في الولايات المتحدة. ففي الخامس من مارس 2003، نشرت صحيفة quot;الهيرالد تريبيونquot; مقالاً للكاتب الأميركي المعروف نيكولاس كريستوف، قال فيه ما ترجمته حرفياً: quot;إن اليمين الديني الإنجيلي يلعب دوراً مؤثراً في عملية اتخاذ القرار السياسي للرئيس جورج بوش، وإن قرار الرئيس بالحرب على العراق يعكس إلى حدّ بعيد مدى هذا التأثير. وبالتالي فإن للحرب على العراق بُعداً دينياً واضحاًquot;. وقبل يومين من صدور مقالة كريستوف في quot;الهيرالد تريبيونquot;، وتحديداً في الثالث من مارس قال السيناتور الأميركي جيم موران: quot;إن الحرب التي تخيم على العراق هي نسيج أيدي اليهود الأميركيين. وإنه لولا دعم المجموعة اليهودية القوي لهذه الحرب لكنا تصرّفنا بشكل مختلفquot;. وقد دفع quot;مورانquot; ثمن ذلك اضطراره للاستقالة من منصبه تحت ضغط اللوبي الصهيوني. وكان ريتشارد بيرل أحد الثلاثة الذين عملوا كمستشارين لبنيامين نتانياهو عندما كان رئيساً للحكومة الإسرائيلية، وأعدّوا له في عام 1996 التقرير الاستراتيجي الذي دعوا فيه إلى وجوب إزالة صدام حسين من خلال شنّ حرب على العراق. أما العنصران الآخران فهما quot;دوغلاس فيثquot; وquot;ديفيد وورمسرquot;، اللذان احتلا موقعين قياديين في إدارة الرئيس بوش أيضاً. كذلك فان الدكتورة شيري وليماس (زوجة الكاتب الأميركي الشهير ريتشارد نيوستاد) والأستاذة في جامعة هارفارد تقول: quot;إن الحرب على العراق أطلقها الأصوليون المسيحيون والأصوليون اليهود في الولايات المتحدةquot;.
من أجل ذلك كانت الحرب على العراق، وقبله على أفغانستان. ومن أجل ذلك أيضاً كانت الحرب على الإرهاب التي تحوّلت كما كان مخططاً لها إلى حرب على الإسلام، حسب رأي كثيرين. ولم تكن الجريمة الوحشية المنكرة في سبتمبر من عام 2001 التي ارتكبت في نيويورك وواشنطن، سوى عود الثقاب الذي أشعل كل تلك الحروب. ومن هنا فإن تلك الجريمة المروعة لم تخدم سوى أصحاب ذلك المخطط الجهنمي الذي يستهدف وضع العالم الإسلامي في خندق، والعالم الغربي- الأميركي في خندق مقابل، تحقيقاً ذاتياً لنبوءة ذاتية بـquot;صراع الحضاراتquot;!
وإذا كانت صورة الولايات المتحدة بالغة السوء في الشرق الأوسط، فإنها ليست أقل سوءاً في أميركا الجنوبية. فعندما زار الرئيس الأميركي جورج بوش المكسيك في إطار جولته على عدد من دول أميركا الجنوبية تعمّد عدم زيارة المقرّ الرئاسي المكسيكي في العاصمة مكسيكو. فالمقرّ كان في الأساس قلعة تقع على تلة مطلة على العاصمة. وفي هذه القلعة اعتصم المقاومون المكسيكيون في عام 1847 أثناء مقاومة الغزو الأميركي لبلادهم. وهي تُعرف اليوم باسم quot;قلعة الأبطال الصغارquot;، نسبة إلى آخر ستة من المقاومين الأولاد الذين كانوا آخر من قُتل على يد القوات الأميركية. وتحكي قصة موتهم أن آخرهم قُتل وهو يحاول استعادة العلم المكسيكي من أيدي القوات الأميركية! ولا يزال المكسيكيون يذكرون بغصة وألم كيف أن الولايات المتحدة اقتطعت نصف بلادهم تقريباً في القرن التاسع عشر وضمّته إليها، ومن ضمنه ولاية تكساس التي كان الرئيس بوش حاكماً عليها قبل انتخابه رئيساً لبلاده. لقد استُقبل الرئيس بوش بمظاهرات عدائية في كل الدول التي شملتها جولته. وحتى الدول التي لم يزرها نُظّمت فيها مظاهرات مُعادية له ولسياسته. ولم يكن ذلك مستغرباً.
