د. رغيد الصلح
لم يكن غريبا ان يصدر اول طابع بريدي حاملا صورة نيكولا ساركوزي في ldquo;إسرائيلrdquo;. ولم يكن غريبا ان يصدر الطابع البريدي ldquo;الإسرائيليrdquo; حاملا التهاني الى ساركوزي بفوزه (المرتجى) برئاسة الجمهورية الفرنسية. بدا ذلك طبيعيا للغاية في ضوء الآمال العريضة التي يضعها ldquo;الإسرائيليونrdquo; والصهاينة على نجاح ساركوزي في الانتخابات الرئاسية المقبلة التي تبدأ اولى جولاتها خلال الايام المقبلة.
كتب الكثيرون في فرنسا والولايات المتحدة يصفون ساركوزي بانه ينتمي الى المحافظين الجدد و-لكن بجواز سفر فرنسي- ووصفه بعض الكتاب الفرنسيين بانه -جورج بوش فرنسي- الاقرب الى الحقيقة انه -rdquo;إسرائيليrdquo; بجواز سفر فرنسي- هذا اذا اردنا ان نختار توصيفا يناسب سجل المواقف السياسية التي اتخذها منذ بروزه على المسرح السياسي الفرنسي والدولي. فمنذ سبع سنوات تقريبا لم يكف ساركوزي عن انتقاد المواقف الفرنسية تجاه ldquo;إسرائيلrdquo;، وعن تأييد حكوماتها وسياستها في كل مناسبة. كذلك لم يكف ساركوزي عن الدعوة الى تغيير سياسة باريس تجاه الصراع العربي - ldquo;الإسرائيليrdquo; وصولا الى سياسة -متوازنة- بين الطرفين كما لاحظت ندرا بوللر في ldquo;باجاما ميدياrdquo; (8/4/07).
فضلا عن ذلك، يجاهر ساركوزي بتعاطفه مع المحافظين الجدد الامريكيين، وبتأييده واعجابه بجورج بوش وصداقته الحميمة مع توني بلير.في هذا السياق انتقد المرشح الرئاسي الفرنسي المواقف -المتعجرفة- التي اتخذتها الحكومة الفرنسية وهيئة الامم المتحدة تجاه حرب العراق. ويشاطر ساركوزي الزعيمين الامريكي والبريطاني مواقفهما في العديد من القضايا وخاصة في سياستهما الشرق اوسطية. بيد انه من المشكوك جدا في ان تأييده لrdquo;إسرائيلrdquo; هو امتداد لتأييده لهما. الارجح انه يؤيد سياسة بوش - بلير لانها تخدم ldquo;إسرائيلrdquo; وليس العكس. في هذا السياق يعبر ساركوزي عن حساسية ملحوظة تجاه ما يمس المصالح ldquo;الإسرائيليةrdquo; والصهيونية على الصعد الدولية والاوروبية والفرنسية.
هذه الحساسية المفرطة تبرز في التباين في بعض المواقف والتقييمات بين بوش وبلير، من جهة، وساركوزي، من جهة اخرى. فالادارة الامريكية والحكومة البريطانية تؤيدان انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي. هذا الانضمام سوف يؤدي بالضرورة الى اضعاف تماسك الاتحاد الاوروبي ومن ثم الى التقليل من دوره الدولي ومن احتمال تحوله الى قطب آخر ينافس الولايات المتحدة او العالم الانجلو - سكسوني المركز المهيمن عالميا. اما ساركوزي، فانه يعارض انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي. والارجح ان تكون هذه المعارضة متأثرة بعوامل ldquo;إسرائيليةrdquo; - صهيونية اكثر مما هي متأثرة باعتبارات فرنسية. فانضمام تركيا الى الاتحاد سوف يعزز دور ناقدي ldquo;إسرائيلrdquo; ودعاة التعاون مع العرب والمسلمين فيه، وهذا بالطبع ما يخشاه ldquo;الإسرائيليونrdquo; وانصارهم في اوروبا.
يفترق ساركوزي ايضا عن بوش وبلير في تحديد الاولويات. الزعماء الثلاثة يحاولون استنفار المؤيدين وتعبئة الانصار وحشدهم عن طريق تحريض الرأي العام في بلادهم ضد ldquo;الاعداءrdquo;. بوش وبلير يتفقان على ان العدو الرئيسي كان في العراق. ساركوزي لا يذهب بعيدا. فالعدو عنده هو في الداخل: انه في ضواحي المدن الفرنسية حيث يقطن ما يقارب الخمسة ملايين عربي اكثرهم من المسلمين. هنا يكمن في نظر ساركوزي العدو. وبدلا من ارسال الجيوش والاساطيل والطائرات الى الخليج، فانه من الاسهل دق طبول الحرب ضد الضواحي وغزوها بالمصفحات وبقوات الشرطة والامن. وفي هذا السياق بدا ان تعبئة الرأي العام ضد ldquo;الآخرrdquo; الذي يقطن البلاد ويهدد امنها مباشرة، هو اسهل من تعبئة الرأي العام من اجل محاربة ldquo;الآخرrdquo; في بلاد بعيدة.
حتى الآن، بدا وكأن ساركوزي حقق نجاحا كبيرا في حملته السياسية والانتخابية. فالاستفتاءات تدل على انه متقدم على منافسيه الرئيسيين بمن في ذلك سيغولي رويال مرشحة الاشتراكيين الفرنسيين. بيد ان الطريق التي سار عليها ساركوزي في تحقيق هذا النجاح، قد تتحول هي ذاتها الى مدخل ملائم لافشاله، والاهم من ذلك، لافشال النزعات الايديولوجية والسياسية التي يمثلها. حقق ساركوزي نجاحات انتخابية عندما استنفر المشاعر العنصرية لدى قطاع من الفرنسيين. واذ حمل وزير الداخلية الفرنسية العصا الغليظة يضرب بها سكان الضواحي الذين قاموا بانتفاضات العنف، فان الكثيرين من الفرنسيين رأوا فيه فارسا يخوض بواتييه جديدة للدفاع عن الوطن الفرنسي ضد اجتياح المغاربة والعرب.
ولم يحمل ساركوزي العصا الغليظة فحسب، ولكنه ارفقها بوابل من القصف الايديولوجي والاعلامي بدأ بالدعوة الى تأسيس وزارة للمهاجرين وللهوية الفرنسية كأنما هناك علاقة سببية وحصرية بين الاثنين. ومع تصعيد هذا القصف، تذكر فرنسيون آخرون مناهضون للعنصرية، كما جاء في ملحق صحيفة ldquo;نيويورك تايمزrdquo; الامريكية (15/04/07)، حكومة فيشي وحملات غوبلز وزير الدعاية الالماني النازي ضد الاغيار وضد الشعوب المنحطة. لقد وصف ساركوزي الذين شاركوا في انتفاضة الضواحي بانهم ldquo;حثالة المجتمعrdquo;، ووعد بان ldquo;يطهرrdquo; فرنسا منهم كما تنظف المكائن الكهربائية الشوارع من القاذورات. واتسمت تصرفات الوزير الفرنسي تجاه مسألة الهجرة والمهاجرين بفظاظة وعدوانية مفرطة الى درجة انها كانت سببا من الاسباب الرئيسية التي دفعت عزوز بجاج، وزير تكافؤ الفرص الفرنسي، الى الاستقالة من منصبه بعد ان هدده ساركوزي بالضرب لانه انتقد طريقة تعاطيه مع انتفاضة الضواحي.
هذه الحملات ادخلت عنصرا جديدا على الانتخابات الرئاسية الفرنسية. ففي الانتخابات الماضية، كانت المنافسة عادة بين اليمين واليسار. اما في هذه الانتخابات، فان الجولة الاولى منها تحولت الى صراع على كسب تمثيل العنصريين الفرنسيين بين ساركوزي والمرشح ldquo;التاريخيrdquo; للعنصريين الفرنسيين جان ماري لوبن. فاذا تمكن ساركوزي من اخراج لوبن من المعركة، بات بامكانه احتلال مركز الممثل من دون منازع للتيار العنصري الفرنسي.
ان الزواج بين العنصرية والصهيونية قد لا يكون غريبا على دارسي الحركة الصهيونية، ولا على المطلعين على سياسات ldquo;إسرائيلrdquo; وخلفياتها ومن بينهم بعض الشخصيات العالمية مثل الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر، والاسقف البارز دزموند توتو. ولكنه لا يزال امرا صعب الفهم على الكثيرين من الذين لم تتوفر لهم الفرصة للاطلاع على معاني العنصرية وعلى الفكر والممارسات الصهيونية. شخصية ساركوزي وصعوده في السياسة الفرنسية سوف يقدم لهؤلاء مادة غنية، سهلة الاستيعاب والفهم تساعدهم على فهم العلاقة بين تيارين من التيارات التي الحقت ضررا عظيما بالعلاقات بين الشعوب وتطور قضايا التحرر والمساواة بين الناس.
