هذه هي خفايا اتفاق الطائف والمفاوضات التي سبقت إبرامه
حاوره: إبراهيم مرعي
الأخضر الإبراهيمي دبلوماسي جزائري مخضرم، ينتمي إلى جيل الثورة التي ولدت من رحم العناد والقوة والمستحيل، كما ينتمي إلى رعيل الدبلوماسيين الأوائل الذين تعلموا مهنتهم بالطريقة الصعبة واعتادوا التقشف والمجالدة على الشدائد.هذا الرجل الذي يهوى الغوص في الأزمات الساخنة يمتلك قدرة على الصبر، وصاحب موهبة فذة في الهدوء والتماسك وبرودة الأعصاب، وهي مزايا توفر للدبلوماسي أن يكون مميزاً وقادراً على التعاطي مع الأحداث ببصيرة وبعد نظر واجتراح حلول، خصوصاً في الأزمات والعواصف السياسية والمواقف الصعبة.يفضل الإبراهيمي أن يمارس دوره بهدوء وعلى الطبيعة، ومنهجه يقوم على ضرب الحديد وهو ساخن لأن لا فائدة بعد ذلك.. فمهمة الاطفائي تبدأ عند اندلاع الحريق وليس بعده.
عندما كلف العام 1989 بمهمة حل الأزمة اللبنانية الملتهبة آنذاك على رأس اللجنة العربية الثلاثية قال ldquo;لقد قبلت التحديrdquo;، ولم ينس الإشارة إلى المهمة الصعبة الملقاة على عاتقه بالقول ldquo;ما يجب أن يفعله الدبلوماسيون هو اجتراح أشياء قد تبدو سخيفة مستحيلة، ولكنها تجبر السياسيين على التعاونrdquo;.
لذلك، فإن الإبراهيمي اختار العمل في المناطق الساخنة يتنقل بين خطوط تماسها وأمراء حربها ويتحدى القذائف والمتاريس التي كانت تواجهه، على أمل أن يصنع السلام.. أما الخوف الذي كان يتملكه فكان يهزمه بقوة العزيمة وبالإرادة والصبر والإيمان بالله.تولى الإبراهيمي خلال عمله في الجامعة العربية مساعداً للأمين العام، وفي الأمم المتحدة ممثلاً خاصاً للأمين العام، معالجة العديد من الأزمات بدءاً من لبنان (1989) وجنوب إفريقيا (1993) واليمن (1994).. وصولاً إلى أفغانستان والعراق.خلال هذه المهام التي تولاها أطلقت عليه العديد من الأوصاف، مثل ldquo;الاطفائي وrdquo;رجل المهام الصعبةrdquo; وrdquo;الباحث عن المتاعبrdquo;.. إلى أن قرر التقاعد في مطلع عام 2006 .لا شك في أن المهام التي كلف بها في لبنان وأفغانستان والعراق كانت الأصعب والأخطر.. وقد نجح في بعضها وفشل في بعضها الآخر. وعندما يتذكر ما قام به يقول ldquo;كنت دائماً أحاول أن أحدث ثقباً في جدار الاسمنت، لأن هذا الثقب يفتح كوة الأملrdquo;.حول دوره ومهامه في هذه الأزمات الثلاث المفصلية كان ل ldquo;الخليجrdquo; الحوار التالي مع الإبراهيمي للوقوف على أحداث وأسرار ما جرى فيها.
سؤالنا الأول عن تجربتك الأولى كمبعوث للجامعة العربية إلى لبنان في أواخر الثمانينات، حيث لعبت يومها دور عراب اتفاق الطائف. هل بامكانك التحدث لنا عن دورك في ذلك الاتفاق؟ وما المصاعب التي واجهتك؟ وما الدور الذي قمتم به مع الأطراف اللبنانية والإقليمية والدولية لإنجاز الاتفاق؟
كنت يومها أمثل اللجنة الثلاثية العليا التي كانت تضم الملك الحسن الثاني والملك فهد والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد.. وأنا كنت مبعوثهم إلى لبنان في الفترة التي بدأت بعجز اللبنانيين لأول مرة عن انتخاب رئيس الجمهورية، وأصبحت في البلد حكومتان والخوف من تقسيم لبنان، والذي كان الناس يتحدثون عنه أصبح خطراً داهماً.فحتى العام 1988 ورغم كل المآسي التي لحقت بالبلد كانت هناك حكومة واحدة وسفارة واحدة في كل بلد خارجي، وكان هناك خوف من انقسام، لكن في تلك الآونة بدأ الانقسام واضحاً وخطيراً ولم يتمكن اللبنانيون من انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وأصبحت هناك حكومتان.هذا هو في الحقيقة الظرف الذي دفع الجامعة العربية لرفع وتيرة اهتمامها بلبنان، وركزت أكثر مما كان في الماضي على ضرورة مساعدة لبنان.الحقيقة أن هذه اللجنة استفادت من عوامل مختلفة، منها أولاً الجو الدولي الذي تغير، إذ إنه كان واضحاً أن الحرب الباردة انتهت، رغم أنه حتى ذلك الوقت لم يكن حائط برلين قد سقط، والاتحاد السوفييتي كان لا يزال قائماً، لكن كانت هناك خطوات عملاقة على طريق تحقيق توافق دولي، حتى إن الميليشيات اللبنانية أدركت أنه في هذا الجو من الصعب مواصلة الحرب.
ثانياً، إن الأطراف المتحاربة أدركت أن إمكانية انتصار طرف على الطرف الآخر أصبحت غير واردة. والحقيقة أنه لو فكر هذا الطرف بالانتصار، فما هو الانتصار الذي كان سيحققه.. هل سيطرد الفئات الأخرى من البلد ويستولي عليه؟ الحقيقة كان هناك جانب غير عقلاني.والعامل الثالث، هو التركيز العربي على لبنان لإنقاذه على عكس ما كان في السابق.والعامل الرابع، هو أنه وإن كانت اللجنة الثلاثية المشكلة من المغرب والسعودية والجزائر تعمل في إطار جامعة الدول العربية، إلا أننا انتبهنا إلى ضرورة تجنيد كل الطاقات سواء كانت عربية أو غير عربية، وبالتالي فإن هذه اللجنة اتصلت فوراً بالفاتيكان والأمريكان والفرنسيين والإنجليز والروس والصينيين، وأيضاً كان هناك إدراك بضرورة التحدث مع الفلسطينيين والسوريين والعراقيين وهي الأطراف الرئيسية التي كانت لها صلات قوية بالأطراف اللبنانية المختلفة.هذا هو الجو الذي عملنا في إطاره آنذاك، وأنا كنت ذراع هذه اللجنة داخل لبنان، وكنت أتنقل من جهة إلى جهة إلى أن تمكنا في سبتمبر/ أيلول 1989 من الوصول إلى اتفاق جدي على وقف اطلاق النار، وبعدها ذهبنا مباشرة إلى الطائف وتم الاتفاق بين أعضاء البرلمان الذين كانوا موجودين آنذاك.هذه هي في الواقع الخلفية التي عملنا عليها للوصول إلى اتفاق الطائف.البعد اللبناني والدولي والإقليمي
من خلال تجربتك في لبنان آنذاك وملامستك للواقع الميداني، هل كنت تعمل على أساس أن الحرب اللبنانية هي حرب الآخرين في لبنان؟
لا شك في أن هناك عنصراً في هذه الحرب يمكن أن تسميه حرب الآخرين في لبنان، لكن لا شك في أن الحرب كانت لبنانية. فالذي كان يحمل البندقية حتى وإن كانت تأتي من جهة والدولار من جهة أخرى، ويقتل اللبناني كان لبنانياً، وبالتالي كان هناك بعد غير لبناني لكن البعد اللبناني كان أساسياً.
خلال وجودك في لبنان، وأثناء اتصالاتك مع مختلف الأطراف اللبنانية للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، من هي القوى التي كانت تسعى للعرقلة؟
هذه القوى لاتزال موجودة ومتصارعة، ولا حاجة الآن لفتح الجراح أو وضع الملح على الجرح.. لكن دعني أقول إنه من الناحية الشخصية ليس عندي عتاب خاص على أية جهة من الجهات. كانت هناك اجتهادات مختلفة وظروف صعبة وكنت أحترم الجميع.
لقد تم إنتاج اتفاق الطائف.. هل الاتفاق كان فعلاً محصلة توافق سعودي سوري أمريكي؟
اتفاق الطائف لم يكن نتاج الطائف فقط، إنما نتاج كل المساومات والمفاوضات والأوراق المختلفة التي تداولها اللبنانيون عبر 15 سنة من الحرب اللبنانية، بدءاً من مؤتمر لوزان مروراً بمؤتمر جنيف وورقة غلاسبي ومليون مرحلة.. الطائف كان حصيلة هذه المسيرة كلها. الكثير من العناصر الموجودة في اتفاق الطائف تجدها في هذه الأوراق كلها.
لكن هل الأمريكان كانوا حاضرين؟ نعم كانوا حاضرين، وكما قلت كنا نصر على أن كل الأطراف الفاعلة والمؤثرة يجب أن نجندها إلى جانب الجهد الذي نقوم به. لقد ذهبنا إلى الفاتيكان مراراً، وكذلك فإن الفرنسيين لم يكونوا بعيدين عن هذه الأجواء، إضافة إلى الروس والإنجليز، حتى العرب أيضاً كان لهم دور فقد ذهبنا إلى بغداد ودمشق مراراً.
طبعاً سوريا كان لها وضع طاغ، إذا أردنا أن نتكلم عن القوى الخارجية الفاعلة في لبنان، سوريا كان لها وضع طاغ في لبنان خصوصاً أن جيشها كان موجوداً هناك.
وليس سراً أن الأمير سعود الفيصل ذهب مرتين أو ثلاث مرات إلى دمشق لإنجاز اتفاق الطائف.. ولا شك في أنه كان لسوريا دور أساسي آنذاك.
بأي معنى كان الحضور الأمريكي في اتفاق الطائف؟
ونحن في الطائف اجتمعنا بسفراء الدول المهمة.. أمريكا وروسيا وانجلترا مرتين أو ثلاث مرات، وأبلغناهم إنه إذا كان لأي منهم نفوذ على أي طرف فليتفضل ويمارس تأثيره عليه.. بهذا المعنى فقط كانت مشاركتهم.
ألم يشارك هؤلاء بمؤتمر الطائف من وراء الكواليس؟
التلفونات كانت شغالة من جانب اللبنانيين.. بمن اتصلوا، من سألوا، من أثر في قرار فلان أو فليتان؟ هذا موضوع أعتقد أن اللبنانيين أدرى به.
وهل أجرت اللجنة العربية الثلاثية اتصالات مباشرة بدول غربية؟
كما قلت لك.. اللجنة اتصلت بهؤلاء السفراء وقلنا لهم ldquo;اللي عندو صاحب يشجعوا على أن يكون بناءrdquo;.
المسودة كانت موجودة
هل تمت صياغة النقاط الرئيسية في اتفاق الطائف قبل المؤتمر؟
المسودة كانت موجودة.. والتفاصيل يعرفها رئيس مجلس النواب اللبناني آنذاك حسين الحسيني. والكلام عن أن سوريا والأمريكان والسعودية لعبوا دوراً هذا صحيح، لكن الدور اللبناني كان رئيسياً، والذي كانت لديه كل الخيوط هو رئيس مجلس النواب الأخ الرئيس الحسيني، وهو يعرف كيف تم وضع اتفاق الطائف.
لكن المسودة كانت موجودة قبل اجتماع الطائف، وتم عرضها على النواب اللبنانيين.
كانت هناك ورقة معلنة ومعروفة تتضمن المبادئ الرئيسية، وكما قلت إن الطائف كان حصيلة كل الجهود التي بذلت قبله.
الآن.. وبعد سنوات على اتفاق الطائف، وما حصل في لبنان بعده، هل ترى أن الاتفاق المذكور كان الاتفاق النموذجي للبنان، خصوصاً أنه قام على المحاصصة الطائفية؟
إذا كان الاتفاق نموذجياً أم لا.. لا أدري. كان هناك بعض الأخوان وخصوصاً الجنرال عون لم يكونوا راضين عن الاتفاق آنذاك. وبعد الطائف حصلت صدامات فظيعة بين المسيحيين بالذات. والكلام الذي قلته في ذاك الوقت على ما أذكر إن الطائف ليس الحل المثالي ولكنه الحل الممكن في ظروف لبنان، والجو الإقليمي الذي كان موجوداً في ذاك الوقت، وإن الإنجاز الكبير للطائف هو أن اللبنانيين يعودون إلى بلدهم ويتوقفون عن مقاتلة بعضهم، ويحاولون بناء لبنان جديد. الاتفاق ليس قرآناً وحلاً مثالياً، أو أننا توصلنا في الطائف إلى حل سحري سوف يخلق جنة الله على أرض لبنان. الاتفاق كان صعباً جداً بين أطراف كانت تتقاتل بالأمس، وفي الحقيقة استمرت تتقاتل حتى بعد اتفاق الطائف. إنه ليس حلاً مثالياً، إنما خطوة تنهي الحرب والاقتتال، وبعدها على اللبنانيين أن يبنوا لبنان الجديد.
من خلال معرفتك بالوضع اللبناني.. لو أردت أن تضع اتفاق طائف جديداً يضع نهاية لأزمات لبنان السياسية والطائفية، كيف كنت ستضعه؟
لا يمكن أن تضع شيئاً مثالياً الآن وأنت تجلس هنا، سواء للبنان 1989 أو للبنان 2007.
أنا قصدت اتفاقاً في ضوء الدروس المستفادة من اتفاق الطائف ،1989 وتداعياته من بعد ذلك وصولاً إلى ما يجري الآن هناك.
ما هي الدروس.. الدرس الرئيسي هو أن اتفاق الطائف طموحه الرئيسي الانهاء التدريجي للطائفية، وهذا لم يحصل. الطائفية تكرست.
لماذا برأيك؟
الله أعلم.. لكن الطموح الرئيسي لاتفاق الطائف هو الانهاء التدريجي للطائفية، وهذا لم يتحقق.. الطائف حقق إنجازاً مهماً، حيث أصبح معلماً رئيسياً، ذلك أن اللبنانيين عندما يختلفون اليوم يتهمون بعضهم البعض بالخروج على الطائف، وهذا ليس قليلاً. لكن يجب أن نعترف بأن الطموح الرئيسي وهو إنهاء الطائفية لم يتم، وبالتالي لا نزال نرى طوائف ومواقف متحجرة.
الفيصل والحريري
ولماذا تأخر العرب 15 عاماً كي يدخلوا بفاعلية ويوقفوا الحرب اللبنانية؟
أعتقد أن العرب لم يتأخروا، لقد حاولوا من قبل ولم ينجحوا، لكن ربما عندما رأوا أن هناك حكومتين عرضوا مساعدتهم لأنهم شعروا بأن البلد سوف ينقسم وسوف يبقى جرحاً يدمي الجسم العربي إلى ما لا نهاية. كان هناك جهد مركز. وبهذه المناسبة دائماً أنا أقول إن الذي عمل بشكل بطولي كان سعود الفيصل. الحقيقة إنهم كانوا يقولون هناك لجنة ثلاثية.. وملوك ورؤساء.. لكن ldquo;الديناموrdquo; الذي كان يحرك هذه العملية هو سعود الفيصل.
ساعدنا في ذلك من الخارج رفيق الحريري، وقام بدور من دون جزاء أو شكور.
ما دور رفيق الحريري آنذاك بالضبط؟
الحريري كان طبعاً سعودياً بعقاله.. جالس هناك في الطائف.. لكنه كان في الوقت نفسه لبنانيا يعرف كل الناس ويتنقل من مجموعة إلى مجموعة ومن واحد إلى واحد.. كان عاملاً مشجعاً كبيراً لا شك.
بعد 17 عاماً أو أكثر على اتفاق الطائف.. ماذا تقول للبنانيين في ظل الأوضاع الحالية وبعد حرب تموز (يوليو) والانقسام السياسي القائم؟
أنا كتبت مقالة في ldquo;نيويورك تايمزrdquo; بعد حرب تموز مباشرة، طبعاً انتقدت فيها الأمريكان وrdquo;الإسرائيليينrdquo;، وخصوصاً الأمريكان، لأنهم منعوا مجلس الأمن من إصدار قرار بوقف إطلاق النار. لكن بالنسبة للبنانيين، فقد قلت إن الخلاف الذي كان قائماً بين اللبنانيين حول القرار 1559 في ما يتعلق بموضوع الدولة اللبنانية فهو في الحقيقة خلاف لا معنى له، لأن اتفاق الطائف ينص على الأشياء نفسها. وتحدثت بالأخص عن حزب الله.. الحقيقة إن لا أحد يستطيع أن ينكر أو يتنكر لدوره البطولي في الدفاع عن لبنان وعن العرب في الحقيقة.. لا أحد يمكن أن ينكر هذا. إنه وسام على صدر كل من شارك في المقاومة ضد الاحتلال ldquo;الإسرائيليrdquo;.. هذا وسام لا يمكن لأحد أن ينتزعه من على صدر كل عضو في حزب الله.لكن حزب الله تطور إلى حزب لبناني سياسي أساسي موجود على الساحة، وهذا الحزب السياسي مطالب بأن يعمل من أجل دعم وتقوية الدولة اللبنانية.
وجزء أساسي من هذا الدعم هو أن يكون لدى الدولة جيش واحد. إذا كان حزب الله صادقاً ولا يجوز التشكيك في صدقه كحزب سياسي موجود في البرلمان وفي الحكومة فلابد أن ينتهي إلى قرار بأن لبنان لا يمكن إلا أن يكون فيه جيش واحد والسلاح يجب أن يكون بيد الدولة وحدها.كيف ننتقل فيه من الوضع الذي يكون فيه حزب الله مسلحاً إلى وضع لا يكون في لبنان إلا جيش واحد هو محل النقاش الذي يجب أن يدور. وأنا أقول إنه إذا كان القرار 1559 سوف يؤدي إلى مشكلة فلننسه، وأنا كنت أقول للاخوان في الأمم المتحدة لا تتكلموا عن هذا القرار، تكلموا عن الطائف الذي يقول إن كل الميليشيات يجب أن تترك سلاحها، ويقول أيضاً إن على الدولة أن تبسط سلطتها على كل الأراضي اللبنانية عن طريق الجيش.. وهذا واضح جداً، فلماذا نتكلم عن شيء آخر هو محل خلاف.في السابق، كانت هناك سوريا والعراق وأسلحة تأتي وتروح. الآن هناك قوى إقليمية محل نقاش.
هذه القوى إذا كانت تريد لبنان وتحب لبنان عليها أن تشجع على تطبيق اتفاق الطائف.النقطة الأخرى، تتعلق بسوريا.. إن سوريا لم تطبق ما وافقت عليه بالنسبة للطائف.. لقد تأخر 15 سنة. يجب على الاخوة السوريين أن يطمئنوا اخوانهم في لبنان وعليهم أن يقبلوا بهذا من دون خلفيات أو إشعارهم بأنهم خرجوا من الباب وسيدخلون من الشباك.. يجب أن يقتنعوا بأن لا عودة للجيش السوري إلى لبنان.. خلاص.. انتهى، ويجب أن يطمئنوا اخوتهم اللبنانيين بذلك، لكن الاخوان في لبنان يجب أن يعرفوا أن سوريا جار باق إلى الأبد ولن يترك لا اليوم ولا غداً ولا بعد مليون سنة. وأود أن أشير هنا إلى أنه أثناء العدوان ldquo;الإسرائيليrdquo; في يوليو/ تموز وعندما أغلق البحر والجو، فاللبناني الذي أراد الخروج لم يكن يجد أمامه من طريق إلا سوريا.. البضائع التي دخل وتخرج ليس أمامها إلا سوريا.
هل أنت خائف على لبنان؟
أنا خائف على الوطن العربي كله من أقصاه إلى أقصاه.. والحقيقة أن التوترات التي حصلت مؤخراً في لبنان فيها عنصر مطمئن، وكأن كل الأطراف اللبنانية مدركة أن هناك خطوطاً حمراً لا يمكن تجاوزها.
الإبراهيمي في سطور
بدأ الأخضر الإبراهيمي الذي ولد العام 1934 نشاطه السياسي العام ،1954 عندما كان طالباً، حيث انضم إلى صفوف حزب جبهة التحرير لمقاومة الاحتلال الفرنسي. وفي العام 1956 تم إيفاده إلى إندونيسيا ممثلاً لجبهة التحرير هناك لمدة خمس سنوات.وبعد الاستقلال عين سفيراً للجزائر في القاهرة منذ العام 1963 حتى العام 1970. ثم عين سفيراً في لندن من العام 1971 حتى العام 1979 ثم مستشاراً لرئيس الجمهورية من العام 1982 حتى العام ،1984 ثم أميناً عاماً مساعداً لجامعة الدول العربية من العام 1984 حتى العام 1991. وعين وزيراً للخارجية الجزائرية من العام 1991 حتى العام 1993. وانتقل إلى الأمم المتحدة ممثلاً للأمين العام من العام 1993 حتى 2005.
لهذه الأسباب فشلت مهمتي في كابول وبغداد
ننتقل من لبنان إلى أفغانستان.. لقد قمت بدور الوسيط في الأزمة الأفغانية كمبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة.. هل تعتقد أنك نجحت في مهمتك؟
- لا.. أنا في المرة الأولى فشلت. في المرة الأولى بين 1997 - ،1999 كانت محاولة وساطة بين طالبان والأطراف الأخرى، وهذه المحاولة فشلت وقدمت استقالتي.
من المسؤول عن الفشل؟
- جيران أفغانستان والدول الكبرى.. وهذا ما قلته رسمياً.. وعندما استقلت قلت انني مبعوث دولي وليس لدي من دعم إلا دعم المجتمع الدولي الذي أمثله.. والمجتمع الدولي غير جاد. أفغانستان بلد فقير وبعيد والناس تقتل بعضها.. وتركوهم.. والجيران مثل ايران وباكستان بصفة خاصة اضافة إلى روسيا والهند كانوا يغذون هذه النار إلى أبعد الحدود.
هل هي تصفية حسابات؟
- بالتأكيد تصفية حسابات.. وذهبت إلى مجلس الأمن وقلت لهم انكم لستم جديين وأنا من جهتي عملت ما استطعت.. ولا أستطيع الاستمرار.
والمحاولة الثانية؟
- استغلينا في الحقيقة ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول.. وانتقام الولايات المتحدة من طالبان، وحاولنا تجميع الأطراف الأفغانية لإعادة بناء الدولة، نجحنا في خلق مشروع سياسي نفذت أجزاء لا بأس بها منه. كان هناك حوالي 3 4 ملايين لاجئ عادوا إلى بلادهم، وهناك اليوم في أفغانستان خدمات صحية بدائية بسيطة تصل إلى 80% من السكان.
لكن في مؤتمر بون الذي عقد آنذاك تم التعهد بتقديم دعم مادي، لكن الوفاء كان شحيحاً؟
- البعض وفّى بتعهداته.. هناك تعهدات بخمسة مليارات دولار.. صحيح ان المبلغ لم يتم دفعه، لكن تم دفع مبلغ لا بأس به.
إلا ان العملية السياسية لم تنجح..
- العملية السياسية نجحت، لكن العملية الأمنية هي التي لم تنجح. العملية السياسية نجحت بدليل ان الدولة بدأت تقوم على رجليها.. الانتخابات كانت جيدة.. الدستور كان أحسن من الدستور العراقي مليون مرة.شيئان لم ينجحا، وهما مترابطان: الموضوع الأمني، وموضوع طالبان. بالنسبة لطالبان كره الناس أم أحبوا فإنهم ظاهرة أفغانية مهمة، صحيح ان الأمريكيين تمكنوا من طردهم من كابول إلا أنهم لم يستسلموا، وقد دعونا بقوة شديدة في العامين 2002 و2003 إلى مصالحة وطنية. هذه المصالحة لم تتم كما كان يجب أن تتم فيه، لأنه كان لابد من محاولة ارجاع طالبان.. ليس كلهم، لكن يجب أن يكونوا ممثلين.
ألم تتصلوا بطالبان في تلك الفترة؟
- حاولنا.. أنت تعرف انه كان هناك دولة أفغانية وهي التي تقرر، وكنا نحن نساند الدولة.
لكن أمريكا هي التي كانت تقرر وليس الدولة الأفغانية..
- أمريكا كان لها نفوذ كبير بلا شك.. وهناك فرق بين ما كان يجري في أفغانستان وما يجري في العراق. في أفغانستان كان الأمريكان يركضون وراء القاعدة ولم يعلنوا انهم احتلوا أفغانستان كما فعلوا في العراق. لم يعينوا بريمر ليصدر أوامره وقوانينه.
لكنهم عينوا قرضاي؟
- لا.. قرضاي الحقيقة ان الأمريكيين لم يعينوه.. قرضاي كان موجوداً على قوائم كل الأطراف الداخلية والاقليمية المعنية بأفغانستان. باكستان كانت تؤيده وكذلك ايران وروسيا، اضافة إلى الأطراف الأفغانية كلها كانت تؤيده ما عدا طالبان.. ليس الأمريكان وحدهم من اختار قرضاي.. لكن أمريكا لديها نفوذ في كل مكان.. قل لي أي بلد ليس للأمريكان فيه نقوذ؟
لكن بعد أن تركت مهمتي حصل تطور جديد وتغير الموقف.. إذ حصل اندماج بين عملية أمريكا في أفغانستان والقوى الدولية التي تشكلت بموجب قرار مجلس الأمن من دول الناتو (ايساف)، هذا التطور الجديد خلط ما بين العملية الأمريكية العسكرية والعملية السلمية السياسية التي كانت تشرف عليها الأمم المتحدة.وهناك نقطة مهمة جداً جداً في هذا الصدد.. ان الأمريكيين لم يكونوا مهتمين بأفغانستان اطلاقاً.. منذ اليوم الأول كانوا يريدون الذهاب إلى العراق. ولو ان طالبان قبلوا تسليم ابن لادن ليس للأمريكان انما لأي انسان، أو أن يخرج من أفغانستان لما ذهب الأمريكيون إلى أفغانستان اطلاقاً.
ان اصرار طالبان على عدم تسليم ابن لادن جعل الأمريكيين يذهبون إلى أفغانستان، وكان أملهم أن يقتلوا ابن لادن أو يقبضوا عليه، ويبقون كذا أسبوع ثم يذهبون إلى بغداد.لقد قلت في محاضرة ألقيتها في الولايات المتحدة ان كابول كانت محطة في الطريق إلى بغداد. ولهذا فإن المساعدات التي قدمت إلى أفغانستان كانت قليلة، أيضاً فإن تعاملهم وعلى مدى السنتين اللتين عملت فيهما هناك كان يقوم على أساس الترحيب بأي مساعدة لهم من أي طرف، لأنهم لم يريدوا البقاء في أفغانستان انما كانوا يريدون ابن لادن.
الأمريكيون لم يهتموا بأفغانستان
هل كان هناك تصادم بين ما كانت تطمح إليه الولايات المتحدة في أفغانستان وبين ما كانت تريده الأمم المتحدة؟
- لم يكن هناك من تصادم. انما كان هناك عدم رضا من الجميع وهذا الكلام كنا نقوله علناً، ان الأمريكيين لم يهتموا بالقدر الكافي بأفغانستان وبمستقبل أفغانستان ومصالحها. كان موضوع الحرب ضد الارهاب هو الأساس عندهم، وليس إعادة الحياة إلى أفغانستان.
هل يمكن ان تقول على ضوء تجربتك، وعلى ضوء التداعيات التي حصلت هناك، ان الولايات المتحدة نجحت في أفغانستان؟
- لا..
هل لأن الحرب استمرت؟
- لا.. الحرب توقفت، والآن وكأنها تستأنف. طالبان تشتتوا لكنهم أعادوا تنظيم أنفسهم مجدداً بدءاً من العام ،2005 ولديهم وجود ملحوظ، وبالتالي فإن السؤال الآن هو: هل ما تحقق في أفغانستان سينهار أم يمكن استدراكه من خلال عمل سياسي أو عمل تفاوضي أو عمل عسكري؟ هذه أسئلة مطروحة الآن.
أين تكمن العلة الفعلية في الأزمة الأفغانية.. هل هي طالبان.. أم هناك قوى أخرى؟
- يبدو ان هناك قوى أخرى غير طالبان.. لكن الوضع في أفغانستان معقد جداً.. دعنا نقول إن الوحدة الوطنية في أفغانستان متعثرة وهناك خلافات داخلية كبيرة تهدد ما تحقق عن طريق اعادة البناء.
والسؤال المطروح: هل يكون لدى المسؤولين الأفغان ومن يساعدهم أكانت الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة أو الحلف الأطلسي أو جيران أفغانستان.. هل يكون لدى هؤلاء الحكمة الكافية لالتئام الجروح أو ان تغرق أفغانستان في فوضى شاملة؟
ما هو أصعب موقف واجهته خلال المفاوضات داخل أفغانستان وخارجها؟
- في أفغانستان وفي المرحلة الأولى عندما قتل طالبان الدبلوماسيين الايرانيين واحتجزوا عدداً كبيراً من الايرانيين.. في ذلك الوقت نشرت ايران 200 ألف جندي على حدود أفغانستان استعداداً لاجتياحها. وقد اجتمعت إلى محمد عمر وأخرجنا كل المحتجزين.. الموقف كان صعباً جداً وينذر بمخاطر حقيقية.
والموقف الصعب الآخر الذي استقلت بعده مباشرة، عندما حاولت المستحيل لاقناع طالبان بعدم الهجوم على قوات أحمد شاه مسعود، ورجوناهم بأن هذا الهجوم لن يؤدي إلا إلى مزيد من القتلى في صفوفكم وصفوف قوات مسعود، وإذا احتللتم عشرة في المائة من الأرض التي تتواجد عليها قوات مسعود فذلك لن ينهي الوضع.. كذلك رجونا باكستان أن تنصح طالبان انما حصل العكس.
.. بالطبع المفاوضات في ألمانيا لم تكن سهلة، وعندما توجهنا إلى أفغانستان بعد مؤتمر بون، فإن التعامل مع أمراء الحرب كان صعباً.
لماذا أنهيتم مهمتكم في أفغانستان؟
- تعبت (يضحك).. بقيت لأكثر من سنتين هناك.. ورأيت أنني قمت بما أقدر عليه.. وعلى الأمم المتحدة ان تواصل مهمتها هناك بأشخاص آخرين.
فشل في العراق
من لبنان إلى أفغانستان.. إلى العراق حيث قمت بدور بعد الاحتلال الأمريكي للعراق كمبعوث للأمين العام للأمم المتحدة من أجل ايجاد حل أو تسوية بين الأطراف العراقية للحد من التداعيات الأمنية والسياسية للاحتلال. كيف تقيم الآن نتائج مهمتك هناك؟
- هذه كانت كارثة.. باختصار شديد عندما أنظر إلى الوراء، وحتى في ذاك الوقت لو كنت أفكر في نفسي فقط كان الحل الأسلم ان أقول شكراً جزيلاً لا أريد ان أقوم بهذه المهمة.
هذا كان الحل الأسلم بالنسبة لي شخصياً.. أنا كنت ضد الحرب ورغم أنني كنت موظفاً في الأمم المتحدة فقد قلت هذا الكلام علناً، وقد أدنت الاحتلال الأمريكي للعراق على الملأ.. قلت ذلك في أفغانستان وصرحت بذلك للاذاعة الهندية والاذاعات العربية والأجنبية.. وفي كل مكان.
هل كان للأمين العام المتحدة الموقف نفسه؟
- لا.. كان حذراً جداً طبعاً.
هذا الحذر سببه انه لا يريد أن يحدد موقفه علنا، أم خوفاً من رد الفعل الأمريكي!
- هو موظف ويعمل مع مجلس الأمن، ومجلس الأمن منقسم، وكان موقفه أنه ليس بإمكانه ان ينحاز، والموضوع بالنسبة إليه ليس ما يجري في العراق وإنما موضوع الانقسام في مجلس الأمن، إذا كان اتخذ موقفا مؤيدا لطرف ضد طرف فهذا موقف غير لائق.
كثيرون من الناس يقولون ان هذا خطأ لأن الأمين العام يمثل مؤسسة وعندما يرى شيئا يضر بالأمن الدولي من حقه بل من واجبه أن يكون له موقف. لكن في تقديره أنه يجب أن يظل في مقدوره أن يعمل مع كل الأطراف. مثلا في موضوع العدوان على لبنان كان موقفه مختلفا. هنا قال بصريح العبارة انه يجب أن توقف ldquo;اسرائيلrdquo; اعمالها الحربية ضد لبنان ويتوقف القتال. في موضوع العراق كان الأمين العام حذرا جدا.. أنا لم أكن حذرا.
هل هذا الحذر سببه الخوف من أمريكا، خصوصا بعدما تردد عن تلقيه تهديدات أمريكية بهذا الخصوص؟
- لا أدري.. لا أعتقد.
وقيل يومها إن الإدارة الأمريكية هددته بعدم تجديد ولايته؟
- موضوع التجديد لم يكن وارداً، لأن ذلك حصل خلال ولايته الثانية.
إبعاد الجلبي وآخرين
خلال وجودك في العراق ماذا فعلت؟
- الأمريكون جاءوا وقالوا نحن نريد إعادة السيادة للشعب العراقي، لكن لا نستطيع أن نقوم بذلك من دون مساعدة من الأمم المتحدة، هذا دفع الأمين العام لعدم رفض الطلب. عندما تأتيك دولة عظمى وتقول لك أريد أن أنهي الاحتلال وساعدني، فالأمم المتحدة لا يمكنها أن ترفض. أنا من جهتي كان من الممكن أن أقول لا.
الحقيقة لم ننجح هناك فالفتنة حصلت. الذي نجحنا فيه نجاحا متواضعا جدا هو إبعاد عدد من العناصر التي كان حولها اتفاق عام داخلي وخارجي على أنها فاسدة.
مثل من؟
- أحمد الجلبي مثلا؟
هل كان هناك من اتفاق معين على إخراجه من السلطة؟
- لا، كان الاتفاق على أنه سيئ، أنا أعتقد انه كان لي دور متواضع في ابعاده وإبعاد عدد من الاشخاص الآخرين، مثلا وزير المالية الحالي كان وزيرا للأشغال آنذاك واسمه بيان الجنابي كان معروفا بأنه طائفي متطرف وكان يريد ان يكون وزيرا للداخلية، أنا عارضت ولم يشغل المنصب آنذاك، وتمكنا من تعيين وزير نفط معروف في كل مكان بأنه إنسان خبير ونظيف. وزير الداخلية كان ابن العقيد النقيب وهو إنسان وطني معروف، وزير الدفاع ايضا كان شيعياً وطنياً غير طائفي، وزير الصحة كان ايضا شخصاً عمل في منظمة الصحة العالمية وهو ممتاز ومحترم، بعض المواقع استطعنا ان نضع فيها اشخاص جيدين ومشهوداً بنظافتهم.
لكن الأمم المتحدة ساهمت في ترسيخ المحاصصة الطائفية.
- لم يكن هناك من بديل، لم تكن هناك أي أسس اخرى للتفاوض، مع من كنت أنا أتفاوض، كنت أتفاوض مع آية الله السيستاني ومع القيادات الكردية التي كانت تتكلم باسم كردستان فقط، ومع الحزب الاسلامي الذي هو سني، هؤلاء هم من يوجد على الساحة العراقية.
وكيف كان التأثير الامريكي في هذه المفاوضات؟
- الأمريكان هم الذين خلقوا هذا الوضع وأصبحوا أسرى له وما زالوا؟
ألم يكن لكم رأي او موقف بالنسبة للقرارات التي اتخذها بريمر وأدت الى هذا الوضع.
- لا.. هذه القرارات كانت اتخذت قبل أن أصل الى العراق.. أنا وصلت في آخر فبراير/شباط ،2004 فالقرارات التي اتخذها مثل حل الجيش والمؤسسات الأمنية كان انقضى امرها وأصبحت امرا واقعا. الامريكان احتلوا بلدا من دون وجه حق وارتكبوا خطأ بعد خطأ من دون سؤال أحد، وبعد أن خلقوا هذا الوضع جاءوا الى الأمم لطلب مساعدتها.
هذا يعني ان دور الأمم المتحدة كان محاولة إزالة الأوساخ التي تسبب بها الامريكان؟
- كنا نحاول أن ننقذ ما يمكن إنقاذه، لكن الحقيقة أننا لم ننقذ الشيء الكثير، لأن الانحدار كان وصل الى الحضيض.
هل ترى أن القرارات التي اتخذها بريمر مثل حل الجيش والأجهزة الأمنية واجتثاث البعث، إضافة الى انهيار مؤسسات الدولة، كانت قرارات فردية.
- لا، لم يكن قرارا فرديا، هو يقول ذلك.
هذا يعني أن أمريكا قصدت ما فعلت؟
- من الصعب أن يكون غير ذلك. هذه دولة عظمى أقدمت على احتلال بلد، فهل يمكن أن تحل الجيش من غير قصد، طبعا كان ذلك مقصودا.
ماذا كان دور الأمريكيين في تشكيل الحكومة ومجلس السلطة؟
- الأمريكيون كانوا يريدون بعض الاشخاص في السلطة، وبعض الاشخاص لا يريدونهم وأنا سميته ldquo;الفيتوrdquo; الامريكي. السيستاني مثلا كان يريد فلاناً وفلاناً.. الأكراد الشيء نفسه، وقالوا نريد كذا منصب لفلان وفلان. هكذا كان الوضع في العراق آنذاك.
لم أنجح
هل نجح الأخضر الابراهيمي في مهمته بالعراق؟
- لا لم أنجح، لا أستطيع قول ذلك إطلاقا.
هل كنت تتوقع آنذاك تداعيات ما يحصل في العراق الآن؟
- معلوم.. معلوم.. أولاً، أنا تكلمت في مؤتمر صحافي عن سياسة اجتثاث البعث، وقلت ان هذا خطأ، وقلت ان الامريكيين حلوا الدولة وظلموا الناس، حتى لو كان الواحد يتفق معهم على أن صدام حسين ومن كانوا معه سيئون ويجب أن يبعدوا، فأنتم أبعدتم الطبيب والمهندس والمدرس، هذا كلام قلته في مؤتمر صحافي، وقلت ايضا ان هناك حربا أهلية قادمة، وإذا لم تتخذ إجراءات تمنع هذا الانحدار فهناك خوف من حرب أهلية، ويومها قامت عليّ القيامة من كل الاطراف داخل العراق وخارجه، وقالوا من أين أتى بهذا التحليل عن حرب أهلية، هذا الأمر حصل.وأنا دعوت ايضا لمؤتمر مصالحة وطنية، المؤتمر هذا عقد وكان بمثابة كلمة حق أدت الى باطل، إذ أتاح لكل الناس الذين أبعدناهم أن يعودوا، الجلبي وغير الجلبي عن طريق مؤتمر المصالحة الوطنية، وهو لم يكن مؤتمر مصالحة وطنية إطلاقا، إنما كان وسيلة لعودة كل الفاسدين.
هل كان الدكتور الأخضر الابراهيمي، وخلال المهام التي قام بها في لبنان وأفغانستان والعراق يشعر بالخوف على حياته، خصوصا انه كان يقوم بمهمته وسط معارك وحروب أهلية؟
دائما كنت أشعر بالخوف، فأنا إنسان.
ألم تتخذ الاحتياطات المناسبة؟
- طبعاً كانت هناك احتياطات أمنية وحراسة.
ورغم ذلك كنت تشعر بخوف داخلي؟
- هذا طبيعي، والذي يقول لا أخاف يكون إنسانا غير واع.
لو طلب من الأخضر الابراهيمي الآن القيام بمهمة جديدة في بلد يعاني من نزاعات، هل أنت على استعداد؟
- لا.. لا.. هذا يكفي، حاولنا قدر المستطاع.. ومدى النجاح والفشل يحكم عليه الناس، لكن الواحد يجب أن يعترف بأن للسن حقاً.
أين تقيمون الآن؟
- أنا أقوم بالتدريس في احد المعاهد الامريكية.
يعني انكم تقيمون في الولايات المتحدة.
- .. لمدة سنة فقط.
هل تشعر بالحنين للعمل الدبلوماسي؟
- هذا يكفي.. الحمد لله، الأمم المتحدة أحيانا تسأل، تستشير، حتى الأمين العام يتصل احيانا.
لقد عملت لسنوات الى جانب الأمين العام السابق كوفي أنان، والأسبق بطرس غالي، ما تقييمك لهما ولدورهما؟
- لا شك في أن الولاية الأولى لأنان كانت ناجحة جدا، وانتهت بحصوله على جائزة نوبل للسلام، الولاية الثانية كانت أصعب حيث برز موضوع العراق، وكذلك موضوع ابنه الذي اتهم بالفساد، لكن على خلاف كل الأمناء الآخرين هو ابن المنظمة وعرفها من الداخل، وبالتالي كانت سمعته طيبة، وبالنسبة للموظفين كان واحدا منهم، استفاد من هذا بشكل كبير. لكن بشكل عام أنا اشتغلت مع بطرس غالي ومع أنان، وقلت قبل مدة لشخص كان يعد كتابا حول دور الأمناء العامين إنني سعيد جدا بالإنجاز الذي تحقق على يد الأمينين العامين الافريقيين. كانا ناجحين فعلا وان كانت نهاية الاثنين صعبة. غالي لم يستطع الوصول الى ولاية ثانية. أنان استطاع الوصول الى ولاية ثانية لكنهم أتعبوه كثيرا.
هل ينوي الدكتور الأخضر الابراهيمي أن يكتب مذكراته؟
- مش عارف.. ان وجودي في هذا المعهد ربما بسبب التفكير في كتابة شيء عن التعامل مع الأزمات من خلال تجربتي الشخصية.
الوضع العربي صعب
سؤال أخير، ما هو توصيفك للوضع العربي الراهن؟
مر العرب بطفرة نفطية لمرتين، في العام ،1973 وفي الثمانينات لم تدم طويلا. وفي المرتين لم يستفيدوا استفادة حقيقية. الآن الطفرة الحالية اكبر بكثير من السابق. هناك من يقول ان النفط نقمة، وهذا غير صحيح، النفط نعمة بالنسبة للدول النفطية، لكن بشرط أن يستفاد من هذه النعمة استفادة مثلى، أو أن التبذير يكون أكثر من الاستفادة هذا هو السؤال.
ثانياً، العراق وفلسطين ولبنان أزمات لا يجوز للعرب أن يتركوها لغيرهم، حتى العراق، صحيح ان الامريكيين هم الذين احتلوا العراق وحطموه، لكن العراق قضيتنا ومسؤوليتنا.
الأمريكيون سوف يلملمون غداً أغراضهم وأنفسهم ويمشون ونحن من سيبقى، وبالتالي من واجبنا أن نعمل على مساعدة شعب العراق، والشيء نفسه بالنسبة للبنان وفلسطين. لا يجوز أن نعتمد على الأمريكان في قضية فلسطين، الامريكان يقولون علناً إننا ننحاز الى ldquo;اسرائيلrdquo; هم لا يخبئون ذلك ولا يكذبون ويقولون إنهم مع ldquo;اسرائيلrdquo; مائة في المائة.الوضع العربي صعب، لكن يجب أن نكون متفائلين. فالدور الذي قام به السعوديون في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية شيء إيجابي، أنا متفائل بالمبادرة السعودية بخصوص السودان وهذه ليست مسألة بسيطة، ويجب اضافة موضوع السودان وجنوبه ودارفور الى القضايا العربية الخطرة.الواحد يجب أن يكون متفائلا شرط ألا تظل هذه المبادرات مجرد رفع عتب، كأن نجمع السودانيين حول دارفور، أو نؤلف حكومة فلسطينية ونقول مع السلامة هذا يكفي، هذا يحتاج الى متابعة.. خير إن شاء الله.
