راجح الخوري


لبنان بند أول في جدول اعمال العالم. ان هذا الامر المثير لا يدعو الى الاعتزاز، بل الى الرثاء وربما الى الهلع. وان التدقيق في خلفيات هذا الاهتمام الاقليمي والدولي بالازمة اللبنانية يجب ان يدفع اللبنانيين الى القلق لا الى الارتياح!
ذلك ان لبنان، في نظر دول كثيرة، وطن على حافة الزوال، بعدما تحول ساحة هشة جدا لصراع استراتيجي محموم هدفه النهائي تقرير هوية الشرق الاوسط، وما اذا كان سيتحول بحيرة اميركية مشبعة بـquot;الاوهام الديموقراطيةquot; او سيصبح القاعدة الكبرى لإلحاق الهزيمة باميركا والاستكبار الغربي.
لا يستطيع لبنان ان يخرج من جغرافيته، طبعا، لكن اللبنانيين او بعضهم على الاقل يرفض ان يتعلم من تاريخ هذا البلد، وهو تاريخ مفعم بالمآسي والتجارب المرة.
ففي كل محطات الجنون ذهب اللبنانيون الى الانقسام والاقتتال وتفوقوا في سفك دماء بعضهم البعض وفي تدمير ما بناه آباؤهم بالكد وعرق الجبين، وفي كل مرة اضطروا للعودة الى الحوار تحت شعارات سطحية وبائسة كالقول مثلا: quot;لا غالب ولا مغلوبquot; بينما كانوا في الواقع جميعا مغلوبين وحتى العظم!
الآن يمضي اللبنانيون بسرعة في طريق الجنون الذي تؤجج نيرانه المواجهة الاستراتيجية بين اميركا واسرائيل وايران وسوريا ولكن ليس من الواضح هذه المرة حتى الآن ان هناك رغبة لدى المعارضين على الاقل، باستعارة quot;منطق التاريخquot; في هذا البلد بالعودة الى الحوار!
ولأن الحوار ممنوع رغم كل ما جرى والجرائم والفتن ومحاولة اشعال فوضى امنية عارمة تأكل الجميع في النهاية، فان ثمة رؤية سوداء ترتسم فوق مستقبل لبنان وبقائه كوطن. ويستطيع المرء ان يكتشف معالم هذه الرؤية من خلال الاهتمام المتزايد بتطورات الوضع، سواء كان هذا الاهتمام ايجابيا لجهة الدفع في اتجاه الحلول او سلبيا لجهة الدفع في اتجاه التعقيد والتخريب طبعا.
وعلى هذا الاساس يفترض التأمل في طبيعة النشاط الدولي في الايام القليلة الماضية لمعرفة مدى الهلع المتزايد على الوضع في لبنان:
نيكولا ساركوزي يلتقي فؤاد السنيورة الذي التقى كوندوليزا رايس وبان كي ndash; مون وعمرو موسى، والاخير التقى رايس وساركوزي ويخطط لزيارة طهران ودمشق، بعد انهيار مهمة الوفد العربي في بيروت بسبب شروط خارجية فُرضت على المعارضة التي فرضتها بدورها على مشروع الحل والحوار.
العاهل السعودي جعل الازمة اللبنانية بندا اساسيا في مفاوضاته في مدريد وباريس والقاهرة وعمان، وهو يواصل اتصالاته بالقيادة الايرانية التي دعته الى زيارة طهران، بحثا عن حل للازمة.
ومنذ عامين واكثر صار لبنان بندا اساسيا في مقدم اهتمامات الامم المتحدة ومجلس الامن وقد صدرت مجموعة من القرارات الدولية لمعالجة مشاكله، تزيد على القرارات المتعلقة برزمة كبيرة من المشاكل الدولية.


❒❒❒

ولكن كل هذا الدوي لا يساوي في النهاية جلسة مفاوضات تمهيدية حتى، بين هؤلاء quot;الآذاريينquot; ونستعير الكلمة من الرئيس نبيه بري ولكن تعبيرا منا عن المرارة لا عن السخرية وquot;الآذاريونquot; هم ابناء 14 آذار و8 منه!
كل هذا الدوي لا يساوي ربما مخابرة هاتفية ودودة بين السيد حسن نصرالله والنائب سعد الحريري، او بين نصرالله والنائب وليد جنبلاط. وكل هذا الدوي لا يعادل جلسة على صحن فول بين المتحاورين من رجال quot;الباب اولquot; على ما كان يجري... ويا الله ماذا جرى ما يجري!
ولكن ثمة من ذهب بعيدا في قطع الحوار ونسف الجسور، وليس هناك من لبناني واحد لا يعرف او بالاحرى لا يرتعد يأسا وغيظا من الاحتمالات المغرقة في السواد، لان ما يخطط للبنان هو فعلا اكبر بكثير مما يتصوّر غلاة التشاؤم. ويكفي ان نتذكر النار المندلعة في نهر البارد والمتنقلة في بيروت والجبل والجنوب.
وعندما يقول عمرو موسى من باريس ان quot;لا بد من مشاورات اقليمية وعربيةquot; بشأن الازمة، فهذا يساعد رغم كل سيناريوهات التعمية الصادرة في بيروت، على فهم مكمن العقدة التي أفشلت مهمة الوفد العربي، فالمشاورات الاقليمية تقود بالضرورة الى طهران، والعربية تقود الى دمشق.


❒❒❒

ولنكن واقعيين فعلا. ان الاهتمام الكبير الذي يبذل على المستويين الاقليمي والدولي حيال لبنان، ليس مرده الى الاهتمام بحكومة الوحدة الوطنية والرئيس العتيد في هذا البلد المتعوس، بل الى خريطة طريق الحرائق المرسومة له والمندلعة فيه تباعا، والتي قد تلتهمه قبل ان ينتهي الصراع على الشرق الاوسط الذي قد يصير بدوره ارضا للبراكين والرماد!
ومسكين الوطن الذي يشارك اهله الفريسيين في اقتسام ثيابه!


[email protected]