سعد محيو
ماذا بقي من ldquo;إعلان الاستقلالrdquo; الأمريكي، بعد أن تحولت الولايات المتحدة من جمهورية ديمقراطية إلى امبراطورية إمبريالية؟
هذا السؤال لا نطرحه نحن، بل المفكرون الأمريكيون أنفسهم.
لكن، وقبل أن نعرف ماذا يقول هؤلاء، نذكّر بأبرز ما جاء في وثيقة الاستقلال التي صدرت في 4 تموز/ يوليو 1776:
1- حين يفرض مسار الأحداث الإنسانية أن يتحلل شعب من الروابط السياسية التي تربطه بآخر، وأن يتبوأ بين قوى الأرض الوضعية المتساوية والمستقلة التي تخوله لها قوانين الطبيعة وطبيعة الله، فإن احتراماً مهذباً لآراء الجنس البشري، يتطلب أن يعلن( الشعب) الأسباب التي تدفعه إلى الانفصال.
2- نعتبر أن هذه الحقائق واضحة بذاتها، وأن الناس خلقوا متساوين، وبأنهم مخولون من قبل خالقهم بحقوق محددة لا تتزعزع، من ضمنها الحياة، الحرية، والسعي من أجل السعادة. ولضمان هذه الحقوق، تتشكل الحكومات بين الناس وتستمد سلطتها العادلة من موافقة المحكومين.
3- في كل حين يصبح أي شكل من الحكومة مدمراً لهذه الأهداف، من حق الشعب تغييرها أو إقصاؤها وتشكيل حكومة جديدة تستند أسسها إلى مثل هذه المبادئ وتنظم سلطاتها وفق الظروف الأفضل لتحقيق سلامته (الشعب) وسعادته.
4- حين تقع سلسلة طويلة من التجاوزات والاغتصابات، يصبح من حق الشعب، بل من واجبه، إطاحة هذه الحكومة وتوفير ضمانات جديدة لأمنه المستقبلي.
نعود الآن إلى مفكرينا الأمريكيين. ماذا يقول هؤلاء عن إعلان الاستقلال ldquo;المقدسrdquo;؟
مايكل غيرسون، أحد هؤلاء، لم يتذكّر في 4 تموز/ يوليو 2007 سوى ما حدث في 4 تموز/ يوليو 1828 ، حين اعتلى السياسي الأمريكي وليام غاريسون منصة كنيسة في بوسطن ليعلن رفض الاحتفال بالعيد الوطني، بسبب ما رآه من ldquo;تناقض بين إعلان الاستقلال وبين ممارسة العبوديةrdquo; في بلاده.
ثم تذكّر غيرسون شخصاً آخر: مارتن لوثر كينغ الذي اكتشف قبل اغتياله أن امريكا تعاني من الشيزوفرينيا (انفصام الشخصية)، وبأنها منقسمة بشكل مأساوي على نفسها.
جون فابيان، مفكر أمريكي آخر، أعاد اكتشاف إعلان الاستقلال من موقع آخر: إنه (الإعلان) حدد بدقة شروط الحرب وقوانينها. وانطلاقاً من هذه النقطة، ظهر لفابيان شيء مفاجئ: أمريكا التي تحررت من الاستعمار البريطاني في القرن الثامن عشر، تبادلت في القرن الحادي والعشرين الأدوار معه وأصبحت امبراطورية الشر التي تتجاوز وتخرق قوانين الحرب باسم حق الدفاع الوطني عن الذات.
لكن الأهم بين المفكرين الأمريكيين كان مايكل هارت، الذي لم يكتف بإبداء الحزن على مصير مبادئ إعلان الاستقلال، بل خطا خطوة أخرى إلى الأمام، داعياً إلى ldquo;الثورة على النهج المعادي للثورةrdquo; الذي تنتهجه الولايات المتحدة، ومطالباً بتنفيذ شعار توماس جيفرسون حول ضرورة ldquo;مواصلة العملية الثورية إلى ما لا نهايةrdquo;.
هل كان مايكل هارت يحلم حين خط هذه الكلمات؟ هل يمكن حقاً إعادة عقارب الساعة إلى الوراء كي تعود الولايات المتحدة ldquo;دولة ثوريةrdquo; بدل أن تكون (كما الآن): روما الحديثة المناهضة لكل الثورات في العالم؟
بالتأكيد هو يحلم، خاصة حين نتذكّر (كما أشرنا بالأمس) بأن أمريكا هذه الأيام مسيحية إنجيلية متعصبة، ويمينية متطرفة، وامبريالية عنيفة إلى أقصى حدود العنف.
لكنه حلم من نوع خاص، لأنه ldquo;حلم شيزوفيرانيrdquo; يعكس الطبيعة المزدوجة المأساوية لأمريكا والأمريكيين ، المتراقصة أبداً بين الحرية والعبودية. بين الجمهورية والامبراطورية. بين سيادة القانون وسطوة الرأسماليين.
وهذا كان واضحاً كل الوضوح في مزاج أمريكا خلال احتفالات 4 يوليو/ تموز لهذا العام. والأرجح أنه سيكون واضحاً في كل عام ، من الآن وحتى مستقبل غير منظور!
