فهد عامر الأحمدي
حين نتحدث عن ( الغبار ) نقصد غالبا الأتربة والرمال المتطايرة . ولكن الحقيقة هي أن الغبار اسم لأي جزيئات دقيقة تبلغ من الخفة وقلة الوزن حد طفوها في الهواء أو طيرانها مع أي نسمة خفيفة .. وطبيعة الغبار تختلف باختلاف طبيعة المكان والحدث السائد ..
فهناك مثلا الغبار الموجود في الطرقات المزدحمة والمشبع بأول أكسيد الكربون وجزيئات البترول وهناك الغبار السائد في الحقول والمزارع ويغلب عليه حبوب الطلع وأبواغ النباتات الدقيقة.. وهناك الغبار البركاني الذي ترتفع فيه نسبة الزجاج الساخن والصخور المسحوقة .. وهناك غبار المناجم الذي يضم نسبة عالية من جزيئات المعادن والمواد المتفجرة .. وهناك الغبار الذري الذي يتكون من النظائر المشعة المميتة (كالتي تسربت من مفاعل تشرنوبل).. وأيا كان الحال يتواجد quot;الغبارquot; في كافة الأماكن بصرف النظر عن نوعيته أو المادة الغالبة فيه؛ غير أن دقة أجزائه وصغر مكوناته تمنعنا من رؤيته إلا في حالات خاصة جدا (مثل تسلل شعاع الشمس من نافذة المنزل) فلو عدت بالذاكرة إلى أيام البيوت المستورة - وتذكرت شعاع الشمس الرفيع الذي يتسلل عبر النافذة - لأدركت احتواءه على أنواع مختلفة من الجزيئات الدقيقة .. وهذه الجزيئات (التي تشكل محتويات الغبار العادي) تتكون من ذرات ترابية ومعدنية (لايتجاوز قطرها واحداً على 200ملم) وحبوب نباتية وألياف صناعية (لا يتجاوز طولها عُشر الملم) وأنسجة وخلايا بشرية ميتة (تتساقط من أجسامنا بشكل دائم) وأعضاء منتهية من مخلوقات صغيرة (كأقدام النمل ، ورؤوس البراغيث، وزغب الصراصير) والأكثر خطورة من هذا احتواء الغبار على جراثيم ومكروبات وأبواغ وبيوض يمكن أن تسبب المرض فعلا .. ورغم أن الفتحات الموجودة في أجسادنا مزوده بآليات تحجز الجراثيم وتطرد المواد الضارة (كالشعر والمخاط والدموع والعطاس) إلا أن الأمر لا يخلو من تسللها وتسببها بالمشاكل .. وهذا الاحتمال حذرنا منه المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديث يقول فيه : quot;اتقوا الذر فإن فيه النسمةquot; ( والذر في لغة العرب الغُبار، والنسمة هي اصغر حيوان يمكن وجوده - كما جاء في قاموس الفيروز أبادي) !
... وفي الحقيقة يمكن لفهم طبيعة الغبار تقديم تفسير لمظاهر حياتية كثيرة ظلت مجهولة لقرون. فنحن اليوم مثلا نعرف أن جزيئات الغبار ضرورية لتتكثف حولها قطرات الماء وتنزل كمطر (وفي ذلك يقول تعالى : وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه).. كما أن محتويات الغبار تفسر الآلية الغريبة لظهور بعض المخلوقات التي تبدو وكأنها ظهرت من العدم - حيث لاحظ الناس منذ القدم أن يرقات الذباب والباعوض تخرج من النفايات والأعضاء المتحللة فاستنتجوا خطأً أنها تتخلق بذاتها (وحتى اليوم هناك من يعتقد أن الجرذان تتخلق من الجبن المتعفن والأفاعي من الخرق البالية) وهذه الفرضية - الأخيرة - صدقها كثير من المفكرين الواقعيين كديكارت وتاليس وكوبرنيق - بل إن أرسطو ادعى ان الفئران تتوالد من التربة الرطبة والخنافس من اللحوم الفاسدة والعقارب من ترك الخميرة بين quot;طوبتينquot;.. وظل الاعتقاد (بالتوالد الذاتي) سائدا لقرون طويلة حتى اختلف العالم الفرنسي لويس باستور مع العالم الكيميائى بوشيه الذي ادعى أنه قام بتجارب تثبت صحة الآراء القديمة بخصوص الظهور من العدم .. فحين سمع باستور بهذا الادعاء أعاد تجارب بوشيه فأثبت خطأها واكتشف أن الهواء يحتوى على بكتيريا وجراثيم وبيوض وابواغ حشرية دقيقة .. وهي في مجملها أمم حية تظل معلقة في الهواء حتى تجد البيئة المناسبة للتوالد والتكاثر فتبدو وكأنها ظهرت من فراغ !!
... لا أخفي عليكم ؛ حتى أعوام قليلة مضت لم أكن أتصور أن في الغبار ما يستحق الكتابة ...
