محمد بغدادي
عندما مات الملك فؤاد ترك لولي العهد ( فاروق ) ثروة لم تكن بالضخامة التي صورها السياسيون ــ آنذاك ــ لكنها كانت لاتقل عن مليون جنيه.. بالإضافة إلي مزرعة واسعة، وممتلكات أخري يجب تقسيمها laquo;علي الورثةraquo;..
ولكن الأميرة فوقية ـ وهي أخت غير شقيقة ـ طالبت ببيع نصيبها من التركة.. والأمر كان سيتطلب عرض جزء من إرث العائلة الملكية للبيع.. فلم يقبل ولي العهد ــ الذي صار ملك مصر ــ بهذه الإساءة لصورة العائلة الملكية.
وأصدرتعليماته للمثمنين بتقييم نصيب الأميرة فوقية.. فقدر المبلغ بأكثر من نصف مليون جنيه.. فجمع ملك مصر هو وأخواته كل أموالهم فلم تكف.. فاضطر لطلب قرض من أحد البنوك يسدد علي عشر سنوات بضمان ما تبقي لهم من الأرض.. وهكذا دفع ملك مصر السابق نصيب أخته بالكامل.. laquo;هذا ما قاله الملك فاروق في مذكراته التي نشرتها صحيفة إمباير نيوز الإنجليزية في أكتوبر ١٩٥٢raquo;.
كان هذا هو حقيقة مجتمع النصف في المائة الذي كان يحكم مصر قبل ثورة يوليو ٥٢ والتي جاءت إلي الحكم لتحقيق أحلام الشعب المصري، من خلال مبادئها الستة، التي كان من أهمها مبدأ تحقيق العدالة الاجتماعية..
والآن وبعد ٥٥ عاماً من الثورة المباركة أصبح لدينا، والحمد لله، مجموعة من رجال الأعمال الذين يشاركون من خلال مناصبهم الرسمية في حكم مصر سواء من laquo;تحت الترابيزة أو من فوق الترابيزةraquo;.. يمتلكون أضعاف أضعاف ثروة ملك مصر السابق..
بل إن صبيانهم الذين يلعبون في الهوامش المسموح بها يمتلكون أكثر من باشوات زمان بمراحل.. وأصبحنا مجتمع الواحد في المليون وليس النصف في المائة.. مع فارق بسيط: أن فاروق ورث عن أبيه هذه الثروة.. ولم تهبط عليه بالبارشوت من صفقة مشبوهة أو من عمولة متقشرة أومن حصيلة بيع البلد laquo;جملة وقطاعيraquo; حسب طلب الزبون.. أو من ممارسة الفساد ليل نهار وفي الأشهر الحرم.. أو من( بعيد عن السامعين ) اللي ما تتسماش اللي اسمها الشفافية.. أو... حتي عندما اتزنق الملك في قرشين علشان يسدد فلوس أخته أخد قرض بضمان أرض الخاصة الملكية..
وإحنا عندنا بسم الله ماشاء الله الباشوات الجداد أخدوا مليارات الدولارات بدون أي ضمانات.. وهربوا بيها للخارج وأهديناهم صحبة ورد وهُمّه خارجين من قاعة كبار الزوار عيني عينك في وضح النهار.
وكانت النتيجة أن العدالة الاجتماعية التي حاول أن يطبقها عبدالناصر، بكل ما كان يمتلكه من وطنية وإخلاص، ذهبت أدراج الرياح بعد رحيله.. وراح شقي وعمر الشعب المصري هدر laquo;أتاري آخرة خدمة الغز علقةraquo;.. وأصبحنا شعبين عايشين في دولة واحدة..
لكن بقانونين وبطريقتين، شعب تعداده ٧٥ مليوناً بيكمل عشاه نوم ويعاني من جميع أنواع الأمرض المزمنة : في الصحة والتعليم والأكل والشرب والأمن والحرية والمواطنة والبطالة والإهمال المتعمد لكل مشاكله الضرورية والملحة والتي أصبحت بلا أمل في الحل.. وشعب آخر تعداده بضعة آلاف من المحظوظين أولاد المحظوظة.. لاتراهم في الشوارع التي نسير فيها..
فإن اضطرتهم الظروف وساروا في شوارعنا أخلوها لهم.. وفرشوها بالأزهار ورشوها بماء الورد.. لهم مدن خاصة.. ومياه شرب تأتي من باريس.. وماء حموم يتمني العطاشي أن يشربوه بعد أن ينساب علي الأجساد الناعمة متخلفا منهم بعد laquo;الشورraquo;، حتي وإن كان ممتزجاً بالشامبو والبلسم والعطور الفرنسية.. ولهم طائرات خاصة.. وسيارات فارهة ونساء تحل من علي المشنقة زي لهطة القشطة.. وهذا الشعب laquo;الثانيraquo; بقدرة قادر أصبح يمتلك كل شيء في البلاد بما فيها العباد.. وكأننا شروات مال أخدونا علي البيعة مع البلد.. ولذلك هم يعتبرون أن البيعة واقفة عليهم بالخسارة.. والود ودهم التخلص مننا عند أول مقلب زبالة لأننا أصبحنا عبئاً.. زيادة ملهاش لزمة..
ولذلك لم أجد أجمل من كلمات الشاعر عبد الرحمن الأبنودي التي قالها ضمن قصيدة رائعة بعنوان laquo;الأحزان العاديةraquo; يؤكد فيها أننا laquo;شعبينraquo;:
احنا شعبين.. شعبين.. شعبين
شوف الأول فين والتاني فين
وآدي الخط ما بين لاتنين بيفوت :
إنتم بعتوا الأرض بناسها بفاسها
في ميدان الدنيا فكيتوا لباسها
بانت وش وصدر.. بطن وضهر
ماتت والريحة سبقت طلعة أنفاسها
وإحنا ولاد الكلب الشعب..
إحنا بتوع الأجمل وطريقة الصعب
والموت في الحرب
والضرب ببوز الجزمة وسن الكعب
لكن إنتوا خلأكوا سيد الملك.. جاهزين للملك
إيدكم نعمت من طول ما بتفتل ليالينا الحلك
إنتوا الترك وإحنا الهلك
سواها بحكمته صاحب الملك
أنا المطحون المسجون.. اللي تاريخي مركون
وإنت قلاوون و ابن طولون و نابليون
ألستم معي أننا بالفعل ( شعبين.. شعبين.. شعبين ) أم مازال لديكم شك في ذلك؟!!
