ندوة laquo;حرب بلا جرائمraquo; قارنت بين تجربتي صدام وبينوشيه

بيروت - محمد دياب

laquo;حرب بلا جرائم؟raquo;، عنوان اختارته laquo;أمم للأبحاث والتوثيقraquo; للندوة التي أقامتها بالتعاون مع معهد حقوق الإنسان في نقابة المحامين في بيروت.
عنوان بصيغة سؤال يكاد يكون أقرب إلى التمني. فما من حرب بلا جرائم، أو غالباً فإن الحروب تصبح تلبية لرغبة دفينة عند الإنسان في القتل.
وتأتي الندوة في إطار نقاش تناول المحاكمات الدولية بعد عرض مقتطفات من فيلمين عن محاكمة صدام حسين الرئيس العراقي السابق، وبيونشيه الديكتاتور الذي حكم تشيلي على مدى عقود.
الفيلم الأول كان بعنوان laquo;صدام حسين، قصة محاكمة معلنةraquo;، من إخراج جان بيار كريين.
المقتطفات التي أخذت منه تناولت في شكل رئيسي موضوع اتهام صدام بقضية الأنفال، إضافة إلى مقابلات مع أحد محامي الضحايا والقضاة الذين أوكلوا محاكمة الرئيس السابق.
180 ألف كردي و200 ألف شيعي قتلوا، فضلاً عن ضحايا الحرب مع إيران ونحو تسعين ألفا عانوا التهجير القسري. هكذا يبدأ المشهد بالحديث عن ضحايا نظام صدام البعثي من العراقيين فقط. ثم تظهر أمامنا صورة صدام في أيام الشباب اثناء الاجتماع الشهير لقيادة laquo;البعثraquo;، الذي سمى فيه صدام laquo;الخونة الـ 21raquo; الذين تم إعدامهم لاحقاً.
كان صدام يجلس بهدوء، إنما بشكل جانبي فيه الكثير من الاستعلاء الذي تمنحه السلطة، وهو يقرأ حكم الموت على أشخاص ذنبهم الوحيد أنهم عارضوه، قبل أن يعود هو نفسه ليمثل أمام القاضي بسبب الجرائم التي اقترفها.
في الفيلم الثاني، يبدأ المشهد مع توقيف بيونشيه في لندن التي كان قصدها للعلاج، تنفيذاً لمذكرة توقيف صادرة من القضاء الإسباني. وبعدما صدر الحكم من مجلس اللوردات البريطاني، القاضي بتسليم بيونشيه إلى القضاء الإسباني، رفض الوزير آنذاك جاك سترو تسليمه بحجة أنه يعاني مشاكل صحية.
لكن بيونشيه دين مجدداً، وهذه المرة في وطنه تشيلي، بعدما تحركت عائلات الضحايا، ووجهت وسائل الإعلام سهام حملتها في هذا الاتجاه، ما دفع الشعب إلى التضامن مع عائلات الضحايا، وحدا القضاء إلى إصدار قرار إدانة الجنرال.
طبعاً حصل انشقاق في المجتمع بين مؤيد لبيونشيه ومعارض، ولكن المحصلة كانت لمصلحة الغالبية.
ثم ناقش الشريطين كل من ديفيد تولبيرت، النائب السابق لمدعي عام محكمة الجزاء الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة، وماجد فياض عضو مجلس نقابة المحامين في بيروت وماريكا فيردي المتخصصة في شؤون العدالة الانتقالية.
يجب ألا يُدفن التاريخ
بدأ تولبيرت حديثه بالإنجاز الذي حدث على صعيد تحقيق العدالة للعديد من الضحايا في يوغسلافيا، مستشهداً بقول مارتن لوثر كينغ: laquo;قوس التاريخ طويل، ولكنه ينحني نحو العدالةraquo;.
وعرض تجربة المحكمة الدولية في يوغسلافيا، حيث بدأ عمله في العام 1996، وكان تحقيق العدالة الدولية لا يزال آنذاك حلماً. ومنذ ذلك الوقت اتهم 260 شخصاً، تمت محاكمة 151 منهم.
وأكد تولبيرت أنه بات هناك صوت للضحايا، والمهمة تكمن في كيفية إيصاله، متحدثاً عن التطور الكبير الذي حصل خلال العقد الأخير، إذ وضع حد للإفلات من الجرائم. لكنه لم يخفِ أن الطريق لا يزال طويلاً.
تحدث تولبيرت أيضاً عن دور الضحايا في إحقاق العدالة، موضحاً أن وظيفتهم لا تقتصر على إعطاء الشهادات، بل المشاركة الفعلية في إجراءات المحكمة. وختم مداخلته بالتنويه بالتقدم الذي حصل في تشيلي، على غرار يوغسلافيا وفي ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية. فالمحاكم في تلك البلدان حققت إنجازاً وحالت دون أن يدفن التاريخ.
الفرق بين الطغاة وبيننا
وعقب فياض على فيلم صدام، معتبراً أن النقاش الدائر عن عدالة محاكمة صدام هو نقاش حق يراد به باطل. وأضاف: laquo;يجب ألا ننسى الجرائم والفظائع التي ارتكبها صدام وما آلت إليه من تفتيت لوحدة وطنية، كانت في العراق مثالاً يُحتذى بهraquo;. ثم عرض تجارب في الدفاع عن الديموقراطية وقال: laquo;حتى يكون للضحايا صوت يجب أن يكون لهم فم، وهذا الفم هو منظمات حقوق الإنسان وأهل الضحايا وكل من يؤمن بالقانون وسيادتهraquo;.
وتطرق إلى الفرق بين الطغاة ومن يريد العيش تحت سقف القانون، معتبراً laquo;أن الطغاة لا يعترفون بإنسانية الإنسان، فالطاغية يصدر حكم الموت في لحظة واحدة، في حين أن من يلتزم القانون والحقوق الانسانية لا يقبل إلا توافر المحاكمة العادلة للطغاةraquo;.
وانطلاقاً من ذلك، طرح السؤال الآتي: laquo;هل يجوز أن تتم محاكمة صدام حسين في الشكل الذي جرت فيه؟raquo;.
وذكر فياض بـ laquo;المسؤولية التي تقع على عاتقنا لنصبح في مصاف الدول الديموقراطية، التي تتيح عدالتها احقاق الحق لأي طرف، وألا ستبقى منحازين لوجهة نظرناraquo;.
وأوضح أن laquo;الأمم المتحدة حددت مقومات المحاكمة العادلةraquo;، لافتاً إلى أن laquo;بعض الطغاة يجب ألا يحاكموا في أوطانهم لكي تكون المحاكمة عادلةraquo;.
إرث دام
واعتبرت فيردي أن محاكمة بيونشيه في تشيلي laquo;أفضل بأشواط من محاكمة صدام حسين، ولكن تبقى أهمية محاكمات مماثلة أنها أخضعت المسؤولين عن القوانين أنفسهم لهذه القوانينraquo;.
وطرحت عدداً من الأسئلة عن معايير المحاكمة وقدرة المحكمة على إبراز الجرائم كلها التي ارتكبها الطغاة، متساءلة عما إذا كانت مثل هذه المحاكمات تشكل منصة للضحايا.
وأضافت: laquo;هل سيتمتع المتهم بالحقوق المتوجبة له؟ (...) المحاكمة في العراق تأسست على يد الأميركيين رغم مصادقة البرلمان العراقي عليها. ولكن لم ينظر الجميع إلى المحاكمة على أنها عادلة، خصوصاً مع استبدال القضاة الذي شكل نقطة ضعفraquo;. ولاحظت أن laquo;بيونشيه ارتكب جرائم أقل من صدام، ولكن كان هناك لجنة مصالحة في تشيلي أمكنها إيراد جميع الجرائم في المحاكمةraquo;.
وتابعت فيردي: laquo;نحن كمنظمات حقوقية نأسف لكون محاكمة صدام قطعت في نصفها بحيث لم تتم محاكمته إلا في قضية الأنفالraquo;. وأقامت مقارنة بين الرئيس العراقي السابق والديكتاتور التشيلياني، لافتة إلى أن الثاني laquo;استفاد من كرم القانون والثغر القانونية الموجودة، حين أعفاه الوزير البريطاني جاك سترو من الخضوع للمحاكمة بسبب وضعه الصحي، في حين لم يحظَ صدام بالفرصة الكاملة للدفاع عن نفسهraquo;. وأكدت أن laquo;محامي صدام لم يستخدموا الوسائل المتاحة كلها للدفاع عنهraquo;.
وختمت: laquo;لسوء الحظ هذه المحاكمة أنها لم تكن عادلة، وهذا قد يمنع العراقيين من التسامح مع إرثهم الداميraquo;.
وفي المناقشة التي تلت المداخلات أبدى بعض الحاضرين استياءهم من محاكمة صدام التي أظهرت أن laquo;العدالة استنسابية وقابلة للتفاوضraquo;، فرد البعض الآخر أن هذا الكلام laquo;دفاع عن صدامraquo;.
وأدلى تولبيرت برأيه مدافعاً عن المحاكم الدولية وعدالتها، ثم تدخل فياض مستشهداً بقول الإمام الشافعي: laquo;كلامنا حق يحتمل الخطأ، وكلامكم خطأ يحتمل الصوابraquo;.