يوزعون الخراف على الفقراء ومغلفات مغلقة كعيدية لسكان القرى القريبة من السواحل
القاهرة - خالد محمود
اليوم سيجد مئات القراصنة المسلحون على سواحل الصومال طريقتهم الخاصة في الاحتفال بعيد الأضحى المبارك في دولة مزقتها الحرب الأهلية المستمرة منذ عام 1991، لكنهم بالتأكيد لن يتخلوا عن ممارسة نشاطهم الإجرامي الذي روع العالم وأربك حركة الملاحة البحرية في منطقة المحيط الهندي وخليج عدن.
بالنسبة لدولة باتت خارج سياق التاريخ منذ سقوط نظام حكم الرئيس المخلوع محمد سياد بري قبل نحو 17 عاما، فان مناسبة الاحتفال اليوم بعيد الأضحى المبارك تستحق الانتباه، فتلك دولة سيحتفل شعبها بطريقته الخاصة بالعيد للمرة الـ34 بدون حكومة مركزية قادرة على بسط هيمنتها بشكل كامل حتى على العاصمة الصومالية مقديشو ناهيك عن إحكام السيطرة على موانئها وسواحلها البحرية.
لا يجد معظم القراصنة بأعمارهم المتقاربة وبسنوات خبراتهم الحياتية المحدودة أية غضاضة في أداء طقوس العيد بينما هم يحلمون بالفوز بالغنيمة laquo;الفديةraquo;، ذلك أنهم لا يعتبرونها مالا حراما ناتج عن عمل غير شرعي بل إنهم ينصبون من أنفسهم قضاة شرعيين لا يتورعون عن إباحة الفدية لنفسهم ولمن حولهم. laquo;طبعا، سنحتفل بالعيد، ماذا تظننا، نحن أيضا مسلمون، ولنا الحق في العيد والاحتفال بهraquo; هكذا كان رد أحد القراصنة على laquo;الشرق الأوسطraquo; لدى سؤاله عن كيفية احتفالهم بالعيد في ظل الأوضاع الراهنة. القرصان الذي طلب عدم تعريفه قال في المقابل laquo;لا شيء مختلف هذا العام سوى هذه الضجة الإعلامية حولنا، بالنسبة لنا هو عيد عادى كغيره من الأعيادraquo;. لكن قراصنة يحتجزون منذ أكثر من شهرين سفينة الشحن العسكرية الأوكرانية laquo;فايناraquo;، وجدوا طريقة مغايرة للاحتفال بالعيد حيث هددوا بنسف السفينة التي تحمل 33 دبابة وقذائف وعتاد عسكري آخر بسبب ما اعتبروه تأخيرا غير مقبول من الشركة المالكة للسفينة التي اختطفت في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.
التهديد الذي اعتبرته مصادر صومالية بمثابة تعبير عن حنق القراصنة واستيائهم من تأخر تسلمهم للفدية يأتي بعد تأكيدات بإبرام القراصنة لاتفاق سيحصلون بمقتضاه على 3 ملايين دولار أميركي كفدية مقابل إطلاق سراح السفينة وطاقمها المكون من 20 شخصا بقيادة البولندي مارك كارنسكى. وباستثناء الحشد العسكري الغربي غير المعهود على سواحل الصومال، حيث تتواجد قوات حربية وبحرية تابعة للولايات المتحدة ومعظم دول الاتحاد الأوروبي، فان لا شيء غير عادى في تلك السواحل المميتة التي باتت الأخطر من نوعها في العالم.
يمثل العيد دائما فرصة سانحة لكي يظهر الرجال المتنفذون في عمليات القرصنة أريحيتهم المعتادة تجاه السكان المحليين، ولا غرابة إذن عندما تعلم أن المئات من الأضاحي ستعرف طريقها إلى التوزيع بعد ذبحها.
سينال الفقراء نصيبهم من تلك اللحوم في بلد يضم وفقا لما أعلنته أمس نائبة المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، أعلى معدلات سوء التغذية في العالم، حيث يصل عدد الأطفال الذين يصابون بسوء التغذية الحاد في البلاد إلى 300 الف طفل سنوياً.
ثمة مغلفات مغلقة ستجد أيضا طريقها إلى أيدي بعض المحظوظين من سكان تلك القرى القريبة من السواحل والتي يعتمد عليها القراصنة كثيرا في التزود بالمؤن والإمدادات. تلك عيدية معتادة حيث يحوى المغلف بضع ورقات من فئة المائة دولار أميركي، هي بالقطع من فديات مالية سبق أن حصل عليها القراصنة من عمليات ناجحة نفذوها بدون أن ينسوا الإلقاء بالفتات إلى السكان المحليين. للعيد بهجته المفتقدة في الصومال، لكن لا يصعب على شعب يمثل دولة مسلمة وسنية بالكامل، بدون وجود أقليات دينية أخرى كما هو الحال في بعض الدول العربية الأخرى، أن تعرف تلك الوجوه السمراء معنى العيد. الهاتف الجوال الذي يعتبر وحده معجزة ما زالت تعمل في بلد دمرت الحرب الأهلية جميع بنيتها التحتية وأعادتها إلى عهد ما قبل الثورة الصناعية في أوروبا في القرن التاسع عشر، سيوظف بشكل مذهل في تبادل التهنئة بالعيد.
الصوماليون المولوعون باستخدام الهاتف الجوال بطرازاته المختلفة والحديثة سيتبادلون اليوم ملايين الرسائل النصية وآلاف المكالمات الهاتفية في هذه المناسبة، لكن ما الذي سيفعله القراصنة أنفهسم؟. عندما يحين موعد أداء صلاة العيد سيتجمع المئات من المعروفين بأنهم يعملون كمد لوجستي على البر وتحديدا في المدن القريبة من سواحل إقليم بونت لاند (أرض اللبان) في شمال شرقي الصومال، لأداء الصلاة في ساحات مفتوحة، بعدما يتخلون في ظرف استثنائي عن أسلحتهم التي نادرا ما تفارقهم.
وبعدما ينتهي الخطيب من خطبته إيذانا بانتهاء الصلاة سيهرع البعض إلى هاتفه الجوال لإجراء مكالمة هاتفية مع زملائه البحريين أو القراصنة الموجودين منذ أسابيع أو شهور على متن السفن والبواخر المخطوفة قبالة السواحل المترامية للصومال، لتبادل التهنئة بالعيد وأيضا مع آخر أخبار المبالغ المالية التي سيتحصل القراصنة عليها إن هم أفرجوا عن هذه السفينة وطاقمها الملاحي أو تلك. بالنسبة لنحو 345 من المخطوفين من الطواقم الملاحية لنحو 16 سفينة شاء حظها العاثر أن تتعرض للخطف والقرصنة على سواحل الصومال، فان يوم العيد سيمر كغيره من تلك الأيام الصعبة في قبضة الأسر وبانتظار المجهول أو حسم المفاوضات الجارية لإقناع القراصنة بإطلاق سراحهم طبعا بعد نيل الثمن نقدا وعدا.
على الناحية الأخرى وفي جمهورية الصومال الانفصالية التي أعلنت من جانب واحد منذ عام 1991 نفسها كدولة مستقلة وذات سيادة بعيدا عن الدولة الصومالية الأم، سيلقى رئيسها طاهر ريال كاهين خطبة معتادة أمام المصلين في المسجد الجامع بوسط العاصمة هرجيسا. وستزدحم كما هو معتاد أيضا الأماكن المخصصة لأداء الصلاة إلى جانب الملاعب والمساجد، فيما ستهتز أرجاء المدن الكبرى مع ساعات الصباح الأولى بنداءات التكبير، تماما كما اهتزت قبل أسابيع قليلة فقط بفعل سلسلة من التفجيرات الإرهابية المتزامنة والتي ألقت السلطات بالمسؤولية عنها على عاتق حركة الشباب المجهدين المناوئة للسلطة الانتقالية وللتواجد العسكري الأجنبي في الصومال. أما في معقل السلطة الانتقالية في مدينة بيداوة الجنوبية سيؤدى الرئيس الصومالي عبد الله يوسف اليوم صلاة العيد وسط إجراءات أمنية مشددة جانبا إلى جنب غريمه ورئيس حكومته العقيد نور حسن حسين (عدى) بعدما نجح رئيس البرلمان عدن مادوبي في الجمع بينهما أمس للمرة الأولى في اجتماع مغلق. سيتبادل يوسف وعدى عبارات تهنئة مقتضبة، بينما كلاهما يصرف انتباهه إلى الأسبوع المقبل حيث سيجتمع البرلمان بأعضائه البالغ عددهم 275 عضوا للنظر في تشكيلة الحكومة الجديدة ومناقشة الاتفاق الذي وقعه أخيرا في جيبوتي وبرعاية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، عدى مع الشيخ شريف شيخ أحمد زعيم جناح جيبوتي المنشق على تحالف المعارضة الصومالية الذي يتخذ من العاصمة الاريترية أسمرة مقرا له.
