سليم نصار

عقب تفجيرات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 2001 شكلت ادارة الرئيس جورج بوش لجنة خاصة برئاسة السفير السابق ادوارد دجيرجيان اقتصرت مهمتها على ايجاد أجوبة شافية على سؤال واحد: لماذا يكرهوننا؟ وكانت الإدارة في حينه تهدف الى استكشاف الاتجاهات العالمية لتيارات شعبية تناصبها العداء، وتخطط لتقويض قوتها الاقتصادية والعسكرية إثر انهيار الاتحاد السوفياتي.
وقد تبينت الإدارة في حينه ان تفسيرها لما جرى لم يكن صحيحاً، على اعتبار أنها حصرت دوافع الكراهية بالادعاء ان قيم الديموقراطية لم ترق لمؤيدي التخلف والارهاب.
أمضت اللجنة الاستشارية نحواً من سنتين في دراسة التيارات المتطرفة التي دبرت وأشرفت على عمليات يصعب فهم أبعادها السياسية من دون فهم الأجواء الثقافية والاقتصادية التي أفرزتها. وكان من الطبيعي ان تراجع اللجنة المكلفة تفاصيل التطورات الدولية التي شجعت على القيام بتدمير برجي التجارة العالمية في نيويورك وأكبر جناح في مبنى البنتاغون في واشنطن. وبعد انقضاء سنتين على هذا المشروع قدم دجيرجيان الدراسة الى إدارة بوش ضمن توصيات تحمل العنوان التالي: ضرورة تغيير الأفكار من اجل كسب معركة السلام ضمن مسار استراتيجي جديد للديبلوماسية الأميركية تجاه العالم العربي والاسلامي.
حرص دجيرجيان على اختيار أعضاء طاقمة من مشارب مختلفة بحيث تأتي الدراسة موضوعية، خالية من العصبيات والمواقف العاطفية الشخصية. وانتقى خمسة خبراء من أصول عربية واسلامية بينهم: جيمس زغبي، رئيس المؤسسة التي تحمل اسمه والمتخصص في الشؤون العربية، والمحامي جورج سالم، واضع نظام المؤسسة العربية - الاميركية، ومالك حسن من باكستان، وفريد قزاحي، استاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك (من أصل ايراني)، ومأمون فندي، استاذ العلوم السياسية في جامعة جورج تاون (مصري الأصل).
ومع ان ادوارد دجيرجيان ينتمي سياسياً الى تيار جيمس بيكر الذي عينه رئيساً لمجموعته الاستشارية، إلا ان الرئيس بوش اختاره بسبب نجاحه الديبلوماسي كسفير في سورية وكوكيل للخارجية في دائرة الشرق الأوسط.
إضافة الى الخلفية السياسية والثقافية التي تضمنتها الدراسة المؤلفة من ثمانين صفحة، فإن توصياتها اشتملت على تغيير مسار سياسة أميركا الخارجية. وكان ديك تشيني، نائب الرئيس و laquo;عصابة الأربعةraquo; أول من رفض الأخذ بمبدأ التوصيات، لاقتناعهم بأن القوة المهيمنة لا تحتاج الى التغيير بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وبهتان نفوذ دول الاتحاد الأوروبي.
وجلي ان حرب العراق المتفلتة من قيود القانون الدولي، ساهمت في نشر مشاعر المعاداة لأميركا، الأمر الذي عزز لحمة دول عدم الانحياز وتكتلها ضد سياسة بوش. كما عزز بالتالي روح التحدي لنهج السياسة الاحادية التي مارسها جورج بوش في العراق والتي حصدت ألوف الابرياء. ولما جاء الى بغداد بصورة مفاجئة ليوقع الاتفاق الأمني مع نوري المالكي، فاجأه الصحافي منتظر الزيدي بأن رشقه بحذاءيه كمظهر اعتراض على قوله: laquo;كانت الحرب ضرورية كي يلمس العراقيون نعمة المجتمعات الحرةraquo;. واعترف مراسل قناة laquo;البغداديةraquo; أمام المحقق، بأنه كان يعبر عن مشاعر المواطن العراقي العادي، في حين كان المالكي يمثل رأي الحاكم. وعليه رأى انه من الواجب تمرير laquo;قندرةraquo; اعتراض على الاتفاق الأمني بين واشنطن وبغداد، لأنه كان حصيلة ضغط وتهديد، لا حصيلة حوار وقناعات. وقد اشتركت كل الهيئات الرسمية والخاصة في حملة الضغط على العراق كالتهديد بمصادرة أموال النفط المودعة في البنوك الاميركية، وفتح دفاتر الحسابات القديمة مع التجار والشركات وإلغاء مشاريع بملايين الدولارات. ويبدو ان وسيلة الابتزاز قد نجحت مع المالكي، بدليل انه فاوض على انسحاب غير مكتمل سنة 2011. اي انسحاب مرتبط من الناحية النظرية بموعد 31 كانون الأول (ديسمبر) 2011، ولكنه من الناحية العملية خاضع للمراجعة والتعديل في حال استمرت عمليات القتل والتجاوزات.
ويشكل هذا البند مأزقاً للرئيس الاميركي المنتخب باراك أوباما الذي اعترض على مبدأ افتعال الحرب ضد العراق لاعتقاده بأنه عمل غير مقبول. ولكنه اليوم راح يطالب بانسحاب القوات الاميركية مع إبقاء خمسين ألف عنصر كخبراء ومدربين ومستشارين واجهزة أمنية. ومعنى هذا ان السيادة العراقية لن تكون كاملة سنة 2011 وان الاتفاق الأمني لن يصبح ناجزاً إلا بعد تسوية الأمور مع ايران وسورية، خصوصاً ان القواعد العسكرية المنوي انشاؤها ستظل تمثل تهديداً مباشراً للدولتين الجارتين.
ومن هذا الواقع يسأل المراقبون ما إذا كان اوباما سيحذو حذو سلفه جورج بوش، أم ان الظروف العملية ستفرض عليه التغيير، خصوصاً انه تعهد في خطابه أمام laquo;إيباكraquo; بدعم اسرائيل ضد خصومها. وهذا بعض ما جاء في الخطاب: laquo;عندما أصبح رئيساً لن أساوم على أمن اسرائيل وسأحافظ على تفوقها النوعي، وسأواصل المحافظة على خطة المبيعات للسنوات العشر المقبلة بقيمة 30 بليون دولار، وسأمدها بمنظومة دفاعية مضادة للصواريخ وفقاً لمعايير دول الحلف الأطلسيraquo;.
وقال أوباما ايضاً: laquo;سأعمل من اليوم الأول في البيت الابيض على دفع عملية السلام مع الفلسطينيين ومع سورية، وسأعمل على عزل laquo;حماسraquo; واتخذ كل التدابير لمنع ايران من الوصول الى السلاح النووي، وسأحافظ على اسرائيل كدولة يهودية، كما أحرص على ان تبقى القدس عاصمتها الموحدة الى الأبد!raquo;.
في حينه، سارع صائب عريقات الى شن هجوم على أوباما لأن خطابه يناقض كل ما اتفق عليه مع رؤساء الولايات المتحدة. فالقول ان laquo;اسرائيل دولة يهوديةraquo; ينفي حق العودة للاجئين الفلسطينيين، والقول ان laquo;أمن اسرائيل مقدس يعني عدم الانسحاب الى حدود 1967 التي تعتبرها اسرائيل غير آمنةraquo;.
يقول المؤرخون إن الظروف الموضوعية التي وفرها انهيار الاتحاد السوفياتي للولايات المتحدة لم يسبق أن توافرت لأي دولة أخرى بحيث أصبحت وحدها سيدة العالم.
ولكن اتساع رقعة نفوذها لم يكن كافياً لدحر المعارضة والمتمردين على سلطتها في افغانستان والعراق... كما أن هذه الهيمنة لم تردع كوريا الشمالية وإيران من استئناف برنامجيهما النووين، اضافة الى الفشل الذي منيت به في laquo;خريطة الطريقraquo; في فلسطين.
السبب الأول الذي قاد الى تعذر القوات الأميركية حسم مسألة الحرب في العراق، يكمن في سوء التعامل مع الأمم المتحدة، وفي تجاهل قوى اساسية في الحلف الدفاعي مثل فرنسا، أو في تجاوز نصح قوى عالمية مثل روسيا والصين. علماً بأن روسيا سمحت لواشنطن باستخدام أراضي دول محيطة بها اثناء الإعداد للهجوم على laquo;طالبانraquo;.
السبب الثاني ينطوي على تجارب سابقة في فيتنام والهند الصينية والجزائر، اثبتت عجز القوى العظمى في دحر المتمردين. ومعنى هذا أن القوات النظامية المدججة بالأسلحة المتطورة، لا تستطيع صد الثوار الذين يحتاجون الى القليل من السلاح والطعام لمواصلة القتال. ففي حين تقاتل الولايات المتحدة للتوصل الى انتصار ساحق، يسمح لها بإعلان وقف القتال تستمر جحافل المقاتلين في معاركها الانتحارية بهدف إغراق القوات الغازية بمستنقع الدم. وبفضل هذه المقاومة انتقل موضوع العراق من مسألة عسكرية الى مسألة سياسية - اقتصادية تقدم الأسئلة المحرجة: هل العراق يمثل حاجة أمنية حيوية للولايات المتحدة كي يستحق كل هذه التضحيات؟
السبب الثالث يعود الى العقيدة القتالية - عقيدة الرئيس ويلسون - التي تركت تأثيرها على تفكير الرئيس جورج بوش ودعوته الى نشر الديموقراطية الأميركية في العالم عن طريق تصنيف الشعوب بين laquo;شريرةraquo; و laquo;صالحةraquo;. ومثل هذا التصنيف دخل في صلب السياسة الخارجية الأميركية، وراح يعرقل العمل الديبلوماسي. وكان من الطبيعي أن يصطدم هذا التفكير بعوامل ثقافية ودينية، الأمر الذي انتهى الى ابتعاد العالم الاسلامي عن الولايات المتحدة. خصوصاً بعد إقحام دول ومنظمات تحرير بين هذا التصنيف. ففي المرة الأولى كانت ايران والعراق بين دول محور الشر... وفي المرة الثانية أدخلت laquo;حماسraquo; و laquo;حزب اللهraquo; بين منظمات الشر. وهكذا انتقل النزاع الى داخل لبنان وإلى داخل الضفة الغربية وغزة.
الرئيس الفرنسي ساركوزي عارض الديبلوماسية الأميركية التي تقصر تحركها على مخاطبة الأصدقاء. وفي رأيه أن فن الديبلوماسية الناجحة يشمل عملية فتح الحوار مع الخصوم والأعداء، على أساس اكتشاف الخلافات والعمل على حلها. وبما أن بوش اشترط تغيير laquo;أنظمة الشرraquo; قبل التحدث الى زعمائها - مثل ايران وسورية - غلل تحركه ووضع نفسه في موضع هجومي وقتالي، الأمر الذي عرقل مشاريع السلام في الشرق الأوسط. وهكذا تعثرت الحلول في لبنان وفلسطين لأن الدولتين اللتين صنفهما بوش شريرتين (ايران وسورية) أو المنظمتين (حزب الله وحماس) تتشابكان بالوسائل والأهداف، وتتعاونان عسكرياً ومادياً مع هاتين الدولتين.
لهذه الأسباب وسواها تعتبر دعوة بوش الى نشر الديموقراطية هدفاً صعب التحقيق. ولقد أثبتت التجارب أن الديموقراطية لا تستورد ولا يمكن laquo;تصنيعهاraquo;، كذلك من المستحيل زرعها في جسم المنطقة، لأنها حصيلة ممارسات طويلة.
أسوأ ما اثبتته حروب الولايات المتحدة في افغانستان والعراق، ان أهدافها كانت غير واقعية وغير حكيمة. والسبب أنها تفتقد الى التوازن بين الوسائل والغايات. لذلك فشلت استراتيجيتها القائمة على توفير الأمن القومي للأميركيين، عن طريق زعزعة أمن كل الدول والمنظمات التي تعترض على سياسة أميركا الخارجية. وهذا يعني أن أميركا لا تستطيع الاعتماد على قوتها العسكرية فقط، لأن القوة وحدها أثبتت أنها عاجزة عن حل القضايا المعقدة.
كتب المعلق الشهير ريتشارد هاس مقالة في مجلة laquo;فورين أفيرزraquo; - شؤون خارجية - تحت عنوان laquo;الشرق الأوسط الجديدraquo; قال فيها: إنه من سخرية التاريخ، أن حرب الخليج سنة 1991 شهدت بداية العصر الأميركي في الشرق الأوسط، في حين أن حرب تحرير العراق سنة 2003 عجلت في وضع نهاية سريعة لهذا العصر.
والمؤسف أن باراك أوباما مدعو لترميم هذا العصر، بعدما حطمه جورج بوش عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.