يوسف نور عوض

ربما لم تكن الآراء التي أدلي بها كبير أساقفة كانتربري روان ويليامز بشأن تطبيق بعض جوانب الشريعة الإسلامية في بريطانيا مثيرة للجدل، لولا أنها صدرت من أعلي صوت في الكنيسة الإنجليكانية، وكما كان متوقعا فقد ذهب البعض إلي اعتبار ما قاله الأسقف دعوة شاملة لإيجاد قانون مواز في بريطانيا، وذلك بالتأكيد ما لم يقصده الأسقف ويليامز الذي أوضح نفسه بشكل جلي في مراحل لاحقة.
ولكن الخلل في الفهم لم يقتصر علي بعض قطاعات الجمهور البريطاني والهيئات الكنسية بل تجاوز ذلك إلي بعض الهيئات الإسلامية في داخل بريطانيا وخارجها. وحتي نتعرف علي السياق الذي جاءت فيه تصريحات أسقف كانتربري نتوقف لنراجع تطورات هذه المسألة.
ولا شك أنه حين أطلق الأسقف آراءه كانت في ذهنه بعض التطورات التي نشأت أخيرا في بريطانيا في إطار الجاليات المسلمة، وخاصة تلك المتعلقة بالزواج المرتب وتوثيق عقود الزواج في إطار مؤسسة المأذون وكذلك إبرام اتفاقات الطلاق وغيرها. ولا شك أن تلك من المسائل التي أثارت كثيرا من الجدل القانوني من وجهات نظر كثيرة، ذلك أن القوانين البريطانية تعطي المطلقات حقوقا كبيرة في ثروة الزوج ومدخلاته ولما كانت كثير من المسلمات المتزوجات في بريطانيا ولدن وترعرعن في هذا البلد، فهن لا يتفهمن علي نحو واضح الثقافات الأخري وبالتالي تصبح مواقفهن رهنا بما يريده لهن الآباء وذلك ما أوجد كثيرا من الصعوبات في العلاقات الأسرية وربما كان ذلك من الأسباب التي دعت أسقف كانتربري إلي المناداة بان تكون بعض جوانب الشريعة الإسلامية جزءا من القوانين البريطانية وذلك أمر لا يمكن تفاديه في المستقبل بحسب رأيه، ولكن تصريحات أسقف كانتربري سرعان ما واجهت انتقادات من داوننغ ستريت ومجموعات حقوق الإنسان وبعض المؤسسات الكنسية، وحتي من بعض الزعماء والنواب المسلمين الذين انتقدوا ما ذهب إليه أسقف كانتربري . وقال بعض هؤلاء إنهم لا يجهلون الدوافع الحسنة التي انطلق منها الأسقف ولكنهم يخشون من أن تؤدي هذه الدعوة إلي عكس ما يراد لها بزيادة المواقف المتطرفة ضد المسلمين في بريطانيا، وذهبت البارونة وارسي وزيرة حكومة الظل للانسجام والعمل الاجتماعي إلي القول بأن تصريحات الأسقف لن تساعد كثيرا في حل المشكلات، وقد تزيد من حجم الاضطراب الذي يواجهه المجتمع، وقالت إن علي جميع البريطانيين أن يخضعوا إلي قانون واحد وهو القانون الذي يجيزه البرلمان وتقره المحاكم البريطانية، وكانت وزيرة الداخلية البريطانية جاكي سميث أكثر تحديدا في موقفها حين قالت إن هناك قانونا واحدا في بريطانيا وهو القانون الذي تقره الديمقراطية البريطانية وقالت إن علي جميع المواطنين البريطانيين أن يخضعوا لهذا القانون الذي تتمسك به والذي يستمد أصوله من القيم البريطانية. وهو الموقف نفسه الذي عبر عنه رئيس الوزراء غوردون براون من خلال الناطق باسمه، وكذلك واجه روان ويليامز نقدا من أسقف كانتربري السابق جورج كيري الذي لم يطالب باستقالة الأسقف كما طالب بذلك عدد من الأساقفة بل اكتفي بالقول يكفي أنه يشعر بالفزع بعد ما شهد ردود الفعل علي تصريحاته، وهو موقف أيده عدد من الأساقفة في مجمع الكنائس ولكنهم قالوا في الوقت نفسه إنهم لن يحولوا بينه وبين الاستقالة إذا أراد ذلك، وقد رفض بعض الأساقفة حتي مناقشة الموقف ومن هؤلاء جون سنتامو أسقف يورك.
وعلي الرغم من أن مجلس مسلمي بريطانيا اتخذ موقفا داعما لأسقف كانتربري فإن بعض القيادات السياسية المسلمة اتخذت مواقف مشابهة لمواقف المعارضين، ومن أولئك النائب المسلم شاهد مالك الذي قال لم اشهد ضجة كتلك التي حدثت إثر تصريحات أسقف كانتربري، وقال في الوقت ذاته إذا كان هناك أناس يريدون العيش تحت حكم الشريعة فإن هناك بلادا كثيرة غير بريطانيا تلائمهم، وقال النائب خالد محمود من برمنغهام إن القانون البريطاني لا يرغم المسلمين علي الاختيار بين القوانين البريطانية وعقائدهم وقال البروفسور طارق رمضان من جامعة أكسفورد إن مثل تصريحات أسقف كانتربري لا تحقق سوي تغذية الخوف من المسلمين، وقال إن الالتزام بالقوانين البريطانية لا يتناقض مع الالتزام بالقيم والمبادئ الإسلامية، ولكن هذا النقد المتواصل لآراء الأسقف ويليامز لم يثنه عن الدفاع عن موقفه حيث قال في بيان أصدره لامبث هاوس إن ما دعا له يؤدي إلي مجتمع متماسك حيث يكون أمام المسلمين خيار أن يعالجوا خلافاتهم المالية وقضايا الأحوال الشخصية في إطار قوانين الشريعة الإسلامية.
وبعد أيام من الجدل حول المطالبة باستقالته عاد روان ويليامز ليوضح موقفه بجلاء، مدافعا عما قاله، ولكنه في الوقت ذاته قال إنه يتحمل المسؤولية حول أي إساءة فهم لما قصده بسبب الكلمات التي استخدمها، وكان ذلك أمام مجمع الكنائس في انكلترا وسط جو كان يسيطر عليه القلق. وارتجل ويليامز في هذه المرة موقفه الذي لخصه في أن استخدام بعض جوانب الشريعة الإسلامية قد يكون أمرا لا مفر منه من أجل تلبية احتياجات المجتمع المسلم في بريطانيا أسوة ببعض المجتمعات الدينية الأخري. ولكن أسقف كانتربري لم يعتبر ذلك شيكا مفتوحا لصالح تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل كامل، بل هو في الواقع يركز علي بعض وجوهها مؤكدا أن بعض جوانب الشريعة الإسلامية قد قبلت فعلا في القوانين البريطانية.
وإذا توقفنا الآن لنري الأسباب التي جعلت هذه القضية تأخذ أبعادا كبيرة في بريطانيا وغيرها من بلاد العالم وجدنا أن السبب الأساسي هو كونها صدرت من أكبر سلطة في الكنيسة الانجليكانية، وفي وقت يواجه فيه الإسلام في كثير من بلدان العالم الغربي موقفا صعبا بسبب الأحداث السياسية المرتبطة بالحركات الراديكالية التي تتخذ منها السلطات في العالم الغربي موقف الحرب. ولكن بكل تأكيد فإن تصريحات الأسقف حرفت من الجانبين، فهو لم يدع إلي قانون شرعي مواز في البلاد ولا أعتقد أن مثل هذه الدعوة يمكن أن تنجح في بلد مثل بريطانيا، وبالتالي لم يكن هناك داع إلي الضجة الكبيرة التي أثيرت حولها سواء كان ذلك في داخل المؤسسة الكنسية ـ من الذين يتخذون موقفا معارضا من أسقف كانتربري ـ أو من العلمانيين الذين يرون أن مثل هذه الدعوات تغير طبيعة المجتمع البريطاني وتوجد واقعا يبتعد عما يعتبرونه من متطلبات الحداثة.
ومن الجانب الآخر لم يكن ترحيب الجاليات في موضعه بسبب الصعوبة التي يدركونها في تحقيق مثل دعوة أسقف كانتربري، وقد عبر كثير من زعماء الجالية الإسلامية بأن ذلك لن يحقق في نهاية الأمر ما يصبو إليه الكثيرون بل علي العكس من ذلك سيزيد من دواعي القلق والاضطراب في المجتمع. وهنا يجب ألا يكون الأمر جدلا حول أيديولوجيات متباينة، بل يجب أن يتركز حول واقعية تحقيق مثل هذه الدعوات في واقع اجتماعي مثل المجتمع البريطاني.
ولا شك أن أسقف كانتربري حين انطلق في تحديد موقفه من تطبيق بعض أوجه الشريعة الإسلامية أو ضمها إلي القانون البريطاني كان في ذهنه بكل تأكيد كثير من الخلافات التي تحدث في مسائل الزواج والطلاق، والتي تترتب عليها بعض الحقوق، وقد تختلف مواقف الناس منها انحيازا إلي القانون الذي يحقق المصلحة المباشرة أو إلي القانون الشرعي، وبالتالي يجب ألا يفهم موقف أسقف كانتربري علي أنه انتصار إلي ايديولوجية محددة، كما يجب ألا يستغل الآخرون موقف الأسقف من أجل التشديد والتضييق علي الجاليات المسلمة خاصة في مجتمع يعترف بتعدد الثقافات والأعراق ولا يري غضاضة في أن تتعايش هذه المجتمعات مع بعضها بعضا في إطار سلمي، ولكن في الوقت ذاته لكي تتحقق هذه المساواة فيجب ألا تقل معاملة المسلمين عن معاملة غيرهم من الجاليات الدينية في الحقوق والواجبات.