عبد الخالق عبد الله

نقلت الدكتورة عائشة عبدالله النعيمي الحوار حول ldquo;حرية الصحافة في الإماراتrdquo; إلى مستويات مشبعة بالصراحة. ومع أن مجال الاتفاق معها واسع بشأن من يتحمل مسؤولية تدني سقف حرية الصحافة في الإمارات إلا أنها في مداخلتها التي نشرت يوم الأحد الماضي في جريدة ldquo;الخليجrdquo; حول ldquo;قراءة في تحديد المسؤوليةrdquo; تطرح قضايا جديدة وجديرة بالاشتباك وممارسة حق الاختلاف.

السؤال المركزي في مداخلة الدكتورة عائشة الأخيرة يتمحور حول هل أنجزت سياسات وعمليات تفكيك المؤسسة الإعلامية الاتحادية المزيد من الحريات أم أنها ساهمت في تقليص سقف الحريات في مجتمع الإمارات؟ حملت الدكتورة عائشة سياسات ldquo;التفكيك وإعادة الهيكلةrdquo; مسؤولية ظواهر سلبية كثيرة برزت على الساحة الوطنية في مقدمتها تراجع سقف حرية الصحافة في الإمارات خلال الفترة من 2000-2008.

لكن الواقع أكثر تعقيداً بكثير مما ذهبت اليه الدكتورة عائشة النعيمي. فمن ناحية لم تستهدف عمليات وسياسات التفكيك وإعادة التركيب المؤسسة الإعلامية وحدها بل جاءت شاملة للعديد من المؤسسات الاتحادية وخاصة الوزارات الخدماتية كالتعليم والصحة والاسكان والعمل والشؤون الاجتماعية. هذه المؤسسات وغيرها شملها التفكيك وإعادة التركيب بنفس القدر من الاتساع والعمق الذي شمل المؤسسة الإعلامية.

ما هي خلاصة سياسات التفكيك وإعادة التركيب في المؤسسات الاتحادية كافة وليست الإعلامية حصراً؟ المؤكد الوحيد أن المضمون المحلي تضخم أكثر مما ينبغي له أن يتضخم وأخذ يحل محل الاتحادي الذي تراجع أكثر مما ينبغي له أن يتراجع. والمؤكد ثانياً أن المحتوى التجاري أخذ يتغلغل في المفاصل والمحاور ويزاحم الشق الوطني. لا نعرف ما هي الحكمة من وراء عمليات التفكيك وإعادة التركيب للمؤسسات الاتحادية. الذي نعرفه حق المعرفة أن التفكيك وإعادة التركيب مستمران، بل هما في بداياتهما ونجهل نهاياتهما. وما نعرفه أكثر أن التفكيك وإعادة التركيب مقلقان جداً وسيؤثران سلباً في مكتسبات وطنية واتحادية عزيزة أصبحت الآن معلقة ومهددة ولا تجد من يحميها.

الدكتورة عائشة النعيمي تعيش همّ الصحافة، وقلبها على المؤسسة الصحافية وعقلها مشغول بزاوية واحدة من التفكيك في حين أن المطلوب رؤية كافة زوايا التفكيك وإعادة التركيب. من المهم رصد عمليات التفكيك وإعادة التركيب التي تجري في الدولة شرقاً وغرباً ومظهراً وجوهراً. ومن المهم أكثر نقدها والتصدي لها في المؤسسات التنفيذية والتشريعية ومن بعد ذلك في المؤسسات الصحافية بكل الجرأة والشفافية المطلوبة في التعامل مع القضايا الوطنية.

نعود مجدداً إلى السؤال، هل أنجزت سياسات تفكيك وإعادة تركيب المؤسسة الإعلامية المزيد من الحريات؟ الدكتورة عائشة تجزم بأن هذه السياسات مسؤولة عن تدني الحريات خلال فترة 2000-،2007 والواقع مرة أخرى أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فتفكيك المؤسسة الإعلامية الاتحادية ممثلة في وزارة الإعلام جاء في العموم محايداً، بمعنى أن التفكيك لم يقدم الحريات ولم يؤخرها. لم تتقدم الإمارات في حرية الصحافة شبراً إلى الأمام كما أنها لم تتراجع متراً إلى الخلف خلال العقد الأول من القرن الجديد.

ظلت دولة الإمارات على صعيد مؤشر حرية الصحافة ومؤشرات الحريات السياسية عام 2008 في نفس المكان الذي كانت عليه عام ،2000 تقدمت الدولة كثيراً اقتصادياً ومادياً ونفطياً وتألقت تجارياً وسياحياً وعمرانياً وازداد الفرد في الإمارت وعياً وانفتاحاً على ما يجري من حوله وتغير الخلل السكاني من سيئ إلى أسوأ، وتغير العالم سياسياً وأمنياً وفكرياً بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، كل شيء تغير عدا واقع الحريات في الإمارات.

فإذا كانت الحرية تعني في المطلق غياب القيود، فالقيود لم تتغير، لم تزدد ولم تقل. والقيود الرسمية والمجتمعية المفروضة على الصحافة عام 2008 هي نفسها التي كانت قائمة عام ،2000 لم تتسع ولم تنكمش نقطة واحدة. والقيود ستبقى إلى أن يأتي من يخففها أو يزيلها بقرار شجاع أو بموقف أكثر شجاعة.

هذا الأمر يفتح المجال للحديث حول ملف الإصلاح السياسي والانفتاح الديمقراطي في الإمارات. فالحرية والديمقراطية وجهان لا يفترقان لمسار تاريخي واحد. أي زيادة في وزن أحدهما تؤدي تلقائياً إلى زيادة مماثلة ومتساوية في وزن الآخر. فالمزيد من الحرية يعني المزيد من الديمقراطية والعكس صحيح. والإمارات بحاجة إلى الديمقراطية بقدر حاجتها إلى الحرية. فالمطلوب مجلس وطني منتخب انتخاباً مباشراً من الشعب ليصبح البديل للمجلس الراهن. والإمارات بحاجة إلى سلطة تشريعية قوية تراقب السلطة التنفيذية القوية كل القوة. والإمارات بحاجة إلى مؤسسات مجتمعية حية وفاعلة تساهم في الحراك الاجتماعي وتحمي المكتسبات الوطنية والاتحادية. والإمارات بحاجة إلى فرسان وفارسات يدافعون عن الحرية بالأفعال وليس بالأقوال فحسب. كما أن الإمارات بحاجة إلى مؤسسات صحافية مستقلة وهذا هو بيت القصيد في مداخلة الدكتورة عائشة النعيمي التي تؤكد أن المؤسسة الصحافية هي المسؤولة عن تدني حرية الصحافة وتشدد على أنها ldquo;ما زالت مقتنعة بأن الصحف في الإمارات هي الحلقة الأضعف في المنظومة الإعلاميةrdquo;.

ولا بأس من الاختلاف بكل وضوح مع الدكتورة عائشة في هذا الطرح بالذات. ليس المطلوب الدفاع عن الصحف، فهي قادرة على الدفاع عن نفسها بكل اقتدار إن كانت هي ldquo;العلةrdquo; وrdquo;الحلقة الأضعفrdquo;. لكن ليس من العدل حصر المسؤولية في طرف من دون بقية الأطراف. ثم أنه من الظلم وضع كافة الصحف في سلة واحدة. فالدكتورة عائشة المتخصصة في تاريخ الصحافة في الإمارات تعرف أكثر من غيرها أن هناك صحفاً دفعت الثمن أكثر من غيرها، وصحفاً تخضع للرقابة أكثر من غيرها وصحفاً جرجرت إلى المقصلة أكثر من مرة. كما توجد صحف محسوبة لا طعم لها ولا رائحة. وهناك حتماً صحف الإعلانات وأخرى متخصصة في المناسبات. الإمارت تحتوي على صحف قوية في الرأي والموقف وأخرى ضعيفة كل الضعف.

أي صحيفة هي الحلقة الأضعف في المشهد الإعلامي الإماراتي؟ من المهم تحديد أي صحيفة تساهم في تدني سقف الحريات رغم أن الصحف بكل ألوانها ليست بالشماعة التي نعلق عليها مسؤولية تدني سقف الحريات في مجتمع الإمارات.

بإمكان الإمارات أن تكون أفضل حالاً على صعيد الحريات وخاصة حرية الصحافة، وليس من طريق إلى ذلك سوى تفعيل وليس تحديد المسؤولية، كما فعلت الدكتورة عائشة النعيمي.