سعد محيو
هل ثمة quot;مؤامرة كبرىquot; ما وراء انفجار أزمة الطعام العالمية الراهنة؟. وإذا ما كان الأمر كذلك، من الأيدي الخفية التي تحرّكها؟
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، إطلالة على العوامل التي حولت الأزمة الراهنة إلى quot;عاصفة كاملةquot; تضرب كل العالم الثالث وبعض العالم العالمين الثاني والأول.
هناك إجماع الآن بين المحللين، بما في ذلك خبراء البنك الدولي، على أن شرارة الأزمة انطلقت من أمريكا، أو ان امريكا أشعلت فتيلها حين قررت حكومتها قبل بضع سنوات دعم المزارعين الامريكيين الذين يوجهون محاصيل الحبوب لإنتاج الإيثانول، وهو وقود بيولوجي يمكن مزجه بالبنزين. وسرعان ما حذت دول عديدة حذو أمريكا، فتحولت البرازيل من زراعة الطعام لتصبح أكبر مصدر للوقود البيولوجي، وقرر الاتحاد الأوروبي الحصول على 1% من وقود النقل البيولوجي قبل نهاية العام 2020؛ وبدأت العديد من الدول الزراعية تتأهب للقيام بالخطوات نفسها.
كل ذلك أدى إلى انخفاض إنتاج الحبوب المخصص للطعام بنحو الخمس في العالم (والعد مستمر)، بعد ان تحولت أولويات الدول من ملء معدات الناس إلى ملء خزانات وقود السيارات.
ثم هناك عوامل أخرى:
الزيادة الكبيرة في عدد سكان العالم، والتقلص الكبير في الأراضي الصالحة للزراعة.
ظاهرة تغير المناخ التي تتسبب هي الأخرى بخسارة الأراضي الزراعية كنتيجة للفيضانات، والجفاف والعواصف الجامحة، والتصحر وتآكل التربة.
بروز طبقات وسطى ضخمة في الصين والهند قادرة على شراء اللحوم. ولأن كل كيلو لحم يتطلب صرف سبعة كيلوغرامات من الحبوب وكميات كبيرة من الماء لتغذية المواشي، كان بديهياً أن تبرز أزمة في قطاع الحبوب.
الشروط التي يفرضها البنك الدولي على دول العالم الثالث لquot;تحريرquot; تجارة المواد الغذائية وإطلاق يد الشركات متعددة الجنسيات في السيطرة عليها. وهذا أسفر في الهند والعديد من الدول الآسيوية والإفريقية إلى طرد الملايين من الفلاحين التقلديين من الحقول التي كان يزرعها أسلافهم منذ آلاف السنين.
المضاربات في البورصات على أسعار المواد الغذائية، في إطار النظام المالي العالمي الذي أصبح أشبه بquot;الكازينوquot;.
الحروب الاهلية التي تشرد الملايين وتمنعهم بالتالي من زراعة محاصيلهم.
كما هو واضح، أسباب أزمة الغذاء العالمية عديدة ومتعددة الرؤوس، فما الحاجة، إذاً، لquot;المؤامرةquot; هنا؟.
الحاجة تبدو كبيرة في الواقع، حين نعرف أن شركات البيوتكنولوجيا متعددة الجنسيات المنتجة للحبوب المعدلة جينياً، تواجه صعوبات أو عقبات في نقل كوكب الأرض من عصر الغذاء الطبيعي إلى عصر الغذاء المعدل جينياً، وهي صعوبات ناجمة عن خوف الكثيرين من الأمراض المحتملة التي قد يسببها هذا الأخير، من جهة، وللكلفة الاجتماعية الباهظة التي سيؤدي إليها التخلي عن عشرات ملايين الفلاحين التقليديين من جهة اخرى.
لكن ثورة الطعام الجيني مستحيلة ما لم يكن هناك ثورات جوع عالمي تجبر الحكومات على استجداء quot;النجدة الجينيةquot; من الشركات، تماماً كما حدث عشية quot;الثورة الخضراءquot;. وهذا ما يبدو أنه يحدث الآن (الثورات) من هاييتي إلى مصر، ومن الصومال إلى ماليزيا.
إذا ما كان الأمر كذلك، ليس على المرء سوى تذكر نظرية quot;التدمير الخلاقquot; الرأسمالية الشهيرة. إذ حينها قد يكتشف أن ازمة الغذاء العالمي الراهنة، ليست أكثر من نبيذ رأسمالي قديم في قوارير quot;جينيةquot; جديدة!
