غسان العزي

كان بمستطاع الرئيس بوتين، أن يعدل الدستور ليبقى في السلطة لولاية ثالثة، إذ انه يحظى بشعبية لا ينازعه سياسي روسي آخر عليها ويسيطر حزبه على السلطة التشريعية (المخولة تعديل الدستور) سيطرة كاملة ناجزة لاسيما بعد الانتخابات الأخيرة. وكلاعب جيدو محترف لابد انه يشعر بالقوة والشباب، وهو في العقد السادس من عمره، كي يقرر الطلاق من زوجته والزواج من لاعبة جمباز في الرابعة والعشرين من عمرها. كان بإمكانه اذن ان يفكر بالبقاء في الكرملين لسنوات طويلة جديدة ممتدة. لكنه آثر الانسحاب، شكلياً على الأقل، كي يقدم النموذج على ضرورة احترام تداول السلطة في روسيا الجديدة التي بناها.

بوتين هو الذي اختار خلفه في الكرملين، مدفديف الذي لم يعان من أية صعوبة في الفوز في انتخابات رئاسية كانت نتائجها معروفة سلفاً. وبوتين نفسه لم يكن أكثر من ضابط مغمور في الاستخبارات عندما فاجأ الرئيس يلتسين الجميع بتعيينه رئيساً للوزراء، الامر الذي فتح امامه فرصة الفوز الأكيد في الانتخابات الرئاسية في مارس/آذار من العام ،2000 ومنذ ذلك الحين شرع بوتين في بعث الإمبراطورية المتهالكة من أنقاضها وحقق نجاحات يعترف له بها القاصي والداني.

الذين يعرفون ديمتري مدفديف لاينسبون إليه أية صفات لرجل أكثر من عادي: ذكاء وحسن ادارة وتفان في العمل وغير ذلك من الصفات التي يمكن ان يتمتع بها أي رجل عادي. ولا أحد يؤكد أو ينفي ما إذا كان يمتلك غريزة سياسية وصفات القائد السياسي ليفرض نفسه على رأس الكرملين. في الثانية والأربعين من عمره، الرئيس الاصغر سناً في روسيا منذ القيصر نقولا الثاني، لم يأت من عالم الأمن والاستخبارات كبوتين ولا من عالم السياسة. بل قفز، بفضل بوتين، إلى الرئاسة من عالم المحاماة والتعليم الجامعي والشركات الخاصة وبلدية بطرسبرغ التي كان يعمل فيها فلاديمير بوتين.

هذا الاخير عندما أضحى رئيساً عين صديقه مدفديف سكرتيراً عاماً للكرملين ثم رئيساً لمجلس إدارة ldquo;غازبرومrdquo; كبرى شركات الطاقة الروسية حيث نجح في وضعها تحت سلطة الدولة، وفي الوقت نفسه فتح أبوابها أمام المساهمين الأجانب. لذلك يبقى الرجل سراً من الاسرار لاسيما انه قليل الكلام والظهور الإعلامي حتى خلال الحملة الانتخابية التي رفعته إلى السلطة.

يرث مدفديف من بوتين بلداً في صحة جيدة عموماً، يحتل المرتبة العالمية الثالثة، بعد الصين واليابان، لجهة الاحتياطي من الذهب والعملات الصعبة (480 مليار دولار). نسبة النمو السنوي الثابت فيه تربو على السبعة في المائة، وديونه الخارجية تم سدادها بالكامل والاستثمارات الخارجية المباشرة فيه تضاعفت كما تضاعفت مداخيل سكانه منذ ثماني سنوات هي عمر حكم الرئيس بوتين. وللمرة الاولى منذ بداية التسعينات من القرن المنصرم بزغت في روسيا طبقة متوسطة حقيقية تعد خمس السكان فأضحت لاعباً اقتصادياً ينتظر الكثير من الرئيس الجديد مثل وضع ldquo;المشاريع الوطنيةrdquo; الموعودة (في مجالات الصحة والسكن والزراعة والصناعة والتأمينات الاجتماعية وغيرها) موضع التنفيذ والحد من تدخل الكرملين في حياة الشركات الكبرى.

انهم ينتظرون تحقيق الوعود، والمهمة قد تثقل كاهل الرئيس الجديد المفتقد للخبرة والكاريزما: هناك الديمغرافيا المتهالكة (عدد سكان روسيا تراجع من 150 مليوناً عام 1991 إلى 142 مليوناً عام 2007) وهناك النظام الصحي الرديء، وهناك 61 في المائة من الروس يعانون من فقدان السكن الملائم وهناك البنية التحتية المتخلفة في مجال الطرقات والنقل العام من دون ان ننسى ldquo;العدمية القضائيةrdquo; التي وعد مدفديف بمكافحتها عبر اعادة احياء القضاء الغائب تماماً اليوم ما جعل روسيا في قائمة الدول الاكثر معاناة من الفساد في العالم والذي يكلف البلد ثلاثمائة مليار دولار سنوياً. ويعترف الرئيس بوتين بعجزه عن محاربة الفساد إذ قال في الثامن من فبراير/شباط الماضي: ldquo;جهاز الدولة الذي يأكله الفساد والبيروقراطية لايريد التغييرrdquo;. وهذا ما يخلق مفارقة مابين الإنجازات الماكرو اقتصادية التي لاجدال حولها والمؤشرات الضعيفة جداً في مجال التنمية البشرية، حيث تحتل روسيا المرتبة السابعة والستين، قبل ألبانيا، بحسب برنامج الامم المتحدة للتنمية. وهي البلد الصناعي الوحيد في العالم حيث متوسط الحياة تراجع منذ عشر سنوات إلى 59 عاماً ووفيات الاطفال مرتفعة (18 بالألف عام 2006 بحسب اليونيسيف) والكحول تقتل حوالي 35 ألف ضحية في السنة. أما التفاوتات الطبقية والمناطقية فتزداد اتساعاً يوماً بعد يوم.

ثمة ملفات معقدة تنتظر مدفديف في المجال الاقتصادي والاجتماعي الداخلي سينكب على مواجهتها تاركاً لرئيس وزرائه بوتين مجال السياسة الخارجية حيث نجح في اعادة بلاده إلى الخارطة العالمية بعد ان غابت عنها غداة انتهاء الحرب الباردة.