سلطان الخلف

مرّت علينا منذ أيام الذكرى الستون لنكبة فلسطين. وهي بحق نكبة لأن فلسطين تحتل موقعا خاصا في الوجدانين العربي والاسلامي ليس لأنها قطعة من جغرافيا الوطن العربي، بل لأنها ارتبطت بأحداث تاريخية عظيمة ناهيك عن ورود ذكر المسجد الأقصى أولى القبلتين وثاني الحرمين الذي يتربع على أرضها في القرآن الكريم. فُتحت فلسطين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) في منتصف القرن السابع الميلادي، وعاش فيها المسيحيون الى جانب المسلمين في سلام بمقتضى الوثيقة العمرية الشهيرة.
وبعد عدة قرون انتزعها الصليبيون لتظل تحت سيطرتهم قرنا من الزمان حتى أعادها الى الحظيرة الاسلامية الناصر صلاح الدين الأيوبي في نهاية القرن الثاني عشر بعد انتصاره على الصليبيين في معركة حطين وطردهم من بلاد الشام.
وفي بداية القرن العشرين احتل الانجليز فلسطين بعد تقسيم بلاد الشام مع الفرنسيين، ثم قاموا على اثر ذلك بتشجيع هجرة اليهود اليها بمقتضى وعد بلفورد عام 1917 الذي نصّ على انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين هكذا كما لو كانت قطعة حلوى تقدم الى الضيف كما وفروا لليهود جميع أنواع الامكانات المادية والعسكرية التي ساعدت على استيلائهم على الأراضي الفلسطينية واقامة معسكراتهم عليها بعد تفريغها من سكانها المسلمين والمسيحيين بفعل الأعمال الارهابية التي كانت تنفذها ميليشياتهم اليهودية المسلحة ضد المدنيين العزل حتى تمكنوا من الاستيلاء على ثلاثة أرباع أرض فلسطين واعلان قيام دولتهم عام 1948 بمباركة الدول الكبرى راعية السلام العالمي والمدافعة عن حقوق الانسان والمرأة!! ومن الطبيعي ان ينعكس قيام دولة اسرائيل على أمن واستقرار المنطقة العربية التي انسلخت للتو من مرحلة الاستعمار وهي تتطلع الى البناء واللحاق بموكب الركب العالمي لتدخل في مرحلة جديدة من المواجهات مع الدولة الاسرائيلية في حروب 1956، 1967، 1973 بعد حرب 1948 التي لاتزال تلقي بتبعاتها السياسية والاقتصادية والأمنية على الشعوب العربية وتسبب معاناة كبيرة لشعب كامل بين لاجئ وواقع تحت الاحتلال.
وقوف الدول الكبرى وهي بطبيعة الحال علمانية لا تعير الدين اهتماما ولا تؤمن بقيمه وأخلاقه ولا تحترم كتبه المقدسة الى جانب اسرائيل كدولة ذات منطلقات دينية وتأييد تصرفاتها بمقتضى التعاليم والمعايير التلمودية دون أي اعتبار لمبادئ وقوانين الشرعية الدولية هو أمر غريب ومتناقض في آن واحد، ولا يمكن تفسيره الا على أساس المبدأ القائل laquo;الغاية تبرر الوسيلةraquo;، فبقاء الدولة اليهودية قوية تحت رعاية الدول الكبرى يعني ضمان مصالحها في هذه المنطقة الحيوية من العالم، وعندما يتعلق الأمر بمصالح تلك الدول لا مانع من ان تعلق الشرعية الدولية وتتبلد مشاعرها الانسانية.

ربما يكون فصل المواجهات العسكرية قد انتهى، لكن سيبقى باب الصراع مفتوحا وبأشكال اخرى طالما بقيت أسبابه قائمة.