توفيق المديني
تعود نشأة مجموعة الثماني إلى قمة الدول الرأسمالية السبع الأكثر تصنيعا في العالم التي عقدت أول اجتماعها على مستوى رؤساء الدول والحكومات في عام 1975 في قصر رامبوييه في فرنسا. واستمرت على هذه الصيغة حتى سقوط جدار برلين، وانهيار المنظومة السوفياتية، آنذاك طرحت مسألة الأمن النووي على قمة السبع، فكان اندماج روسيا فيها هو الجواب. فبالنسبة للمسألة النووية يصبح من السهل جدا ممارسة الضغوطات على بلد حين يكون عضواً، والأمر عينه، بالنسبة لموقف موسكو من بروتوكول كيوتو الذي لن يكون كذلك لو لم تكن روسيا عضواً في مجموعة الثماني، والحال هذه بفضل التصديق الروسي، دخل بروتوكول كيوتو حيز التطبيق في عام 2005.
في قمة الثماني هذه السنة التي اختتمت أعمالها في بلدة توياكو اليابانية يوم 9 يوليو الجاري، توصل قادة مجموعة الثماني، بعد مناقشات شاقة، إلى laquo;تسويةraquo; اعتبرها المحللون بمنزلة laquo;تهرب من المسؤولياتraquo;، بشأن قضية الاحتباس الحراري، واتفقوا على أن أزمة ارتفاع أسعار النفط والغذاء laquo;تهدد الاقتصاد العالميraquo;، ولكنهم اختلفوا حول أسبابها.
ومع ذلك، فقد اتفق رؤساء الدول وحكومات الدول الأكثر تصنيعا في بيان مشترك، عن القمة، على خفض الانبعاثات الحرارية المضرة بالبيئة بنسبة 50 في المئة على الأقل بحلول العام 2050 على أن تحدد كل دولة أهدافاً على المدى المتوسط، ما يمهد الطريق من أجل التوصل إلى اتفاق عالمي في العام 2009 ، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في كوبنهاغن، حسب ما قاله رئيس المفوضية الأوروبية خوسيه مانويل بارسو.
يعتبر المحللون الغربيون أن المسائل التي بحثها قادة الدول الأكثر تصنيعا في العالم في القمة اليابانية تكشف بوضوح المصاعب الحقيقية التي تواجهها العولمة. فهناك أنانية البلدان الغنية التي تتبرم من مساعدة إفريقيا على الرغم من أن قمة جلين ايجلز بأسكتلندا في العام 2005 أقرت زيادة المساعدات العامة للتنمية في إفريقيا بمبلغ 50 مليار دولار. وقد أعلن قادة الدول الثماني حول إفريقيا، أنهم ملتزمون بشدة بتنفيذ الوعود التي قطعوها في قمة اسكتلندا، بمضاعفة مساعداتهم لهذه القارة، قبل 2010 لترتفع من 25 إلى 50 مليار دولار سنويا، معلنين انهم سيقدمون 60 مليار دولار خلال خمس سنوات، لمكافحة الأمراض المعدية في إفريقيا. كما دعت قمة الثماني إلى إلغاء دعم الصادرات الزراعية، وتوصلت إلى اتفاق جديد حول التجارة العالمية، وإلغاء ديون الدول الأكثر فقرا، والوصول العالمي إلى علاج ضد مرض الإيدز.
وجاء انعقاد قمة الثماني هذه السنة، وسط تزايد القلق الغربي من بروز ظاهرة الحمائية في الولايات المتحدة الأميركية، إذ تظهر معظم الدراسات أن الأميركيين فقدوا ثقتهم في قوة اقتصاد بلدهم، بسبب تدهور قيمة الدولار خلال السنة الحالية. وخلف ضعف الدولار، بدأت تظهرالمصاعب المالية للشركات الأميركية، التي تغذي الشعور بأن أميركا أصبحت laquo;مطروحة للبيعraquo;، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور روائح الحمائية، رغم أن معظم الدراسات الحديثة تؤكد أن النمو الأميركي، هو في جزء كبير منه، مجرور بفعل ديناميكية البلدان الناشئة.
لقد فقد نادي الثمانية الكبار الكثير من بريقه، لأنه ليس من المعقول أن يستمر عقد الاجتماعات في إطار الثمانية لمعالجة المسائل الكبيرة في العالم، متجاهلين الصين التي تعد مليارا و300 مليون نسمة، والهند التي تعد مليار نسمة، ومن دون وجود أي بلد عربي، وأي بلد إفريقي، ولا أي بلد من أميركا اللاتينية، حسب ما أكده الرئيس ساركوزي عشية انعقاد القمة، مضيفا أن هذا الوضع: laquo;ليس معقولاً، ولا عادلا. فالعالم كوني، ومتعدد الأقطابraquo;.
لقد اقترح الرئيس الفرنسي على قمة الثماني أن توسع نادي الكبار لكي يدخل إليه أعضاء جدد من البلدان الناشئة: الصين، الهند، البرازيل، جنوب إفريقيا، والمكسيك. لكن اقتراحه هذا لم يحقق النجاح المطلوب بسبب معارضة اليابان لدخول بكين. رغم أن اقتراح ساركوزي له ما يبرره على صعيد الأزمة العالمية المثلثة: مالية، وغذائية، ونفطية، والتي تقتضي مشاركة أوسع من بلدان عديدة ذات شأن، فإننا لا نجد في قمة اليابان سوى قادة مجموعة الثماني لوحدهم. وهذا ما جعل ساركوزي يقول: laquo;نحن نتحدث عن الطاقة، ولكن باستثناء روسيا، لا يوجد أي بلد منتج للنفط. نحن نتحدث عن الأزمة المالية، ولكن أين هي الصين. جورج بوش يريد فعليا تحريك ملف المناخ، ولكن شريطة أن تتحرك البلدان الناشئةraquo;.
فمصطلح القوة العظمى المفرطة في قوتها الذي أطلقه هوبير فيدرين وزير الخارجية الفرنسي السابق لم laquo;يعد موجوداraquo; حسب قول ساركوزي، الذي حث القوى العظمى الناشئة على تحمل مسؤولياتها. ويعتقد الرئيس ساركوزي أن القوى العظمى، مثل الصين، والهند، والبرازيل، لا يجوز أن تنغلق على نفسها.
لكن المشكل الذي يعترض سبيل هاته القوى العظمى الناشئة، أن تقدمها البطيء نحو الديمقراطية لا يتناسب مع النجاحات الاقتصادية التي حققتها في عصر العولمة.
وكانت مجلة الإيكونوميست البريطانية قد أصدرت قائمة تتضمن أربعة مستويات من الحاكمية في167 بلدا. وقد تصدرت السويد قائمة البلدان التي تعمل فيها الديمقراطية بشكل جيد، بينما لم يحتل أي بلد من القوى العظمى الناشئة مرتبة النظام الديمقراطي. فقد اعتبرت الديمقراطية السائدة في الهند والبرازيل بأنها ناقصة ومعتلة. أما الصين، فهي تنتمي إلى دائرة الدول التسلطية. لكن هذا لم يمنع المجلة البريطانية من الإقرار بأن هذه البلدان تعتبر مناطق اقتصادية سليمة، حيث تشهد حركة كبيرة جدا من الاستثمارات الأجنبية، ولاسيما من قبل الشركات الغربية.
