ساطع نور الدين

جريمة سياسية في المكان الحساس وفي الزمان الحرج. تحبط الأمل بجو المصالحات التي تتم في مختلف المناطق اللبنانية، وتقرع جرس الإنذار من ان ثمة من يريد استثناء الجبل الدرزي من هذا الجو او استبعاده او ربما تأجيله حتى النهاية.. التي بدت بالأمس بعيدة بعض الشيء .
لن تقوض جريمة اغتيال الشيخ صالح العريضي الجهود الحثيثة التي بذلها ولا يزال يبذلها الزعيمان وليد جنبلاط وطلال ارسلان، بل ربما ساهمت في تكثيفها وتحويلها الى جدول اعمال يومي لهما معاً، لكن ذلك لن يلغي الخطر الداهم، والآتي هذه المرة من خارج جمهورهما الذي أثبت في لحظات الأزمة الأخيرة تماسكاً فاق تقديرات الزعامة الثنائية وتوقعاتها، وحافظ على الامن الداخلي للجبل الذي كان قدره ولا يزال ان يقف دائما على خطوط التماس المشتعلة لمختلف الحروب والازمات التي مرت على الوطن الصغير.
شعور الطائفة الدرزية اليوم بهذا الخطر، لا يحتمل الشك. لعله أكبر من أي وقت مضى في تاريخ الدروز. وقد اختزله والد الضحية، الشيخ أبو صالح فرحان العريضي، عندما تصرف بحكمة عالية أمام الجريمة، وأبلغ معزيه الأول النائب جنبلاط بأنه يسامح الفاعلين أياً كانوا، لأنه ينظر بعيون قلقة الى المستقبل الدرزي والوطني الذي يمكن ألا يكون ولده البكر هو قربانه الوحيد.
وشعور بقية الطوائف بالتوجس كان عفوياً جداً وصادقاً جداً. فاللعب بأمن الجبل الدرزي، لا يمكن أن يظل محصوراً بتلك الجغرافيا الصغيرة الواقعة في قلب لبنان. ومثلما تخوّف الدروز بالأمس من مسلسل اغتيالات جديد بدأ ربما في صفوفهم، ارتعبت بقية اللبنانيين من فكرة أن اللائحة الجديدة قد لا تكون درزية فقط، وقد لا تقتصر على فريق سياسي دون الآخر.
من هنا تستعاد السيناريوهات والاسئلة القديمة، ويجري إسقاطها على معطيات الحاضر وتوازناته التي لم تشهد في الواقع تغييراً جوهرياً. لكن الانطباع الاول لدى الجميع من دون استثناء هو انها جريمة موجهة خاصة ضد الرئيس ميشال سليمان الذي فاجأ اللبنانيين فعلاً بدعوته إلى مؤتمر الحوار الوطني يوم الثلاثاء المقبل في القصر الجمهوري. فاختياره التوقيت، بمبادرة فردية، ومن دون التشاور مع أحد في الداخل او الخارج، هو نوع من التحدي الذي غاب عن سلوك الرئاسة الأولى منذ زمن بعيد، وهو نوع من الاستثمار المستعجل لحركة النائب سعد الحريري في الشمال والبقاع وبيروت لاحقاً، وهو شكل من أشكال الاختبار، إن لم يكن الاستفزاز للكثير من القوى المحلية والخارجية التي تراقب بحذر التقارب اللبناني، وتعتقد أنه سابق لأوانه، أو هو على الأقل مجاني، لا يستوفي الشروط الكاملة ولا يلتزم قواعد اللعبة المحددة سابقاً.
ولعل الجريمة برهان اضافي على ان اي حراك سياسي داخلي، سواء اتخذ شكل مصالحات داخل الطائفة الواحدة، ام حوارات وطنية بين الطوائف المتعددة، هو بمثابة سير في حقل ألغام ما زال من المبكر التكهن بموعد تفكيكها بالكامل.