حياة الحويك عطية

في عام 2008 رفع المجلس القومي للاستخبارات التابع لوكالة ال ldquo;سي آي إيهrdquo; في الولايات المتحدة تقريراً حول مستقبل الهيمنة الأمريكية على العالم، توقع فيه أن تبدأ الامبراطورية في التراجع ابتداء من عام 2025 وتستمر في ذلك على مدى 15 عاماً، إلى أن تأخذ مكانها كدولة مثلها مثل الدول العظمى الأخرى، وبالمقابل توقع التقرير أن يتوازى ذلك مع نمو قوى عظمى جديدة أهمها الهند والصين.

غير أن تطورات الأوضاع الدولية منذ نشوب الأزمة الاقتصادية، قد سرع، على ما يبدو، مجريات هذا التراجع، بحيث ظهرت الولايات المتحدة في أكثر من موقع عاجزة عن أن تفرض رؤيتها على دول العالم بما فيها الدول الصناعية الكبرى، وأن توحي بالقرارات الصعبة بشأن جميع القضايا الدولية، وفق ما اعترف به المحلل الاقتصادي والسياسي جيفري ساش من جامعة كولومبيا في صحيفة ldquo;الفاينشال تايمزrdquo;، قائلاً: ldquo;خلال 33 سنة كانت واشنطن هي التي توحي بكل قرارات مجموعة الدول الصناعية، لكن الوضع تغير الآنrdquo;.

ويبدو أن هذا العجز عن ممارسة دور الامبراطورية قد تجلى في ثلاثة محاور ذات دلالة: محور اقتصادي نموذجه تحولات مجموعة الدول الصناعية ومجموعة العشرين، محور سياسي، نموذجه إيران وأفغانستان، وتحول رمزي لكنه بالغ الدلالة تمثل في الرياضة.

ففي الأول لم تعد مجموعة الدول الصناعية السبع أو الثماني (إذا ما ضمت إليها روسيا) المجموعة الوحيدة التي تتحكم بمصير العالم، إذ برز على الساحة الدولية مصطلحان جديدان: مجموعة العشرين، ومجموعة ldquo;البريكrdquo;، وذلك ما تبلور في قمة بتسبرغ الأخيرة في سبتمبر/ أيلول الفائت، ما جعل معلقاً أمريكياً يقول: ldquo;ليست مجموعة العشرين بديلاً عن مجموعة الثماني بل عن القوة الأولى فيها أي الولايات المتحدةrdquo;. وكان هذا المعلق نفسه وهو الاقتصادي المشرف على ldquo;غولدمان ساكسrdquo; هو من ابتكر مصطلح ldquo;بريكrdquo;، إشارة إلى تجمع: البرازيل، روسيا، الهند والصين.

هذا التجمع الجديد الذي يمثل 34% من سكان العالم وسيمثل 33% من الدخل العالمي الصافي عام ،2015 تبلور في لقاء ليكتنمبورغ في يونيو/ حزيران الفائت، وإن فضلت الدول الأربع العمل بشيء من التحفظ في الوقت الحالي، إلا أنها ناقشت بوضوح مسألتين خطيرتين، الأولى تتعلق بإصلاح صندوق النقد الدولي والثانية بالدولار.

مسألة الدولار، هي أخطر ما يهدد الهيمنة الأمريكية، لا لأنه رمزها فحسب، بل لأنه أيضاً وسيلتها للسيطرة. وتؤكد التقارير الإعلامية أن منافسي الولايات المتحدة قد عقدوا جتماعات سرية لمناقشة تحديد دور الدولار، ولتبني مبدأ سلة العملات التي من شأنها إذا أقرت أن تسرع من تراجع الولايات المتحدة.

في المحور الثاني، أي السياسي، يبرز موضوع الملف النووي الإيراني، حيث لم يقابل التراجع الأمريكي في موضوع نشر الصواريخ بتراجع روسي في شأن طهران، إلا بالقدر الذي أرادته موسكو وفق رؤاها ومصالحها هي. ومثلها كان حال الصين. زيارة هيلاري كلينتون إلى موسكو في 13 اكتوبر/ تشرين الأول انتهت بتصريح لافروف، ومن ثم بوتين بأن رفع مستوى العقوبات مسألة سابقة لأوانها.

وزيارة محمد رضا رحيمي إلى بكين انتهت بتصريح وين جياباو رئيس الوزراء الصيني بأن العلاقات الصينية الإيرانية تشهد تطوراً مطرداً، في حين ترمي واشنطن بثقلها لدفع بكين لتحديد هذه العلاقات. أما في ملف أفغانستان فقد فشلت الإدارة الأمريكية في الحصول على موافقة الدول الأوروبية على إرسال تعزيزات عسكرية إلى سقف العالم، حيث صرح غوردن براون بأنه لن يرسل ال 500 جندي إلا بعد موافقة الدول الأوروبية الأخرى على إرسال قواتها، فيما لم يرسل الفرنسيون إلا قوة رمزية من رجال الأمن وليس من الجيش.

وأخيراً، إشارة أخرى جاءت من جهة رمزية غير سياسية: الرياضة، حيث فشلت الجهود الأمريكية لجعل لجنة الألعاب الأولمبية تتبنى ترشيح شيكاغو لدورة عام ،2016 رغم أن الرئيس الأمريكي ذهب شخصياً إلى كوبنهاغن لتعزيز هذا الترشيح. ولم تقتصر المفاجأة على اختيار ريو دي جانيرو لاستضافة الدورة كي تكون أول عاصمة أمريكية جنوبية تستضيف الأولمبياد، بل تعدت إلى استبعاد شيكاغو منذ الجولة الأولى للاقتراع.

مؤشرات، قد تكون فعلاً ذات دلالة كبرى على الصيرورة التاريخية للامبراطورية، وبذلك لن تشذ الولايات المتحدة عن منطق التاريخ الذي انتهى بكل الامبراطوريات السابقة إلى الانحسار إلى حجمها الطبيعي، وهذا لا يعني محوها عن خريطة التأثير بل عن عرش الاستفراد. ويعني أيضاً أن نظاماً دولياً جديداً آخذ في التبلور، ولن يتأخر أكثر من عشر أو خمس عشرة سنة، ما هي إلا لحظة في عمر الأمم.

لم يكن لنا مكان في النظام الدولي الحالي بعذر أنه أحادي فأين سيكون موقعنا في النظام التعددي القادم؟