سلام خياط

بحثت في المكتبات القريبة التي تتعاطى بيع الكتب العربية عن كتاب عنوانه (قراءة في دفاتر مهجورة)، ورديفه (أوراق لم تقرأ) للدكتور راشد المبارك، فما وجدت على الرفوف إلا كتب الطبخ وتفسير الأحلام وفضائح الساسة وأهل الفن.
لم يسبق لي، لقصور مني- ربما- أو لعجز أو كسل، أن قرأت للرجل أو سمعت باسمه، رغم ما يمر أمامي يوميا من أسماء وآراء تغص بها المساحات الإلكترونية، وتعج بإطلالتهم الفضائيات. بـ laquo;لتّ وعجنraquo;، وجعجعة دون طحين. لكن مقابلة في موقع إيلاف أجراها فتح الرحمن يوسف، مع المبارك، تستحق الاحترام وتسترعي الانتباه.
يتناهى حديث، المبارك، المنشور، كما الهمس. لا صراخ لا تهويل لا تهوين لا ادّعاء، بل حجة بقرع حجة، بدحض وإثبات. يستفزك في المقابلة عنوانها (قِفا نبك)، كما استهلالها: (خلو الموروث العربي الإسلامي من كلمة فكر). إذ إن الفكر من حيث هو نشاط عقلي لم يحظ بالاهتمام أو التوجه إليه كما ينبغي، لقد أطلق الإعلام كثيرا من الصفات مثل الفقيه والمحدث والطبيب والشاعر والأديب والحافظ، ولم يطلق لقب مفكر على واحد من أولئك الأعلام. صناعة الكلام شغلتهم وصرفتهم عن كثير مما هو أهم. ولقد ألّفت كتبٌ كثيرة عرفت باسم كتب الطبقات، فهناك طبقة الفقهاء وطبقة المحدثين وطبقة الشعراء، بل لقد ألف في طبقة ذوي العاهات، ولم يعرف مؤلَّف (بفتح اللام) واحد عن طبقات المفكرين. بل إن من اشتغل ببعض جوانب الفكر كالفلسفة والعلوم الطبيعية لم يكونوا موضع احتفاء وتقدير، فجابر بن حيان- وهو من هو في مكانتهndash; مات في سجن العباسيين، والكندي مات معتزلا الناس، وابن الهيثم كان يكسب قوته من نسخ الكتب، ولم يكن حال أبي بكر بن الطفيل وأبي الوليد ابن رشد يختلف عن ذلك كثيرا، أما نهاية لسان الدين ابن الخطيب فقد كانت مأساة.
بقينا قرونا نردد (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) وأخواتها، وكأن ما اكتشفه نقادنا الأقدمون من تلك المعجزة البلاغية في قول امرئ القيس، فقد وقف واستوقف، وبكى وأبكى، وذكر الحبيب والأطلال في نصف بيت، وكأنه اكتشف في قوانينهم قانونا من قوانين الكون الكبرى.
في لفتة لاستشراف المستقبل، يسأله المحرر: نشرتم في مجلة العربي الكويتية قبل 25 عاما أو أكثر مقالا توقعتم فيه سقوط المذهب الماركسي، وأعدتم نشر ذلك في كتاب laquo;أوراق لم تقرأraquo;، وقد صدقت نظرتكم وسقط النظام الماركسي في مركز منشئه بعد نشر المقال بأعوام.. يجيب: ليس ذلك رجما بالغيب، النظرية الماركسية مخالفة لطبيعة البشر، لأن ما جبل عليه الإنسان أن يحب النفع لنفسه وأن يؤثرها بما يحب، وليس ذلك بمستغرب أو سيئ، لكن السيئ أن تسلك النفوس كل الطرق ولو كان ثمة ضرر بالآخرين.
المقابلة ثرية بالإشارات، التي اختزلتها لضرورات مساحة النشر، المفارقة اللافتة للنظر، أن الردود والتعليقات على الفضائح وأخبار أهل الفن تتجاوز العشرات، بينما الردود والتعليقات على هذه المقابلة لم تتجاوز ردّين اثنين، توقع لها أحدهم أن تكون أقل الموضوعات قراءة وتعليقا، والسبب تفكير المتلقي الذي يبحث عن أي موضوع فئوي، طائفي، فضائحي، إثارة، ليعرج المعلق بعدها بمرارة على خيبات الأمة، حيث لم يشر تقرير تصنيف أفضل الجامعات في العالم، ولو إلى جامعة واحدة في الوطن العربي (خمس من جامعات إسرائيل حصلت على مراتب متقدمة). لا مصر أم الدنيا، لا العراق بلد الرافدين، لا السعودية حاضنة الحرمين الشريفين، ولا.. ولا.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.