شتيوي الغيثي

جاء مؤتمر الأدباء السعوديين الثالث، الأسبوع الماضي في العاصمة الرياض، ليطرح العديد من أوراق العمل النقدية مما جعل غالبية المثقفين والأدباء الذين حضروا المؤتمر لهم تحفظ على كونه مؤتمراً كان من المفترض أن يطرح قضايا أدبية أو قضايا تتصل بأشخاص الأدباء مباشرة، وفضل البعض تسميته ملتقى أكثر من تسميته مؤتمراً؛ لكن تم تدارك ذلك من خلال التوصيات إذ كانت جيدة إلى حد ما، وإلى هذه اللحظة لا أعرف على أي أساس تم العمل على التوصيات لأنه لا توجد أي ورقة واحدة ناقشت قضية محددة، وإنما هي أوراق نقدية كان من المفترض أنها فعاليات هامشية أو مصاحبة، ويتم التركيز على ورش عمل في قضايا محددة، الأمر الذي لم يكن في المؤتمر، لكن يبقى هذا المؤتمر وبشكل عام جيداً جدا وأعطى فرصة للالتقاء بالمثقفين والأدباء بعد سنوات من الانقطاع دامت أكثر من عقد كامل.
ورغم العدد الهائل من أوراق العمل والمرهق أحيانا خلال أقل من ثلاثة أيام إلا أن ورقة الأستاذة سهيلة زين العابدين كانت الأكثر نجومية والأكثر إثارة من بين كل تلك الأوراق حتى أصبحت حديث المؤتمر، ليس لأنها ورقة جاءت بما لم يأت به الأوائل أو من جودة في الورقة لم ترق إليها بقية الأوراق المقدمة؛ بل العكس تماماً إذ كانت الورقة عبارة عن محاكمة أدبية دينية لروايات رجاء عالم. فضلا عن أن الأستاذة سهيلة زين العابدين كانت متوترة في طرحها للورقة مما حولها إلى خطبة أكثر منها ورقة نقدية مقدمة في مؤتمر للأدباء.
وبحسب عنوان البحث فإن الورقة كان من المفترض أن تشتغل على مسألة quot;توظيف الأسطورة في الرواية والقصة السعوديةquot; جاعلة من روايات رجاء عالم أنموذجا لذلك. والاشتغال على الترميز الأدبي في الأسطورة هو اشتغال في منطقة التأويل، والقراءة الهرمنيوطيقية للرمز أو الأسطورة سواء على مستوى السرديات الكبرى أو على مستوى السرد الأدبي الإبداعي؛ إلا أن الأستاذة سهيلة نحت عن هذه القراءة إلى مناطق بحثية تقليدية لا تضيف جديداً بقدر ما أعادت معركة قديمة ومتجددة بين الحداثة والتقليد؛ إذ لا يخرج البحث عن كونه قراءة في نصوص رجاء عالم قراءة تأخذ بالرمز المباشر دون أبعاده الدلالية مخضعة كل تلك النصوص إلى منهجية التصور الإسلامي حسب رؤية الأستاذة سهيلة. إذ ترى في روايات رجاء عالم خاصة في روايتي quot;الأصلةquot; وquot;طريق الحريرquot; اعتمادها على quot;الواقعية السحرية مطعمة بالحلولية وتناسخ الأرواحquot; حسب نص بحثها. وهي حسب ما تعتقد لا تشكك بسلامة معتقد الروائية رجاء عالم quot;لكن موهبتها الأدبية جعلت خيالها وفكرها يندفعان تحت تأثير الواقعية السحرية وإعجابها بابن الطفيل وابن الفارض والسهروردي والحلاج جعلها تتبنى الحلول والتناسخ في الأصلة وطريق الحريرquot; ص 10، من البحث المطبوع في المؤتمر.
وبعيداً عن إشكالية قراءة الأستاذة سهيلة زين العابدين لروايات رجاء عالم المذكورة، وطريقة تناولها النقدي لها من خلال إخضاعها لمفهوم التصور الإسلامي للأدب، فإنها، شعرت بذلك أم لم تشعر تعيد فتح الملف القديم حول إشكالية الأدب والإسلامية أو مفهوم التصور الإسلامي نفسه للأدب مما طرح ما سمي بالأدب الإسلامي، وهو الأدب الخاضع في شكل من أشكاله للرؤية التقليدية تجاه الأدب في مجمله، ومحاولة طرح البديل الإسلامي ونقد ما سواه على اعتبار ما سواه ليس أدباً إسلامياً، وهي نظرة اختزالية للأدب بحيث يتم طرح مفهوم الأدب تحت ثنائية الحلال والحرام، أو ثنائية الإيمان والكفر في حين أن الأدب بمجمله يتمرد على تلك الثنائية ليطرح إشكالياته الخاصة ولطرح تكويناته الخاصة والتي ربما كانت تكوينات ثقافية بديلة تسير في التوازي مع التكوينات الدينية ذاتها، وربما كانت بديلاً عنها في بعض الثقافات أو الفلسفات.
إن الفن والإبداع بشكل عام انزياح عن السائد، وحينما يخضع الأدب إلى المفاهيم السائدة للمجتمعات، فإنها تخرج عن كونها إبداعاً إلى أي شيء آخر. وهذا غائب عن الكثيرين في تعاطيهم النقدي للأدب، ومفهوم الأدب الإسلامي يأتي ليكرس التصورات التقليدية للأدب ذاته وللمجتمع ويكبل انطلاقة الإبداع، والفنون تزدهر أكثر ما تزدهر في المجتمعات التي تطلق العنان لحرية التعبير والفن، وانهيار أي حضارة بداية هو في انهيار فنونها كما يؤكد ابن خلدون، وهنا يأتي الأدب الإسلامي ليؤكد على انهيار الحضارة الإسلامية من خلال طرحه لبعض التصورات عن الأدب والفن والحياة بعمومها.
لقد ظهر مصطلح الأدب الإسلامي مع ظهور الحركات الإسلامية إذ لم يكن موجوداً قبل ظهورها، خاصة مع ظهور التيار القطبي في الأحزاب الإسلامية، فمن المعروف أن سيد قطب ومحمد قطب هما من أصَّلا ابتداء لمنهجية الأدب الإسلامي في العالم العربي، وسار من بعدهم الآخرون، والقراءة التاريخية لأي حدث سواء كان سياسيا أو اجتماعياً، أو حتى فنياً وأدبياً لابد أن توضع في سياقاته التاريخية. نحن نستطيع أن نفهم المتنبي أكثر حينما نموضع نتاجه الإبداعي أكثر وفق سياق العصر الذي أنتج فيه كل قصائده العظيمة، فالسياقات التاريخية والثقافية تعطينا رؤية كلية لقراءة الأدب قراءة سليمة. وهنا لابد من قراءة الأدب الإسلامي في هذا السياق، أعني سياق هيمنة الخطابات الدينية والحركية على الثقافة المحلية أو العربية.
إن أول ما يؤخذ على منهجية التصور الإسلامي للأدب أنه ينفي صفة الإسلامية عن غيره من الأدب، وهذا فيه نوع من التكفير المبطن، أو الرؤية الانحيازية ضد الحرية التعبيرية، وإخضاع الفن للأيديولوجيا، كما كان إخضاع الأدب للأيديولوجيات الاشتراكية سابقاً، حتى إذا انهارت الأيديولوجيا تنهار فنونها معها، في حين أن من أهم صفات الفن أو الأدب البقاء والاستمرارية والحرية، وهذا ربما يعطينا إجابة بسيطة وأولية عن تراجع الفن في العالم العربي عموماً وتراجعه المحلي، إذ لا نكاد نرى شعراء بحجم شعراء حداثة الثمانينات. وحينما تخرج روائية كرجاء عالم التي استطاعت اختراق الحدود المحلية في أدبها، تجابه بنقد الخطاب الديني المحلي، وتخضع رواياتها اعتباطاً لمفهوم قاصر في الأدب، هو مفهوم التصور الإسلامي للأدب.