جميل مطر

قضينا أياماً نقرأ عن الإبادة وجرائم الحرب وذهبنا في الحكم على الأمور مذاهب شتى، وإن ذهب أكثرنا مع ما ذهب إليه حكماء الغرب وحكامه. وكان الجدل الدائر والأحكام القاسية فرصة لإجراء مقارنة أو أكثر باستلهام الأحداث العظمى في التاريخ. عدت أقرأ في تفاصيل الأيام الأخيرة من حكم إمبراطورية المغول الإسلامية في الهند وصعود حكم الإمبراطورية البريطانية. قرأت تفاصيل إحدى أهم وأعمق تجربة من تجارب حوار الحضارات وهي التجربة التي وقعت في أعقابها مباشرة جريمة من أعنف جرائم صدام الحضارات وأشدها شراسة.

لم أعرف صديقاً ذهب إلى الهند ولم يعد منبهراً بمعالم حضارة في المعمار والفنون والآداب ازدهرت في الهند وخلفت آثارا مبهرة، وكلها، وأكاد أقول إن أغلب هذه الآثار، بل كلها دون استثناء، ما زالت، بجمالها وروعتها وتنوعها، تعكس حالة عشق بين ثقافتين، الثقافة الهندوكية والثقافة الإسلامية، وكان أعظم من جسد هذه الحالة، فكرا ووثائق، آخر أباطرة الإمبراطورية المغولية بهادور شاه الثاني، المعروف باسم الإمبراطور ظفر، سليل جنكيز خان وتيمور لنك (1336 1405)، وسليل ظاهر الدين بابور الأمير التركي الشاعر الذي عبر ممر خيبر في عام 1526 إلى الهند، وأنشأ إمارة إسلامية في إحدى بقاع الهند توسعت في ظل حفيده الإمبراطور ldquo;أكبرrdquo; حتى غطت معظم أنحاء القارة الهندية.

كانت هذه الفترة فترة المغول العصر الذهبي للهند، حسب نص كلمات الكاتب البريطاني الشهير وليام دالريميل، الذي قال إن المغول في ذلك العصر ldquo;قدموا وجسدوا في نظامهم الحضارة الإسلامية في أبدع وأجمل حالاتهاrdquo;، حكموا الهند مشاركة مع الأغلبية الهندوكية وشجعوا على ازدهار الأفكار والآداب القديمة. وفي الوقت الذي كانت فيه روما تنفذ حكم الإعدام حرقا في جوردانو برونو بتهمة الخروج على تعاليم الكنيسة، كان الإمبراطور المغولي ldquo;أكبرrdquo; يعقد ندوات يومية لحوار الأديان في قصره. ولم يكن الإمبراطور أكبر وحيداً في هذا الشأن بين أجداده وأبنائه وأحفاده، حكموا جميعاً الهند على هذا المنوال باستثناء الإمبراطور أورانجزيب (1658 1707)، وكان متعصباً شديد التطرف إلى درجة أنه حرم على شعوب الهند الاستماع إلى الموسيقا وشرب النبيذ والاحتفال بأعياد معينة والامتناع عن ممارسة ألعاب التسلية وتمضية الوقت، فكان أن نشطت جماعات اعتدت على معابد الهندوكيين ودمرت بالفعل العديد منها وانتشر العنف. وعندما مات أورانجزيب كانت الهند قد انقسمت على نفسها وكاد عقد الإمبراطورية المغولية ينفرط.

وفي عهد ظفر الذي بدأ في عام ،1837 كانت الهند مازالت ممزقة. ومع ذلك بلغت الثقافة أوجها وكانت القلعة الحمراء حيث يوجد مقر الإمبراطورية وهي إحدى العلامات البارزة في دلهي إلى يومنا هذا تشهد يومياً أنشطة ومهرجانات ثقافية متعددة. في ذلك الحين كانت شركة الهند الشرقية التي أسسها قبل قرون تجار بريطانيون تحتفظ بقواعد عسكرية قليلة العدد على بعض سواحل الهند وكان مدنيون إنجليز يعيشون آمنين في دلهي وضواحيها.

وتوسعت تدريجياً أنشطة الشركة وازدادت نفوذاً وسلطة وجشعاً وصارت تحلم بالسيطرة على مقر الإمبراطورية المغولية في دلهي حيث كان يقيم الإمبراطور فتهيمن سياسياً كما هيمنت اقتصادياً. كان ظفر في نظر الهنود الإمبراطور الأكثر شعبية وتسامحاً وموهبة بين أسلافه. كان بارعاً في فنون الخط العربي، وكاتباً متعمقاً في شؤون الصوفية، ودارساً ومشجعاً لفن رسم التمائم، وخبيراً في هندسة الحدائق والهندسة المعمارية، وكان شاعراً جاداً ينظم الشعر باللغات الأوروبية والفارسية والبنجابية ولغات محلية أخرى، وكان فارساً ومبارزاً، كل هذه الصفات وغيرها كانت معروفة للخاصة والعامة في كل أنحاء الهند، وبالمقارنة ظهر البريطانيون أمام الهنود ldquo;أجلاف، ماديون، وغير متحضرينrdquo;، حسب التعبيرات التي استخدمها الكاتب البريطاني مؤلف كتاب ldquo;آخر المغولrdquo;.

دأبت شركة الهند الشرقية على الفصل بين التجارة والدين، على عكس ما فعلت شركات أوروبية أخرى كانت تعمل في جنوب وشرق آسيا. إلى أن وصل إلى دلهي في عام 1852 قس إنجليزي وكان رجلا شديد التعصب، ولم يرتح بعض المسؤولين في الشركة لوجود القس، بسبب ما أثاره من غضب في جموع الهندوكيين والمسلمين. وبالفعل وصل التوتر إلى الجنود الهنود العاملين في الشركة وعددهم يتجاوز 139 ألف جندي فتمردوا فيما عرف بانتفاضة ldquo;السيبويrdquo;. وكتبت وقتها صحيفة ldquo;أوردو دلهيrdquo; الناطقة بالأوردية أن الانتفاضة جاءت كرد فعل ldquo;إلهيrdquo; ضد الكفار الذين يريدون محو جميع ديانات الهند. وقعت الانتفاضة في عام 1857 واشتعلت بالفعل حرب دينية ودعا المتمردون الإمبراطور ظفر لقيادة التمرد. وكان للإمبراطور المغولي كما ذكرت مكانة خاصة لدى شعوب الهند، تكشف عنها الألقاب التي كان يحملها، كان يلقب بصاحب السمو المقدس، وخليفة العصر، والمحاط بالملائكة، وظل الله، وملجأ الإسلام، وملك الملوك الأعظم، إلا أن استجابته للدعوة رغم معارضه ldquo;زينات محلrdquo; أقرب زوجاته إلى قلبه كانت الحجة التي استخدمتها القوات البريطانية لتدمير دلهي العاصمة والقضاء على حكم المغول وإشعال أزمة كانت بين أخطر ما واجهته الإمبراطورية البريطانية من أزمات في القرن التاسع عشر.

تصاعد العنف وحاول المتمردون وأهل المدينة الانتقام بحرق بيوت البريطانيين ثم وصل ldquo;الجهاديونrdquo; من خارج العاصمة ونشبت فتنة بين المسلمين والهندوس واستمر الإمبراطور يدعو إلى الوئام بين الأديان، الأمر الذي أثار انتقادات شديدة في صفوف الجهاديين متهمين إياه بالتعاطف مع أعداء الإسلام. وتؤكد الوثائق المنشورة أن الاستخبارات الامبريالية لعبت الدور الأهم في نشر الوقيعة، وأثارت الفتن وروجت الشائعات حول خيانة زينات محل للجماهير وبخاصة لجموع المسلمين. من ناحية أخرى، تمادى الجنود البريطانيون في استخدام العنف وتجلت كراهيتهم للهنود وبخاصة الكراهية التي كان يكنها للهند وشعوبها البريجادير جون نيكولسون قائد القوات الذي كان يكره الهنود بأشد مما كان يكره الأفغان. وكان حظه العاثر قاده إلى الوقوع في أسرهم خلال حرب الأفغان العظمى في 1842. وينقل المؤرخون عن نيكولسون وصفه للهنود بأنهم ldquo;العرق الأشد شراً وتعطشاً للدماء على وجه الأرضrdquo;. وعندما سئل عن سبب وجوده في الهند على الرغم من كراهيته لها كان يقول، إنه ldquo;موحى إليه بنشر المسيحية في ربوع هذه الأرض المتوحشةrdquo;.

وينقل مؤلف الكتاب عن مراقب عاش تلك الفترة قوله، إن نيكولسون كان يجسد في شخصه وأسلوبه العنف في أبشع صوره. وفي الرابع من سبتمبر/ أيلول قاد قواته البريطانية، مع جنود من البنجاب بعضهم من طائفة السيخ وبعض آخر من المسلمين وجنود من الهندوكيين وزحف بهم في اتجاه العاصمة وفرض الحصار عليها قبل أن يسلط قنابل المدافع ليهدم أسوارها التاريخية. وفي اليوم التالي اقتحم الجنود القلعة الحمراء مقر الإمبراطور وعاثوا فيها فساداً.

يقول الكاتب: ldquo;كان انتقام البريطانيين من التمرد من دون تمييز وكان رهيباً. فقد انطلق ضباط وجنود ومدنيون إنجليز يشنون عمليات قتل جماعي ويقيمون المشانق في كل أنحاء المدينة والقرى المجاورة. كانت الجثث في كل مكانrdquo;، وينقل المؤلف عن اللورد كاننج الحاكم العام أنه أبلغ الملكة فيكتوريا في لندن ما نصه ldquo;تجري الآن عمليات انتقامية بشعة ووحشيةrdquo;، وأصدر أوامر جديدة بأن يتولى تنفيذ عمليات الانتقام والاستيلاء على الغنائم المسؤولون البريطانيون أنفسهم. في لندن طلب عدد من أعضاء مجلس اللوردات بدعم من اللورد بالمرستون رئيس الوزراء أن تقوم الحكومة ب ldquo;محو مدينة دلهي من الوجودrdquo;.

كان منطقياً والأمور أخذت هذا المنحى، أن تحاول شركة الهند الشرقية التحلل من تبعيتها للإمبراطور ظفر باعتباره الجهة الوحيدة التي تمتلك الحق في تجديد امتياز الشركة أو إنهائه وطردها من الهند. وبالتواطؤ مع حكومة لندن حيكت ldquo;المؤامرةrdquo; على الوجه التالي، تقترح الشركة على الحكومة البريطانية تقديم الإمبراطور لمحاكمة عسكرية وتعيين الماجور هاريوت المعروف بكراهيته الشديدة للهنود والشعوب الملونة عموماً مدعياً عاماً. وكان هاريوت قد قام قبل تعيينه وتشكيل المحكمة بإعدام معظم أفراد عائلة الإمبراطور من الذكور. وجاء في مذكرة الادعاء اتهامات كان أهمها الاتهامان التاليان:

1 لدى الإمبراطور ldquo;طموحات ملكية إسلامية متعصبةrdquo;.

2 يترأس الإمبراطور ldquo;مؤامرة إسلامية دولية تخطط لتخريب الإمبراطورية البريطانية وإقامة إمبراطورية مغولية محلهاrdquo;.

وبعد محاكمة صورية هزلية صدر الحكم بأنه مذنب في كل التهم الموجهة إليه وحكمت عليه المحكمة بأن يعيش بقية عمره في جزر اندامان أو أي مكان آخر يختاره الحاكم العام البريطاني، وبالفعل تقرر نقله مع اثنين من أبنائه بعد إعدام الثلاثة عشرة الآخرين إلى رانجون حيث وافته المنية في عام 1862. وبعد فترة من دفنه اكتشفت عائلته وأتباعه اختفاء جثمانه، ولم يعثر على رفاته إلا في عام 1991 أي بعد حوالي مائة وثلاثين عاماً، بينما كان بعض عمال المجاري يحفرون في منطقة نائية صارت الآن مزاراً لكثير من المسلمين من جميع دول جنوب آسيا.

هكذا انتهت إمبراطورية المغول الإسلامية وبنهايتها انتهت مرحلة وئام نموذجي بين حضارتين من أهم حضارات العالم وأقدمها. وهكذا دخلت جيوش الإمبراطورية البريطانية دلهي بعد أن دمرتها وسوتها بالأرض وأبادت آلافا من سكانها، وأعدمت أفراد الطبقة الحاكمة فيها وبخاصة الذكور إمعانا في التأكيد على نهاية عصر وأسرة وحضارة وتجربة تسامح وتعايش بين مختلف الأديان والأعراق في الهند، وأعلنت دلهي الجديدة عاصمة لمستعمرة الهند أغلى جوهرة في التاج البريطاني.

ما أبعد الشبه بين البشير رئيس السودان وظفر آخر أباطرة المغول. وما أقرب الشبه بين البريجادير هاريوت المدعي العام الذي عينته حكومة بريطانيا العظمى ومورينو أوكامبو الذي عينته الأمم المتحدة.