محمد بن هويدن


تتزايد مؤخراً التحليلات حول إيران وتطلعاتها نحو التوغل بفكرها الشيعي في المنطقة العربية رابطة بين فكر إيران الأيديولوجي وسياستها الخارجية وكأن إيران بلد يحاول تشييع من حوله وتحويلهم من ملتهم السنية لملة أهل الشيعة.

وفي هذا الحديث مغالطة كبيرة، حيث ان الواضح من الممارسات السياسية الإيرانية بأن إيران بلد براجماتي وواقعي في توجهه الخارجي الذي تتحكم فيه الأسس التي تتحكم بالسياسة الخارجية لأية دولة أخرى في العالم وهي أسس المصلحة الوطنية أكثر من سيطرة أسس الأيديولوجية الفكرية. ويمكن أن نلحظ هذا التوجه في مجموعة من السياسات التي تتبناها إيران في توجهها الخارجي والتي يمكن أن نذكر منها بعض الشواهد.

أولاً لعلنا جميعاً نذكر أو سمعنا عن قضية إقليم ناجورنو كاراباخ المتنازع عليه بين أذربيجان المسلمة الشيعية وبين أرمينيا المسيحية وهو النزاع الذي مازال قائماً إلى يومنا هذا وأدى في فترة من الفترات إلى نزاع مسلح بين أذربيجان وأرمينيا اللتين تدعي كل منهما بأحقيتها في الإقليم. إيران المجاورة لكل من أذربيجان وأرمينيا آثرت دعم أرمينيا المسيحية ضد أذربيجان الشيعية في موقف أذهل الجميع لكنه وضعٌ اعتبره المحللون السياسيون أمراً طبيعياً لأن المحرك الأساسي للسياسة الخارجية الإيرانية في وجهة نظرهم هو المصلحة الوطنية أكثر من الفكر الأيديولوجي.

فمصلحة إيران الاقتصادية مع أرمينيا المسيحية التي تستورد النفط الإيراني أكبر من أذربيجان المسلمة الشيعية التي تنافس إيران كمصدر للنفط؛ كما أن التقارب الأذربيجاني مع تركيا والولايات المتحدة جعل إيران تميل نحو أرمينيا وروسيا المسيحيتين في النزاع حول الإقليم بدلاً من دعمها لأذربيجان الشيعية.

حتى حرب إيران مع العراق في الثمانينات والتي راح ضحيتها العدد الكبير من الشيعة على الجانب العراقي كانت حرب مصالح ولم تكن حرب عقائدية أو أيديولوجية. وعندما اجتاحت القوات الأميركية العراق في عام 2003 كانت إيران تنظر إلى الأمر على أنه مصلحة إيرانية حيث ان هذه القوات بإمكانها تخليص إيران من صدام حسين الذي كان ينظر إليه الإيرانيون على أنه عدو منافس لإيران ومصالحها في منطقة الخليج العربي.

وحتى بعد أن انتصرت القوات الأميركية في تحقيق هدفها من القضاء على حكم الرئيس العراقي صدام حسين لم تعمل إيران على توسيع النفوذ الشيعي في العراق بل عملت على تفتيت ذلك البلد وتمزيقه في صراعات داخلية بين شيعته وسنته بهدف تحقيق هدفها في إبقاء العراق بلد ضعيف وغير قادر على تشكيل تهديد لإيران ومصالحها في المنطقة. فدعمت إيران مختلف الفصائل المسلحة في العراق من شيعة وسنة، بل وتعاونت كما يقال مع حركة القاعدة السنية في التوجه من أجل تحقيق مصالحها في مواجهة الولايات المتحدة ودول في المنطقة كالسعودية.

وحتى دعمها لحركتي حماس والجهاد الإسلامي السنيتين في فلسطين لم يكن بهدف عقائدي بل من أجل تحقيق مصالح سياسية تتمثل في توسيع دائرة نفوذها في مناطق تعتبر مهمة وحساسة بالنسبة للولايات المتحدة كمنطقة الشرق الأوسط وبالتالي إبقاء مثل ذلك النفوذ كورقة ضغط في تعاملها مع أطراف مختلفة كالولايات المتحدة في سبيل تحقيق مصلحة إيرانية يراها النظام السياسي الحاكم فيها.

وحتى كذلك سعيها لامتلاك القدرة العسكرية النووية الذي وكما يراه المحللون السياسيون بأنه لا يأتي في إطار العمل على نشر فكرها العقائدي وإنما يأتي أساساً في إطار استراتيجيتها في حماية مصالحها الوطنية والتي على رأسها حماية النظام الإيراني من التهديدات الخارجية المتزايدة منذ مجيء الإسلاميين إلى الحكم منذ أواخر السبعينات.

أما عن التوسع العقائدي الشيعي فليس هناك من وضوح في سعي إيران لتوسيع نطاق فكرها الشيعي في مناطق أخرى خارج نطاقها الجغرافي ولاسيما في العالم العربي.

صحيح أن هناك تعاطفاً شعبياً عربياً مع إيران بسبب مواقفها الداعمة للفلسطينيين إلا أن هذا الدعم لا يتعدى كونه دعماً عاطفياً ولا يصل إلى كونه دعماً لفكرها الشيعي. وإن كانت هناك بعض المحاولات لتقرب إيران إلى المجموعات الشيعية في العالم فإن ذلك التقارب من المفترض أن يكون طبيعياً في سبيل دعم فكرها الشيعي في العالم تماماً كما تفعل المذاهب الدينية الأخرى.

إنها لعبة المصالح وتحقيق المكاسب في مقابل الأعداء وتحقيق التوازن في القوة هو ما يحرك السياسة الخارجية الإيرانية، وفي ذلك تعتبر إيران بلداً طبيعياً شأنه كشأن دول العالم الأخرى التي تعمل على تعزيز مكاسبها والتقليل من خسائرها في عالم أفقي يقوم على أساس المفهوم القائل laquo;اخدم نفسك بنفسكraquo;.

وها هي إيران تخدم نفسها بنفسها في عالم اليوم الذي تسعى من خلالها لتحقيق أكبر مكاسب لها والتقليل من خسائرها. فإذا كانت إيران تدعم حزب الله، وإذا كانت علاقتها مع مصر متوترة، وإذا كانت منتقدة بشكل لاذع لإسرائيل، وإذا كانت متوغلة في العالم العربي فإن ذلك مرده الأساسي السعي بجد واجتهاد نحو تحقيق المصلحة الإيرانية القائمة على تحقيق مكاسب أكبر لإيران في مواجهة خصومها في النظام الدولي وبالتالي فتح فرص الضغط في سبيل تغيير كيفية تعامل الآخرين مع إيران وبالتالي تحقيق ما تصبوا إليه سياسياً.