الحذر من الطوفان
محمد خالد
27/05/2009
الرغيف قمر الفقراء.. الدولار قمر الأغنياء
(.....)
أكبر حزب ثوري في التاريخ هو: الرغيف.
لقد كان غيابه عام 1789 في فرنسا مفجراً للثورة الفرنسية الكبرى ودفعت ملكة فرنسا ماري انطوانيت رأسها ثمناً لاقتراحها البائس بأن يأكل الشعب البسكويت بدلاً من الخبز. فالشيء المشترك بين جميع الفقراء في العالم هو أنهم يحاولون ملء بطونهم برغيف الخبز فإن لم يجدوه ملأوها بالثورة.
في العالم الثالث: تحترق الغابات، تغرق البواخر، تتصادم القطارات، تنهار البنايات على رؤوس ساكنيها، تجرف الفيضانات أراضيهم والبيوت، تأكل الزلازل مدخرات العمر.. الكوارث متعددة والبطل واحد: الفقراء.
* الرغيف بوصلة الثورات:
يأكل الغني متى أراد، ويأكل الفقير متى استطاع.
يقول ديغول: ldquo;لا تبحثوا عن أسباب الحرب في براميل البارود بل في اهراءات القمحrdquo;. هذه هي الكارثة في العالم الثالث، فاهراءات قمحها شبه خاوية، والقمح المستورد من الخارج يعطى بالقطارة ولمدة لا تزيد على 14 يوماً للبلد الواحد، فسلاح القمح أقوى من اسلحة الدمار. الأسوأ أن الولايات المتحدة وهي أكبر مصدر للقمح في العالم تبيع الدول قمحاً - معالجاً جينياً - بحيث يصلح للأكل فقط وليس للزراعة، وذلك ليظل البلد المستورد خاضعاً للبلد المصدّر.
يقول الإمام علي بن أبي طالب: ldquo;لو كان الفقر رجلاً لقتلتهrdquo;، ولكن ldquo;لو كان الفقر رجلاً لمات من الجوعrdquo;، كما يقول الصادق النيهوم لذلك يتكرر المشهد في جميع انحاء العالم: يموت الفقراء من الجوع ويموت الأغنياء من التخمة، فالفقر ليس رجلاً، إنه نظام اجتماعي.
الأمر الأدهى والأخطر في العالم الثالث هو وجود مافيات لتهريب القمح الفاسد الى داخل الوطن بسبب الفساد المستشري وبسبب نفوذهم القوي بحيث يشترون طن القمح الفاسد من الخارج ب50 دولاراً ويبيعونه داخل أوطانهم ب500 دولار للطن الواحد.
أما القمح النظيف الجيد ماركة ldquo;بيار كاردانrdquo; فهو حكر على الأغنياء وحدهم لأنهم القادرون على شرائه.
قبل 1500 سنة صاح الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري: ldquo;عجبت لجائع لا يخرج على الناس شاهراً سيفهrdquo;، وقال استتباعاً: ldquo;اذا توجه الفقر الى بلد، قال له الكفر: خذني معكrdquo;، إنه ldquo;ماركس القرن الخامسrdquo; قبل ldquo;ماركس القرن التاسع عشرrdquo;.
وكما يستريح الفلسطيني بين مذبحتين، تثور الشعوب بين رغيفين فاسدين، فحذار من الطوفان، فالنار تحت الرماد والفقراء لا يخسرون دائماً، إنهم يخسرون مؤقتاً كما فعلوا في فرنسا وروسيا القيصرية والصين.
* السودان.. السودان.. السودان:
قبل ثورة 23 يوليو 1952 كانت مصر تلد المحكومين وتستورد الحكام، فجاء جمال عبدالناصر من بني مُرة وطرح شعار: ldquo;الكرامة مع الخبزrdquo;، صرح بأن ما كان يؤرقه كل يوم هو كيفية تدبير 50 مليون رغيف كل يوم لشعب مصر وعندما بنى السد العالي لتوفير مياه الزراعة والكهرباء والصناعة قيل عنه بحق إنه ldquo;جعل النيل موظفاً مصرياً ثورياً غير بيروقراطي.. وفي زمنه تم تقرير المصير للسودان ليكون على أحسن العلاقات مع اخوانه هناكrdquo;.
إن التهديد السياسي ضد العالم الثالث بتقنين بيع القمح لهم من قبل المصدّر الأمريكي يجعل بوصلة الوطنيين العرب الأحرار وبلدان العالم الثالث تتجه الى السودان الذي يفتح أرضه وقلبه لكي يزرعوها قمحاً شريفاً ومباركاً ومحرراً.
السودان جنة الله البكر على الأرض فضعوا استثماراتكم فيها لكي تحرروا أمنكم الغذائي الى الأبد، فالرغيف السوداني سوف يجعلكم أحراراً، وكما يقول جان بول سارتر: ldquo;الحرية هي القدرة على ان تقول: لاrdquo;.
فلتتغير المعادلة الحالية الظالمة: ldquo;للأغنياء، قمح بيار كاردان، وللفقراء بسكويت ماري انطوانيتrdquo;.
رغيف واحد نظيف لكل الشعب ldquo;فقراء واغنياءrdquo;، ومشنقة واحدة لمهربي القمح الفاسد.
