17-06-2009
الوجه الآخر لإيران
حسن أبوطالب
اتصور أن الذين سارعوا بتهنئة إيران علي ما وصفوه بديموقراطيتها ونزاهة الانتخابات فيها والتي جرت يوم الجمعة الماضيrlm;,rlm; عليهم أن يعيدوا النظر في مثل هذا الحكم المتسرعrlm;,rlm; والذي لا توافق عليه جموع عريضة من الشعب الايراني نفسهrlm;.rlm; تلك التي خرجت في مظاهرات مليونية عارمة رافعة شعار فليسقط الديكتاتورrlm;,rlm; وتلك ليست انتخابات وانما اختيارrlm;,rlm; واوقفوا التزويرrlm;,rlm; فضلا عن مطالبات بإعادة الانتخابات والتشكيك في نتائجها المعلنة رسميا التي اكدت فوز الرئيس الحالي أحمدي نجاد بنسبة تفوقrlm;62rlm; في المائة من جملة الاصواتrlm;.rlm; وذلك عكس كل الشواهد التي رافقت الحملة الانتخابيةrlm;.rlm;
هذه الصدمة التي أصابت الشعب الايراني التواق الي التغيير وإلي مزيد من الانفتاح والحريات والتواصل مع العالم الخارجي سلمياrlm;,rlm; هي نفسها الصدمة التي شعر بها كثيرون في المنطقة وفي عدد من بلدان العالمrlm;,rlm; التي راهنت علي أن تكون الانتخابات الرئاسية الإيرانية خطوة مدعومة شعبيا نحو لغة إيرانية جديدة تراعي المتغيرات الدولية والإقليميةrlm;,rlm; يحملها رئيس جديد لا يطلب منه بالضرورة الانقلاب علي أسس الجمهورية الاسلاميةrlm;,rlm; فتلك مهمة عسيرة بل مستحيلةrlm;,rlm; بل فقط يأتي بلغة جديدة تستند إلي المصالح والرغبة في الحوار وتهدئة التوتر الغالب علي علاقات إيران مع معظم دول العالمrlm;,rlm; والتلاقي مع اتجاهات امريكية وإقليمية جديدة تريد لايران الاستقرار والتكيف مع العالم سلما وليس قسراrlm;.rlm;
صدمة الايرانيين الذين أعطوا أصواتهم لموسويrlm;,rlm; ثم فوجئوا بأنها ذهبت بغير حق إلي الرئيس نجادrlm;,rlm; هي التي تدفعهم إلي التظاهر والخروج بالآلاف في الشوارع والميادينrlm;,rlm; يحتجون ويطالبون بإلغاء نتائج الانتخابات المعلنةrlm;.rlm; والظاهر هنا أن الامر قد يأخذ كثيرا من الوقت حتي يمكن استيعاب تلك المطالب المشروعةrlm;.rlm;
أما صدمة العالم فهي مقيدةrlm;,rlm; فبالرغم من بعض التصريحات القوية لعدد من قادة أوروبا التي حملت نوعا من الاحتجاج علي طريقة التعامل القاسية مع المتظاهرينrlm;,rlm; فضلا عن مطالبات بإيضاحات عن حقيقة ما جريrlm;,rlm; وبضرورة أن تعكس الانتخابات إرادة الشعب الإيراني حسب قول بان كي مون سكرتير الأمم المتحدةrlm;,rlm; فإن قدرة هذه الاجراءات علي تغيير المسار الإيراني تبدو ضعيفةrlm;,rlm; وكل ما هنالك أنها تقدم نوعا من الدعم المعنوي للمتظاهرين الإيرانيين وتضفي علي سلوكهم قدرا من الشرعية العالميةrlm;,rlm; بغرض تشجيعهم علي مزيد من التعبير عن غضبهم ورفضهم نتائج الانتخابات المشكوك فيهاrlm;.rlm;
هذه الانتخابات إذن فتحت الباب أمام اكتشاف وجه آخر لإيرانrlm;,rlm; هو في الحقيقة كان معروفا جزئياrlm;,rlm; وبعض ما في هذا المعروف عكس تكهنات أو تمنياتrlm;.rlm; لكنه الآن بات وجها مكشوفا ومفصلاrlm;,rlm; ومن الصعب إخفاء ما فيه من تجاعيد ونتوءاتrlm;.rlm; أهم تلك النتوءات أن هناك انقساما حادا في داخل النظام نفسهrlm;,rlm; ليس بين إصلاحيين ومحافظينrlm;,rlm; بل حتي داخل المحافظين أنفسهمrlm;,rlm; فبعضهم يرون في لغة وسياسات الرئيس نجاد تجاوزا لا مبرر له في حق الكثير من ثوابت الثورة الاسلامية وتعاليم الإمام المؤسس لها أية الله الخومينيrlm;,rlm; ويعترضون علي ما سببه نجاد من إفقار للناس وتبديد للموارد المالية والاقتصاديةrlm;.rlm;
ولقد كشفت الانتخابات أن غلاة المحافظين المسيطرين علي النظام عبر مؤسساته المفصليةrlm;,rlm; كمجلس صيانة الدستور والمخابرات والحرس الثوري والباسيجrlm;,rlm; ناهيك بالطبع عن المرشد الأعلي نفسه بكل ما لديه من صلاحيات غير مقيدةrlm;,rlm; يخافون من رياح التغيير والتطويرrlm;,rlm; ويخشون من أي حوار مع العالم الخارجيrlm;,rlm; لانه في عرفهم سيؤدي إلي بذر بذور ثورة سلمية داخليةrlm;,rlm; وصفها قائد الحرس الثوري بأنها مخملية ومحذرا منها في الآن نفسهrlm;,rlm; ستؤدي إلي الإطاحة بأسس النظام الحاكم وتغيير معالم الجمهورية الاسلاميةrlm;.rlm;
مكمن الخوف هنا هو في تقييد صلاحيات المرشد وضبط حركة مؤسسات القمعrlm;,rlm; بما سيؤدي حتما ولو بعد حين إلي تغيير حقيقي في معادلات القوي داخل النظام لمصلحة الأجيال الجديدة الأكثر قربا من متطلبات العصر والاكثر رغبة في التواصل الحر مع العالم الخارجيrlm;,rlm; والتي عبرت عن حيويتها عبر الاحتشاد وراء المرشح موسويrlm;,rlm; وخرجت معه ووراءهrlm;,rlm; وتبادلت مع حملته الاليكترونية صنوف التأييد بكل سلاسة وانطلاقrlm;.rlm; وكان واضحا أن هؤلاء الساعين الي التجديد وغالبيتهم العظمي من الشباب قد نزعوا عن أنفسهم غطاء الرهبة وتمسكوا بالمشاركة الفاعلة الايجابيةrlm;,rlm; سواء اثناء الحملة الانتخابية أو في يوم التصويت أو بعد إعلان النتائج المزورةrlm;,rlm; فرفضوها واحتجوا عليها رغم حظر التظاهرات والتهديد بقمعها بالقوة والقسوةrlm;.rlm;
من هنا كان واضحا ان هذه الانتخابات التي أظهرت حجم التأييد للمرشح موسوي رغم تواضع شعاراته في الانفتاح علي الآخر خارجياrlm;,rlm; والتزامه بأسس الدستور وولاية الفقيهrlm;,rlm; وبعدم إحداث تغييرات كبري في سياسات إيران الخارجيةrlm;,rlm; هي بمثابة معركة كسر عظمrlm;,rlm; ومعركة حياة أو موت لغلاة المحافظينrlm;,rlm; ومن ثم ونظرا لكونهم في السلطة فقد استباحوا كل الطرق في التأثير علي نتائج الانتخابات حتي قبل أن تتم في يومها المقررrlm;.rlm; فكانت التجاوزات التي كشفتها بالتفصيل رسالة المرشح موسوي إلي المرشد الأعلي قبل يومين من إجراء الانتخاباتrlm;,rlm; من قبيل عدم حياد اعضاء مجلس الاوصياء في العاصمة وقيامهم بالتأييد الصريح للرئيس نجادrlm;,rlm; ورفض وزارة الداخلية قوائم المندوبين الذين عينهم موسوي لمراقبة أماكن الفرزrlm;,rlm; والتدخل المباشر من قادة الحرس الجمهوري والباسيج في العملية الانتخابيةrlm;,rlm; واختيار المشرفين في المراكز الانتخابية من انصار الرئيس نجادrlm;,rlm; واستغلال كافة موارد الحكومة في الدعاية للرئيس نجاد بالمخالفة للمادةrlm;69rlm; من القانون المنظم للانتخاباتrlm;.rlm; ثم جاءت الطامة الكبري وهي التزوير الواضح لإرادة الناخبين الايرانيينrlm;,rlm; فقد سرب موظفون في وزارة الداخلية أن موسوي قد حصل بالفعل عليrlm;21rlm; مليون صوت من إجماليrlm;36rlm; مليون صوتrlm;,rlm; وأن عملية التزوير تمت عبر الحاسوب من خلال التلاعب في رصد الاصواتrlm;,rlm; مما نتج عنه مفارقات لا يمكن تصديقهاrlm;,rlm; من قبل ان يصوتrlm;830rlm; من اجماليrlm;900rlm; في دائرة مسقط رأس محسن رضائي لصالح الرئيس نجادrlm;,rlm; وهم كلهم من عشيرة رضائيrlm;.rlm; والامر نفسه بالنسبة للدوائر التي ينحدر منها موسوي ومهدي كروبيrlm;.rlm;
هكذا كان التزوير بالنسبة للمحافظين مسألة مصيريةrlm;,rlm; فالسماح لفوز المرشح الاصلاحي كان يعني لهم بداية دورة قد تقود لاحقا إلي تغيير اسس النظامrlm;,rlm; وقد تؤدي إلي إعادة النظر في دور المرشد نفسه ووضعه تحت سقف الدستور وليس كما هو الحال الآن يمارس كافة الصلاحيات بلا مساءلة من أي نوع أو جهةrlm;.rlm; لقد سيطر الخوف علي المحافظينrlm;,rlm; فجاءت لعبتهم مكشوفة وبعيدة عن أي إدعاء بأنها تعكس قيما إسلاميةrlm;,rlm; او انها تعبر عن إرادة الناس الحرةrlm;.rlm;
هنا تبدو احتمالات نجاح قبول مجلس صيانة الدستور لاعتراض المرشح موسوي الذي يطالب بإلغاء النتائج وإعادة الانتخاباتrlm;,rlm; تبدو بعيدة للغايةrlm;,rlm; وموسوي نفسه عبر عن ذلكrlm;.rlm; والسبب واضح فنصف أعضاء المجلس يعينهم المرشدrlm;,rlm; والنصف الثاني يدينون بالولاء للمرشد إيضاrlm;,rlm; وبالتالي يصعب الخروج علي إرادته التي عبر عنها صراحة في دعم ومساندة الرئيس نجادrlm;,rlm; باعتباره الرئيس المخلص لسطوة المرشد بلا قيودrlm;,rlm; والحافظ لكرامة البلاد في وجه أعدائهاrlm;.rlm;
بيد أن الرسالة التي يحملها المتظاهرون لن تغيب عن الاذهانrlm;,rlm; فشرعية الرئيس نجاد باتت منقوصة حتي لو استمر في موقعه للسنوات الخمس المقبلةrlm;.rlm; صحيح هناك قطاع كبير يؤيدونهrlm;,rlm; من البسطاء والفقراء في الريف والمناطق المهشمة والذين وعدهم بالمزيد من القروض والمساعدات ونصيب من أموال النفطrlm;.rlm; لكن الصحيح أيضا أن هناك نسبة كبيرة من الشعب لم تنتخبه وتم تزوير إرادتهاrlm;,rlm; وهو ما يجرح شرعية رئاسته الثانيةrlm;,rlm; ويفقده التأييد الشعبي المناسبrlm;,rlm; وينزع الشرعية الشعبية عن سياساته داخليا وخارجياrlm;.rlm; أما إذا حدث ما هو غير متوقعrlm;,rlm; كأن يقر مجلس صيانة الدستور بمخالفات جسيمة في الانتخابات وفي النتائجrlm;,rlm; ويسمح بإعادتهاrlm;,rlm; فستدخل إيران مرحلة جديدةrlm;,rlm; ربما تكون اقل قتامة مما هي عليه الآنrlm;,rlm; بشرط ان تجري انتخابات حرة بلا تدخلاتrlm;,rlm; ويفوز فيها من يؤيده الشعب عن حقrlm;.rlm;
