يمكن عزل الأخير عبرأهل الحل والعقد
القاهرة - أحمد فوزي
يتعجب د. عصمت نصار (أستاذ الفلسفة الإسلامية والفكر العربي) من استيرادنا نظماً تختلف عن الدين الإسلامي الذي يحتوي على العدل والمساواة والحرية والتكافل، وهي مبادئ بنيت عليها الديمقراطية، فالإسلام، حسب رأيه، انفرد عن ديمقراطيات العالم بإرساء مبدأ المساواة بمعناها الشامل بغض النظر عن العرق والجنس والدين.
ويرى نصار أن المجتمع الإسلامي لا يتمتع راهناً بأخلاقيات أو وعي، فكيف يمكننا أن نبحث عن ديمقراطية وسط مجتمع جاهل منعدم الأخلاق والقيم؟ مؤكداً أن الحل يكمن في العودة إلى الدين. كذلك يؤكد نصار ألا ديمقراطية في الدول الإسلامية لأن الأخيرة أخذت ظاهر النظم الغربية وتجاهلت جوهر الشريعة الإسلامية فصارت لا إسلامية ولا غربية.
ماذا تعني الديمقراطية من وجهة النظر الإسلامية؟
الديمقراطية كمصطلح وكفكر غريبة على الثقافة العربية ndash; الإسلامية، فلا يمكننا أن نقول ديمقراطية في الإسلام أو ديمقراطية إسلامية. إذا أردنا التعبير عن موقف الفكر الإسلامي من مصطلح مغاير ألا وهو الديمقراطية نتعرض للمضمون وليس اللفظ أو المصطلح، فإذا كان مضمون الديمقراطية حكم الأمة أو حكم الشعب فالإسلام يؤيده، لا يتعرّض للمصطلح لأن لكل مصطلح خصوصية ثقافية تعبر عن ثوابت ومتغيرات خاصة بحقبة زمنية ما. على ذلك إذا كانت الديمقراطية تحمل بين طياتها مفاهيم العدالة والمساواة والحرية والتضامن، فكل هذه المعاني يقبلها الإسلام، لكن من منظوره الخاص لأنه يتكئ على ثابت عقائدي. عموماً، الخطاب الإسلامي إنساني بكل معاني الإنسانية، لكن مصدره إلهي.
هل الديمقراطية نموذج جاهز؟
لا يتوافر مفهوم واحد للديمقراطية، فالإسلامية منها إذا جاز التعبير تختلف عن تلك الأميركية، والأخيرة تختلف عن الديمقراطية الليبرالية وعن الديمقراطية من المنظور الشيوعي والاشتراكي. ثمة في الإسلام ما يوازن بين مضامين هذه الديمقراطيات، فالفكر الإسلامي وضع لك حقوقاً أولها حرية المرء ومسؤوليته، ثم المساواة بغض النظر عن العرق والجنس والدين أو المستوى الاجتماعي. كذلك أرسى مبدأ الشورى أي النظر بالعقل الجمعي في أمور الحياة ومبادئ التضامن والتكاتف والتعاون والعقد الذي يجمع بين مصالح مرسلة والصالح العام والمنفعة الفردية من دون أن تتنازع المفاهيم مع بعضها.
ما هي الأسس الإسلامية التي تنطلق منها الديمقراطية؟
ثمة أربعة أسس للحكم أو التشريع أو السياسة في الإسلام، تتمثل في حرية المرء ومسؤوليته عن أفعاله والمساواة والعدالة ومبدأ الشورى بأشكاله كافة والتكاتف أو التكافل. يتفرّع من كل نقطة مبادئ عدة. تمنح حرية الرأي المرء قدرة على الاختيار والرفض والمعارضة، وفي الوقت نفسه تدافع عن حرية الأفراد وتراعي أيضاً الخصوصية العقدية التي تمنع المرء من الجنوح بهذه الحرية، أما المساواة فلا توجد شريعة وضعية عبرت عنها كما فعل النسق القرآني، إذ كانت تقتصر لدى اليونان على طبقة النبلاء ولدى الليبراليين على أصحاب رؤوس الأموال، أما الإسلام فقد ساوى بين الجميع من دون تفرقة في الدين أو الجنس أو المستوى المادي.
بالنسبة إلى مبدأ الشورى، ثمة شورى العوام وشورى الخواص وقد مارسها النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهي مبدأ إسلامي أصيل جعل الجميع يشارك برأيه، لكن في حدود تخصصه.
ثم نأتي إلى نقطة التكافل. جمع الإسلام بين ما نطلق عليه سمات الاشتراكية وسمات الليبرالية، إذ اعتبر المجتمع جسداً واحداً إذا اشتكى أحد أعضائه تداعت سائر الأعضاء، لذا يجب أن يتماسك وأن يعمل الكل لصالح الكل.
ما الفرق بين شورى العوام وشورى الخواص؟
الشورى درجات ومستويات، المقصود بالعامة منها كل ما يتعلّق بالعوام فهم مسؤولون عن الإدلاء بأصواتهم في هذا الأمر. أما الشورى الخاصة وقد مارسها النبي (صلى الله عليه وسلم) حينما كان يشاور أصحابه في أمور الحرب فقاطعه سلمان الفارس قائلاً: laquo;هل هو وحي أم هي الحربraquo;، فقال (صلى الله عليه وسلم): laquo;بل هل الحربraquo;، فقال: laquo;سلمان أشير عليك بكذا وكذا...raquo;. فأخذ النبي الكريم بهذه المشورة، وهذا يؤكد أن الإسلام ليس فيه ما يسمى بالحكومة الثيوقراطية.
يشترط مبدأ الشورى الوعي بالأمور التي يتم التشاور فيها، فالأمور العسكرية أو الاقتصادية أو الحياتية التي تفوق معرفة العوام تقتصر فيها المشورة على أصحاب الدراية أو ما يطلق عليهم أصحاب الحل والعقد، فالإسلام كرّس للتخصصية والخصوصية أو العقل الجمعي أو الرأي العام ولم يمنع أيضاً العوام من ممارسة حقوقهم في الاعتراض أو الإدلاء بآرائهم. مثلاً حدث أن اعترضت امرأة على حكم عمر بن الخطاب، فقال أصابت امرأة وأخطأ عمر.
ما العلاقة بين الديمقراطية والدعوة إلى الأخلاق في الإسلام؟
يميز الحكم الإسلامي أنه لا فصام بينه وبين الأخلاق، فالقاعدة الرئيسة فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي قاعدة أخلاقية لا يمكن لأي سياسي أن يغفلها أو يبتعد عنها في حكمه، وقد حددت صفات يجب توافرها للحاكم لسلامة الحكم والتكامل الأخلاقي ومنع الرذائل والجور والرشوة. إذاً ليس من فصام بين الأخلاق والسياسة في الفكر الإسلامي.
هل ثمة خلاف بين الإسلام كدين وبين الديمقراطية كنظام وضعي؟
الديمقراطية كمصطلح ليس لها دخل بالعقيدة الإسلامية، فللديمقراطية خصوصية ثقافية، لكن كل ما تصوره فلاسفة الغرب وساسته عن حلم الديمقراطية متوافر في الواقع الإسلامي، بمعنى أن الإسلام لم يضع مثاليات، بل وضع أسساً للتطبيق، فما يمكن أن نطلق عليه النسق السياسي الإسلامي أفضل بكثير من التصورات الفلسفية التي لم تتحقق.
حقوق الفرد في الإسلام تتسق وتتآلف وتتناسب بمنأى عن أي عصبيات وذلك لم يتوافر في الأنساق الديمقراطية المطروحة كافة، والدليل انهيار ما يسمى الديمقراطية الشيوعية وإخفاق ما نطلق عليه الديمقراطية الليبرالية.
ما السبب وراء استحالة تحقق ديمقراطية العوام؟
لأنه من الصعب أن تستفتي العوام في دولة مترامية الأطراف.
ألا يوفر ذلك نظاماً كالانتخاب مثلاً؟
هذا الأمر جائز في المجتمعات الصغيرة أو القبلية، أما حينما تطرح الانتخابات العامة فيختلف الأمر، خصوصاً في دولة مترامية الأطراف تشتمل على التزييف وما يسمى رشوة العوام أو الخداع. في الولايات المتحدة مثلاً، لا تتوافر ديمقراطية بالمعنى المباشر، لكن الإسلام طرح مفاهيم عدة بداية من الاستفتاء على تنصيب أبي بكر الصديق ونهاية بالمبايعة عن طريق الأمصار سواء بالموافقة أو الرفض. كذلك كفل حرية المعارضة، لكنه اشترط شرطاً لممارسة حرية المعارضة وهو عدم الإضرار بالمصلحة العامة، فلا يخول لحزب ما أو جماعة ما أن تثور على الحاكم بحجة ظلمه ما دامت لا تقدر على تحقيق العدل.
إذن أنت مع من يقول بعدم جواز الخروج على الحاكم؟
طبعاً لا يجوز.
ماذا لو ارتكب الحاكم معاصي تستوجب ذلك؟
أنا مع عدم جواز الخروج على الحاكم، لكن إذا خرج عن أصول التشريع التي جعلته في هذا الموضع يجب عزله. كيف يتم ذلك؟ يحق لجماعة laquo;أهل الحل والعقدraquo; أي العقل الجمعي الإسلامي عزل الحاكم وإسقاطه. لكن إذا شعرت فئة صغيرة بهذا الظلم ورغبت في التغيير من دون أن تتوافر لديها القوة والمنعة لتحقيق ذلك ستعرض البلاد وأمنها للخطر، في هذه الحالة المصالح المرسلة تقتضي الوقوف عند شجب الظلم باللسان لحفظ كيان المجتمع وأمنه.
تطبيق الشريعة الإسلامية، هل من شأنه إيجاد مجتمع يسوده العدل والديمقراطية؟
ليس بالإمكان تطبيق الشريعة الإسلامية في المجتمعات كافة، فلا بد من أن تكون هذه المجتمعات إسلامية إيماناً وعملاً. بالتالي نحن في حاجة إلى إعادة تربية المواطن، ثم يمكن تطبيق الشريعة عليه، ذلك لأن البعد عن الثوابت العقدية يجعل أي تطبيق للحدود الإسلامية أو الشريعة قهراً واستبداداً وشيئاً مرغوماً عليه وضد الوعي الكائن.بدأ الرسول (صلى الله عليه وسلم) تأسيس الدولة أو المجتمع بتربية الأفراد، ثم كان من اليسير على المجتمع الإسلامي أن يقبل التشريع.
عموماً، نستطيع الاحتفاظ بالقاعدة الرئيسة وهي أن الإسلام المصدر الأول للتشريع، هكذا يصبح كل ما نستجلبه من نظم خاضعاً لهذا المقياس.
ألا يمكن أن نأخذ من الشريعة الإسلامية ما يجعلنا نقيم تشريعات، بعيداً عن التشريعات الوضعية التي نستجلبها من الغرب؟
الإسلام هو الذي أمر بذلك، فقد ورد لفظ الدنيا 110 مرات ولفظ الآخرة 110 مرات في القرآن الكريم. بالتالي أنت أمام الدنيا والآخرة متساو في الاختيار، وعليه لم يفرض عليك الإسلام أي نظم جزئية، لكن وضع لك شروطاً كلية. عليك الاختيار من المتغيرات ما شئت شريطة ألا تتعارض مع إنسانية الإنسان فالتشريع الإسلامي وضع قواعد عدة تكفل لنا الحرية الكاملة في اختيار واستبضاع أي نظام يصلح للمجتمع.
هل يؤمن الإسلام بـ{حرية العقيدةraquo;؟
نعم، فالإسلام لم يفرض عقيدته على أي أمة فتحها المسلمون، لكن خيِّر أهل هذه البلاد بين اعتناق الإسلام أو ممارسة عقائدهم بحرية شريطة ألا يرفعوا سيفاً أو يذيغوا عقيدة المسلم أو يهدموا أحد ثوابته، وهذه الحرية التي كفلها الإسلام لأصحاب الأديان الأخرى لم تتوافر إلى الآن في أميركا وأوروبا، بل ما زالت الأقليات الإسلامية هناك تعاني القمع الثقافي والفكري في حرية التعبد أو حرية ارتداء الزي الإسلامي.
بماذا ترد على من يرى أن الديمقراطية كلها شر؟
الخير والشر في الديمقراطية يكمنان في التطبيق من حيث تحقيق سعادة الإنسان وتوفير حريته وحرية الأفراد والتكافل الاجتماعي، فهي خير إن حققت أهدافها وشر إن لم تفعل، والواقع هو الذي يحدد ذلك.
هل ترى أن الدول الإسلامية ترسي مبادئ الديمقراطية؟
لا، لأنها ليست إسلامية ولا غربية، فمعظم النظم الإسلامية حاولت الخلط أو الجمع أو التلفيق بين الثوابت العقدية والمتغيرات الحضارية، فهي لم تستطع استيعاب المتغيرات الحضارية لأنها أخذت الظاهر وتجاهلت جوهر الشريعة الإسلامية. بالتالي لم تفلح في تطبيق الثوابت العقدية أو الشريعة الإسلامية، ولا في تطبيق النظم الغربية.
لماذا فشل المسلمون في إرساء مبادئ الشورى؟
لا بد أولاً من التمييز بين الإسلام كنسق ومبادئ وأسس وبين التطبيق الذي كان ينفذه المسلمون. مثلاً سُئل الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): laquo;لماذا يختلف عليك الناس ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر؟raquo;، فقال: كان أبو بكر وعمر إمامين على مثلي، وأنا اليوم إمام على مثلكraquo;، وعندما سُلبت الخلافة بالسيف على يد الأمويين والعباسيين لم يكن الإسلام هو المسؤول، بل العصبية العربية.
مسلمو اليوم، هل هم مؤهلون لتطبيق الديمقراطية؟
الإسلام يشترط الوعي والأخلاق، والمجتمع الإسلامي راهناً لا يشتمل على الأخلاق ولا الوعي، بالتالي لا يمكننا أن نبحث عن ديمقراطية وسط مجتمع جاهل وفسدت أخلاقياته وقيمه وثوابته.
تدريس مواد حقوق الإنسان، هل يؤدي إلى تعليم الأجيال الناشئة مبادئ الديمقراطية؟
أشجع على تدريس أخلاقيات الإسلام، لأنها أعم وأشمل من أي نظم وضعت لحقوق الإنسان.
ماذا عن مكانة المرأة المسلمة في منظومة العمل الديمقراطي القائم على مبدأ الشورى؟
عندما وجّه التشريع الإسلامي الحقوق والواجبات وجهها إلى الإنسان من دون تحديد جنس معين، ذكر أو أنثى، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يستشير زوجاته في بعض أمور السياسة والدنيا، وكان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يوكل شؤون السوق للنساء.
هل ترى أن الغرب يسعى إلى فرض ديمقراطيته على العالم الإسلامي؟
على العكس، فالغرب يريد أن يفرض ثقافته السياسية على العالم الإسلامي وليس الحرية أو العدالة أو المساواة لأنها موجودة في الشريعة الإسلامية.
من يحق له فرض الديمقراطية؟
الوعي الجمعي. كلنا مسؤولون عن الديمقراطية، فإحدى ثوابت الأخيرة أن تكون عامة مطلقة، والمجتمع لا تفرض عليه حقوقه، بل هو الذي يطالب بها. عموماً، الديمقراطية حق لذلك لا بد من أن نطالب بها لأن الحقوق لا تُمنح.
د. نصار في سطور:
- أستاذ في الفلسفة الإسلامية والفكر العربي.
- وكيل كلية الآداب للدراسات العليا - جامعة بني سويف المصرية.
- تخرج في كلية الآداب قسم الفلسفة جامعة القاهرة عام 1982 عام 1991 عن رسالة بعنوان laquo;مدرسة مصطفى عبد الرازق وأثرها في الفلسفة الإسلاميةraquo;.
- نال الدكتوراه عام 1995 عن رسالة بعنوان laquo;فكرة التنوير بين لطفي السيد وسلامة موسى ومقابلاتها بمصطلح التنوير في الفلسفة الغربيةraquo;.
- أصدر دراسات عدة في مقارنة الأديان، أبرزها: laquo;الفكر الديني عن اليونان، مقدمة في مقارنة الأديان، الإنسان الكامل في ثقافات العالم القديمraquo;.
- ودراسات إسلامية أبرزها: laquo;حقيقة الأصولية عند الشيخ عبد المتعال الصعيدي، حقيقة العلمانية في الفكر المصري، ابن رشد والأبعاد التنويرية للفلسفة الرشدية، مفهوم عالمية الإسلام، التلوث القيمي، الفلسفة الخلفية عند المسلمين، حسن العطار المنظر الأول للفكر الإسلامي الحديث والمعاصرraquo;.
- يشغل، إضافة إلى عمله الأكاديمي، عضوية لجنة laquo;تحقيق تراث القرن التاسع عشر والعشرينraquo; في مكتبة الإسكندرية و{المحكم الإقليميraquo; لمجلة laquo;عالم الفكرraquo;.
