جهاد الخازن
عندما هبط نيل أرمسترونغ على سطح القمر في تموز (يوليو) 1969 قالت أميركية من دعاة حقوق المرأة: laquo;إذا كانوا يستطيعون وضع رجل على سطح القمر لماذا لا يضعونهم كلهم هناك؟raquo;. وأقول لها: laquo;قطع لسانكraquo;، فأنا أخاف وأنا على سطح الأرض ومثلي كثيرون.
أكمل اليوم بأشياء يفهمها القارئ على هامش مؤتمر علمي نظمته مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بالتعاون مع إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) تزامن مع الاحتفال بمرور 25 سنة على رحلة الأمير سلطان بن سلمان في مكوك الفضاء laquo;ديسكفريraquo;. وقد اعترفت أمس بأنني لم أفهم كثيراً من الجانب العلمي في أبحاث المشاركين، مع إنني ترجمت بعض العناوين حرفياً، ولكن من دون أن أفهم المقصود مثل laquo;طاقة سوداء تجر إطاراً؟raquo;.
مع ذلك أتاح المؤتمر لي فرصة أن أرى عقولاً عربية رائدة في مجالات العلوم، ما يبشر بمستقبل أفضل لنا جميعاً، وأن أقابل اصدقاء، وأزيد عليهم من المشاركين.
سألت الدكتور محمد السويل، رئيس المدينة، عن أختنا نايلة السويل فقال: laquo;بنت عميraquo;. ونايلة صديقة قديمة للعائلة من أيام إقامتنا في واشنطن، وكان مكتبانا في مبنى واحد وهي ترأس وكالة الأنباء السعودية في العاصمة الأميركية. وكنت يوماً قريباً منها في استقبال للملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، وهو كان يعرف عملها في الوكالة وقال: laquo;نريد أن تعمل بناتنا، وأن ينجحن وأن يتفوقنraquo;. وقلت في سرّي إن التفوق على الرجال العرب ليس صعباً.
ووجدت أن الأمير الدكتور تركي بن سعود بن محمد هو أخو الأمير فيصل بن سعود بن محمد الذي أناقشه بانتظام في أمور السياسة كما لا أستطيع مناقشة الدكتور الأمير في هندسة الطيران والفضاء، اي مجال تخصصه.
وجلست خلال استراحة الى جانب الدكتور محمد طرابزوني، مدير مكتب الاستخدام السلمي للفضاء الخارجي في معهد بحوث الفضاء، وسألته عن اختنا نسيبة طرابزوني، أرملة هشام حافظ، رحمه الله، فقال: laquo;بنت عميraquo;. ونسيبة صديقة عزيزة للعائلة كلها، خصوصاً زوجتي.
عندما أزور عاصمة عربية، سواء كانت القاهرة أو بيروت أو الرياض أو دمشق، لا أبحث عن علوم متقدمة، وقطعاً لا أطلب محاضرة في استكشاف الفضاء، والعربي تائه في بلاده، وإنما أتوقع شيشة، وربما بعض الرقص الشرقي وعشاء سمر ونميمة حتى الفجر.
وبما أنني خائف على الأرض فإن الدكتور هيثم التويجري المشرف على بحوث الفضاء في مدينة الملك عبدالعزيز لم يخفْني في محاضرته عن أجسام ومذنبات ونيازك وشهب قد تضرب الأرض، رغم ما رافق المحاضرة من صور رائعة، أو مريعة، لما يحيط بنا. كنت أسمع أن الديناصور انقرض بعد أن ضربت كتلة ضخمة الأرض قبل 65 مليون سنة. وفكّرت والدكتور هيثم يتحدث انني قد لا أكون موجوداً إذا تكررت laquo;الكارثةraquo; بعد 65 مليون سنة أخرى، مع إنني أرجح أن بعض الزعماء العرب سيكون لا يزال في الحكم.
في النهاية، فزعت من المؤتمر العلمي وحديث الفضاء الى ما أعرف وأنا أقرأ كلمات طويلة، أكثرها من أصول يونانية أو لاتينية. وعادت بي الذاكرة الى أستاذي في الثانوية الأستاذ نسيم نصر، رحمه الله، الذي شكا يوماً، من أن لغتنا العربية تواجه مشكلة كثرة المفردات وصعوبة الاشتقاق. وسألت بعد ذلك استاذي في الجامعة الدكتور إحسان عباس، رحمه الله ورحمنا، عن الموضوع فشرح لي بصبر لم يكن يعرف عنه ما استغلق عليّ.
وهكذا فبدل أن أحدّث القراء عن علوم الفضاء أبقى مع ما أعرف، أو ما بقي في الذاكرة، بعد عقود من العمل، ونحن نقول laquo;عبشميraquo; أي من عبد شمس، ومنه قول الشاعر عبديغوث بن وقاص الحارثي:
وتضحك مني شيخة عبشمية/ كما لم ترَ قبلي اسيراً يمانيا. ويقال عبدري نسبة الى عبد الدار وبلعنبر نسبة الى بني العنبر.
عندنا في العربية الحديثة كلمات قليلة منحوتة من كلمتين مثل كهرمائي، وتجمع الكهرباء والماء، ومدرحية، وتعني المادة الروحية، وقد طلع بها القوميون السوريون في لبنان على ما أذكر. وطبعاً حوقل وبسمل وحمدل وغيرها.
الإنكليزية، ومثلها لغات كثيرة ذات أصل لاتيني، تجمع كلمتين، أو حرفاً وكلمة، لتطلع بكلمة جديدة، ونحن نقول تلفزيون، وهي في الأصل كلمتان، الأولى يونانية والثانية لاتينية، لذلك نجد أن لا خير يرتجى من جهاز هذا أصله.
وثمة كلمة أصلها يوناني نعرفها جميعاً هي لوجي، من لوجيا، ومعناها علم، ونترجم كلمة واحدة هي بيولوجيا، الى علم الأحياء، في كلمتين، ونقول علم النفس، وعلم المعادن، وعلم طبقات الأرض وغيرها. وكلها بالإنكليزية مجموعة لتصبح كلمة واحدة.
وبما أنني كنت في مؤتمر عن علم الفلك فقد سمعت كلمات كثيرة تبدأ بـ laquo;أستروraquo; وتعني نجم أو نجمي أو فضائي، ونقول علم الفلك وعلم الملاحة الفضائية وعلم الفيزياء الفضائية، ويقابل كلاً بالإنكليزية كلمة واحدة منحوتة في كلمتين. ونجحنا في كلمة كثيرة الاستعمال فترجمنا تكنولوجيا الى تقنية، لتشابه الكلمتين العربية واليونانية في اللفظ والمعنى.
وكتبت لتسلية القارئ غير أنني أعتقد بأننا بحاجة الى تجاوز صعوبة الاشتقاق بوضع مبادئ لدمج الكلمات، خصوصاً العلمية، إلا أن هذا يحتاج الى جهد مجمع لغة.
