عيسى الشعيبي

لو كنت مقيماً في واشنطن، وكان لديّ معمل لإنتاج الفخار مجاور للبيت الأبيض، لكسرت عشرات الجرار وراء الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، حين غادر المكتب البيضاوي وهو يجر وراءه إرثاً ثقيلاً من الحروب الفاشلة، وعلى قميصه دماء عشرات الألوف من الضحايا الأبرياء.

غير أنه في بعض الأحيان يضيق المرء بيوم يعتقد أنه الأسوأ في حياته ويستعجل انصرافه، فلما يأزف اليوم التالي يبكي على أمسه، وذلك لهول ما تخبئه الأقدار في مستقبل دائماً ما يكون مجهولاً، وذلك على نحو ما لخصه الشاعر العربي في بيت واحد بقوله: quot;رب يوم بكيت منه، فلما صرت في غيره بكيت عليهquot;.

وهناك أكثر من سابقة تاريخية كانت فيها شعوب عديدة تضيق ذرعاً بحكامها وتستعجل أجل نزولهم عن صدورها، فلما جربوا الخلف وذاقوا مرارات الظلم والعسف، ترحموا على من سبق، حيث تبدو السابقة العراقية هي أكثر الشواهد الحية انطباقاً على ما قاله الشاعر العربي ذات زمن بعيد.

وهكذا يبدو عهد جورج بوش من بعض زوايا الرؤية، أكثر ما يكون انطباقاً على حالة شاعرنا القديم الذي بكى حرقة على أيامه الخوالي، عندما ادلهمت الخطوب وأطبقت عليه نوائب الحاضر، تماماً على نحو ما يمر في خواطر كثيرين منا هذه الأيام وهم يتابعون أداء الرئيس باراك أوباما.

ففي صدر العامين الماضيين من زمن ولاية الرئيس الجديد الحالم بالتغيير، تهللت وجوه الأميركيين والأوروبيين والآسيويين والعرب والمسلمين، بقدوم الفتى الأسود من غياهب الفقر والتهميش والعنصرية البائدة، إلى سدة البيت الأبيض، زعيماً واعداً وخطيباً مفوهاً في أعطافه حس كبير بالعدالة وروح المصالحة والتجديد.

غير أنه مع مرور الوقت بدأت الآمال العريضة بالانحسار شيئاً فشيئاً، والرهانات المعلقة في فضاء هذا التطور غير المسبوق في تاريخ الرئاسة الأميركية تذوي من تلقاء نفسها، خصوصاً لدى الأمم والشعوب التي ذاقت الأمرين في عهد سلفه جورج بوش، وبالأخص لدينا هنا في العالمين: العربي والإسلامي.

وبدون أن نعرج على الكثير من الوقائع والحقائق والتطورات التي واكبت زمن أوباما، فضلا عن الآمال التي انقصفت وهي في مهدها، تبدو المقارنات التي تنعقد بصورة تلقائية لدى معظم الناس في صالح جورج دبليو، أكثر مما هي في جانب باراك حسين.

ولعل أول الاستنتاجات التي يمكن التقاطها من واقع رئيسين أميركيين مختلفين عن بعضهما كثيراً، أن زعامة العالم لا يصلح لها مثقف حالم مثل أوباما، وأن مفاتيح القوة غير المحدودة لا تُعطى إلا للرجال الأقوياء الأشداء، سواء أكانوا محبوبين من شعوبهم أو كانوا غير ذلك.

ذلك أن الرئيس الأميركي هو رئيس رؤساء العالم من دون منازع، وكل نأمة تصدر عنه توازي سيل خطابات ومواقف وسياسات سائر أمثاله على وجه الأرض، وبالتالي فإن كل خطأ يقع فيه سيد البيت الأبيض أكبر من أن يحسب خطأ في حد ذاته، بل إن كل زلة لسان له تقاس بوزن الدولة العظمى الوحيدة ونفوذها الهائل.

ولعل إقرار الرئيس الأميركي الحالي بخطأ مقاربته لعملية سلام الشرق الأوسط، وهو في منتصف ولايته التي قد لا تجدد، هو المثال الأبرز على ما ألحقه الحائز على جائزة نوبل، لقاء وعوده الطيبة لا مقابل أفعاله الحميدة، من خسائر لا يمكن إصلاحها هنا في الشرق الأوسط، الأمر الذي قد يبرر لنا ـ مع بعض التحفظ ـ الترحم على عهد جورج بوش، وربما الاشتياق إليه.