جهاد الخازن
قرب نهاية 1969 اتصلت بي الأخت سامية الشامي، سكرتيرة غسّان تويني، وقالت إن الأستاذ يريد أن يراني. وذهبت اليه في مكتبه في مبنى laquo;النهارraquo; السابق، مقابل وزارة الإعلام، وهو لا يبعد من مكتبي في وكالة رويترز أكثر من بضع مئة متر، ووجدت عنده زميلاً من laquo;الديلي ستارraquo;، وهو اقترح علينا أن نصدر بالتعاون معه وأسرة laquo;النهارraquo; تقريراً أسبوعياً بالإنكليزية اسمه laquo;تقرير النهار العربيraquo;.
كنت رئيس نوبة في الوكالة البريطانية ورئيس تحرير laquo;الديلي ستارraquo;، وأحاول أن أقرر أيهما أختار، وأيهما أفضل لمستقبلي المهني، واخترت الجريدة في النهاية. أما الأستاذ غسّان، فقرر بعد أسابيع أن يكتفي بي لإعداد التقرير، وسلم العمل كله للزميل رياض نجيب الريّس فأداره بكفاءته الكبيرة وذكائه وقدرته، وكانت معنا في الإدارة صديقة عزيزة هي دنيا نحاس، ابنة حبيب نحاس، رئيس شركة إعلانات laquo;النهارraquo; في ذلك الوقت.
غسّان تويني فاز بالنيابة سنة 1951 وعمره 24 سنة، رفعها في المحكمة الى 25 سنة ليصبح مؤهلاً للترشيح. وحفيدته نايلة انتخبت نائبة وهي في مثل عمره لشغل المقعد الذي شغر بعد اغتيال والدها جبران. ومجلس 1951 حُلّ سنة 1953، إلا أن غسّان تويني عاد نائباً سنة 1953 وشارك في الثورة على الرئيس بشارة الخوري التي انتهت باستقالته وصعود كميل شمعون الى الرئاسة.
هذا الجزء من نشاط غسان تويني سبق سنوات وعيي المهني، وقرأته في كتابه laquo;فلندفن الحقد والثأر، قدر لبنانيraquo;، إلا أنني عاصرت التفاصيل التالية، ففي سنة 1970 كنت أراه في شكل شبه يومي، وعادة بعد اجتماع التحرير مع أسرة laquo;النهارraquo;، وتدخلني عليه سامية، وهو أحياناً نائم ورأسه بين ساعديه على طاولة الاجتماعات، وأراجع معه ما عندي من مادة وأسمع ملاحظاته، وأذكر أنه كان يتناول حبة دواء laquo;ميلوكسraquo; لأنه كان يعاني من طرف قرحة معوية.
كنت أرى النواب داخلين مكتبه أو خارجين، وهو يدير laquo;التطبيقاتraquo; لاختيار سليمان فرنجية رئيساً، وهو ما حدث سنة 1970 بفارق صوت واحد، أو laquo;الصوت الواحد... صوت الشعبraquo; كما قال عنوان النهار في اليوم التالي.
غسّان تويني عيّن نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً لثلاث وزارات على ما أذكر، شغلته منها وأرهقته وزارة التربية. واقترحت عليه أن نؤخر إصدار تقرير النهار فرفض، وقال: laquo;كل شيء بحسابهraquo;.
بعد اسابيع من المنصب الوزاري بدأ غسان تويني يشكو من التعامل مع الرئيس فرنجية. وهو قال لي مرة laquo;غلطناraquo;، واعتقدت بأنه يتحدث عن التقرير، فقال انهم أخطأوا بدعم سليمان فرنجية، ورأيه انه لا يصلح لمنصب مختار (عمدة) قرية.
هو استقال بعد مئة يوم وحارب القصر laquo;النهارraquo; بعنف زغرتاوي، فكانت تصدر أحياناً وليس فيها أي اعلان، مع انها كانت اكثر صحف لبنان دخلاً إعلانياً، وفي حدود ستة ملايين ليرة في السنة، تليها laquo;لوريان لوجورraquo; بحوالى أربعة ملايين ليرة، ثم laquo;الديلي ستارraquo; بحوالى مليوني ليرة.
زدت ما رأيت وسمعت من الأستاذ عن انتخاب سليمان فرنجية على ما قرأت في كتابه laquo;فلندفن الحقد والثأر، قدر لبنانيraquo;، ووجدت في الكتاب قصة عنوانها laquo;اعتقالاتيraquo;، يذكر فيها توقيفه لنشره مقررات قمة الجزائر سنة 1973، مع تضمنها معلومات دفاعية سرية. وهو يكتفي بالقول laquo;ترك أحدهم، من باب الإهمال، وحسب، ملفه على طاولة لجنة الشؤون الخارجية...raquo;.
أعتقد أن الزميل والصديق وفيق رمضان كان على علاقة بالحادث، وحلّ مع رئيس التحرير ضيفاً على حبس الرمل في بيروت، وهو كان من أنشط مراسلي laquo;النهارraquo; في الشرق الأوسط وأنجحهم، وشهدنا معاً نسف الطائرات المخطوفة في الأردن سنة 1970.
وكدنا جميعاً ان نذهب الى السجن مع غسّان تويني يوماً، فقد حُوّل رؤساء التحرير والمحررون المسؤولون الى المحاكمة لنشر الصحف معلومات عسكرية سرية. وقررت نقابتا الصحافة والمحررين مقاطعة المحاكمة، لأن مصدر المعلومات الرئيس رشيد الصلح على درج السراي القديم، أي انها من رئيس السلطة التنفيذية، وفي النهاية مثلت والزميل محمد العنّان عن laquo;الحياةraquo; أمام القضاة، وحكم على الصحافيين بالسجن بين ثلاثة أشهر وستة، إلا أنه لم تنفذ أية أحكام، وبقي لي من القصة صورة وأنا أمام قوس المحكمة وثلاثة قضاة وراءهم شعار laquo;العدل أساس الملكraquo; التقطها مصور laquo;الحياةraquo; عفيف خير بعد أن خبأ الكاميرا في معطفه.
غسّان تويني يتحدث في كتابه عن صديقه الغالي كامل مروة، ناشر laquo;الحياةraquo; ورئيس تحريرها، وقد شهدت اغتياله يوم الإثنين في 16/5/1966، وأذكر أنني وقفت مع الزميل عرفان نظام الدين والأخ محمد الملاح مذهولين فوق الجثة في مكتب رئيس التحرير، وحمل الملاح (أبو مصطفى) الجثة على يديه الى سيارة الإسعاف فكانت هناك بقعة دم مشتركة من صدر قميص كامل مروة الذي أصيب في قلبه الى قميص محمد الملاح.
كان يوماً لا أنساه ما عشت، رحم الله الشهداء وأطال في عمر غسّان تويني.
