تركي الدخيل


في مسلسل quot;درب الزلقquot;، يعذّب حسينوه خاله قحطه، مستغلاً ضعف خاله من جهة، وقوته البدنية من جهة أخرى، فتارة يركله، وأخرى يحمله على كتفه ويرميه على الأرض، وخاله بلا حيلة، حتى حليفه سعد لا يستطيع مواجهة أخيه الأصغر حسين، وإذا حصل ودخل حسينوه البيت ووجد خاله في زيارتهم أخذه وغطس رأسه بقربة الماء. لكن السؤال كيف واجه قحطة بطش حسينوه؟
اكتفى قحطة باللمز، وابتكر لزمة لإغاظة حسينوه، فإذا مر من عنده بدأ يهذر قائلاً: quot;والله يا بعض الناسquot;، يريد أن ينتقص وينال من جبروت حسينوه. يذكرني أسلوب قحطة هذا بالمخاطبات والمكاتبات والعبارات التي تتداول في المؤسسات الحكومية، أو الإعلام، أو على مستوى السجال. حينما يريدون لمز شخص لا يروق لهم يباردون بوصفه بـquot;المدعوquot;، أو quot;الوارد اسمه أعلاهquot;، كلها أوصاف الغرض منها ترسيخ الدونية لصاحب الاسم الذي يرد اسمه بعد تلك العبارات وأمثالها.
لماذا لا نستخدم كلمة quot;السيدquot; أو غيرها من المفردات، واللغة العربية ndash;لحسن الحظ- من أغنى اللغات بالمترادفات؛ لكن الإرادة الحقيقية لاستعمال تلك العبارات ربما تكون هي نفس إرادة قحطة من استخدامه لكلمة quot;والله يا بعض الناسquot;.
كذلك تستخدم كلمة: quot;ما يسمى بـquot;، ومرةً سمعت طالب علم يسأل شيخاً فاضلاً عن quot;البلاي ستيشنquot;، وبدأ السؤال بقوله: quot;انتشر ما يسمى بالبلاي ستيشنquot;، فهو بسؤاله هذا يحث الشيخ على الوقوف ضد هذا الجهاز من حيث لا يشعر. ولدى العامة تبلغ أعلى حالات التجاهل حينما يصفون شيئاً بأنه quot;اللي ما يسمىquot;؛ فهم لا يرغبون بتسمية من لا يحبون، لهذا يستبدلون الاسم بالـquot;معاييرquot;، أو quot;الألقابquot;، وهو شكل من أشكال التجاهل المبالغ فيه. إنها كلمات تنتشر وتدون حتى في المخاطبات والمداولات، وتستخدم أحياناً للإلغاء والتصفية، والسحق، حينما تصف أحد الأشخاص بـquot;المدعوquot;.
ربما نعذر قحطة حينما استخدم quot;بعض الناسquot;، خاصةً إذا رأينا كيف يعذبه حسين، وبالذات إذا ضربه بيده على صلعته. لكن المصيبة أن تستخدم مؤسسات كبيرة، أو وزارات، هذه الكلمات، وأجزم أن أي موظف لو فتح الملفات التي بجواره، سيعثر على الكثير من العبارات المضحكة التي لا تعكس غنى اللغة العربية، وإنما تعكس ضيق النفوس بالآخرين.
قال ابو عبد الله غفر الله له: وفي حالات قليلة يكون عدم التسمية رفعةً، وعلامة عظمة، وأستدل هنا بقول عبد الله البردّوني يصف المتنبي:
من تلظّي لموعه كاد يعمى ** كاد من شهرة اسمه لا يسمى!