مطاع صفدي
إسرائيل خلائط هويات لا يستطيع أي دين، حتى اليهودية، أن تصهرها في صنم ذاتي واحد. هكذا كانت منذ إنشائها أو اصطناعها. لكن رومانسية الندم الأوروبي إزاء محرقة (الجنس) اليهودي على يد النازية التي لا يمكن أن يبرأ الغرب إجمالاً من مسؤوليته عنها، باعتبارها تجسيداً ذروياً لعنصريته الضمنية، هذه الرومانسية الخبيثة، عمدت إلى التعويض عن استحقاق الإدانة الأخلاقية لذاتها، بالتكفير عن محكومية الذنب التاريخي المطلق، فكان قرار الغرب بإلغاء مصير التيه الأبدي عن اليهودية، وذلك بإعطائها (حق العودة) بوسيلة الحرب للإستيلاء على (أرض الميعاد).
هذه التوليفة الجهنمية بين أخطر كوارث التراجيديا التاريخية تحت وطأة ظلم الإنسان للإنسان لغاية الظلم وحده، لا يمكنها أن تكون شعباً يظل مختلفاً عن بعضه في كل شيء، إلا ببطاقة الإنتماء إلى الدولة التي لا تعرف نفسها، إلا بقدر ما تنقلب إلى ثكنة عسكرية لشعبها الذي ليس هو بدوره إلا جيشاً خارجاً من حرب، أو معداً ومستعداً لحرب أخرى. فلقد منح الغرب وطناً ليس من أوطانه، لجماعات من هوامش تاريخه، وضحايا كوابيسه العنصرية؛ فإسرائيل المولودة بقرار دولي، قضي عليها ألا تعيش طيلة نشأتها الماضية، إلا بقدر ما تميت شعباً آخر حقيقياً، متملكاً من كيانه الإنساني المتجانس، متجذراً في أرضه منذ بداية الزمان، طافحاً بقدرات ديمومته المستقبلية ثقافياً ومادياً. فإذا أوغلت السياسة في صناعة اللامعقول، وفرضه على الجغرافية والتاريخ معاً، هذا لا يعني أن المعقول قد أنجز استقالته النهائية من ساعة الحاضر والمستقبل.
الغرب الإمبريالي والصهيونية متعاونان معاً على إشادة إمبراطورية اللامعقول في هذه الشؤون الدولية الثلاثة: السياسة والاقتصاد والحرب. وأما الشأن الرابع وهو الأضيق لكنه الأعمق، أي الثقافة، فهي مسرح صراع المعقول واللامعقول حيثما لا يمكن لأحدهما حتى الآن أن يزيح الآخر، هذا بالرغم من كل ما يملكه اللامعقول من دعم تلك الشؤون السلطوية الآخرى المحدقة به ومن جهاته الثلاث، ما عدا الرابعة التي هي منفذه الوحيد نحو مفاجآت الإنسانية لذاتها، بما لم تحبطه عضلاتها المتكلسة بعد، من أفعال الفكر والحرية. هكذا يتحدث مثقفون من ذوي أصول يهودية أو من المتعاطفين معهم، عن مسيرة اعتقادهم بـ (معجزة) إسرائيل، عن قيامها الأول كأنها (حلم)، لكن هذا الحلم تبدده تناقضات التحقيق. حتى تحين الساعة الذي يكاد ينقلب الحلم فيه إلى ضده، إلى مجرد كابوس.
جان دانييل، واحد من حاملي الأقلام المتابعة لمسرح المعقول واللامعقول في دوليات السياسة والثقافة، حيثما يبرهن المعقول أنه ليس منهزماً أخيراً، كما أنه يُمنع على اللامعقول أن يصيرَ المنتصر الأخير. إنه رئيس تحرير المجلة الأسبوعية الأهم في الدوريات الفرنسية: (الأوبزيرفاتور)، فهو كما يعرِّفُ عن نفسه، ويعرفه قراؤه، يهودي من أصل جزائري، اشتراكي فرنسي قديم. وعالمثالثي متميز بمواقف دفاعه عن مختلف حركات التحرير، بدءاً من كفاح الجزائر لنيل الاستقلال. تابع المشروع الإسرائيلي من موقف علماني ناقد متفاوت. تبنّى حلم مهاجري المستعمرات الأولى (الكيبوتز)، لكنه في نهاية التجربة لا ينفض عن أهدابه غبارَ ذلك الحلم تماماً. إنه يعلن عن حقيقة رهانه الذاتي، المصاحب لوجدانه (الثقافي) منذ البداية، إذ كان يربط الحلم الإسرائيلي بقدرته على اكتساب المشروعية. فهل تزعزعت أركان ذلك الرهان أخيراً.
يدخل هذا المثقف القلق في حوار شيق مع الروائي الإسرائيلي عاموس أوز، هذا الكاتب هو مؤسس حركة (السلام الآن) وقد عكست رواياته التباسات المثقف اليساري إزاء خيبات واقع وجداني، تعصف به رياح أحلام مهشمة. لكنه يأبى التنازل عن ادعاء براءة الوهم، مثلما يفعل زميله جان دانييل الذي يكرر تمسكه بالشرعية كمعيار، بينما يصّر عاموس على حصْر دلالتها في إقامة الدولة الفلسطينية، محاولاً إقناع محاوره بأن هذه الأمنية قادمة. يبقى السؤال إن كان جان دانييل يرى في هذه الأمنية نهاية للحالة الناقصة الشرعية، أو حتى للاشرعية الكيان الإسرائيلي المتفاقمة حتى الآن.
الحوار بين هذين الشاهدين وهما من أهل هذه التجربة الإسرائيلية ذاتياً وخارجياً معاً، كاشف فصيح عن المنعطف الكينوني الكارثي الذي يؤول إليه واحد من أهم وأخطر أبنية الصناعة الوهمية للسياسة الدولية، في حقبة ما بعد الحرب الكونية الثانية. أي اصطناع وطن وشعب ودولة، تجسيداً لكل اللامعقولات التي يرتكبها هذا المشروع المسمى بدولة اليهود. وهو الاسم الذي أجّل مؤسسو هذا الكيان مدة عقود عديدة، الإعلان عنه،ومن ثمّ تدشينه رسمياً، مفضلين عليه اسم إسرائيل.
جان دانييل الصديق العضوي لإسرائيل، لا يزال ينتظر أن يكتسب حلمُ إسرائيل حقيقتَه، معبِّراً عنها بمعيار الشرعية، دون أن يحدد المقصود تماماً منها؛ وإن يكن زميله الروائي عاموس، يراها قادمة مع الدولة الفلسطينية. لعله يريد التأكيد أن الفلسطينيين هم الذين سيمنحون إسرائيل شرعيتها المفقودة حتى الآن، وذلك تعبيراً عن قبولهم بالكيان العبري، وشروعهم في التعايش السلمي معه.
هذا يعني بطريقة أخرى أن انزراع الكيان العبري كأمر واقع، لم يكن كافياً لاكتساب أحقيته الكاملة، وهو الأمر الذي يقلق البعض من تلك الوجدانات الصادقة مع نفسها، لدى تيار متنام من المثقفين الذين يأبون التخلي عن الحلم الإسرائيلي، ويأملون من فرض السلام على الفلسطينيين، والاعتراف، على العرب والمسلمين، أن يغطي هذا التغيير التاريخي على نواقص ذلك (الحلم)، وينقل الكيان من صفته كأمر واقع محكوم بشرط القوة العنفية وحدها، إلى حال الدولة السوية، المستوفية لمعاييرها الدولية والأخلاقية معاً. عندئذٍ ربما يمكن القول أن قصة صراع المعقول واللامعقول التي حاكت آخر النماذج الرهيبة من تراجيديات العصر الكبرى، قد تغلق ملفها الدامي تحت هالة انتصارٍ لعقلانية التاريخ وحدها ما فوق عبثية السياسة الدولية ومصالحها المتعارضة بين قواها العظمى والصغرى.
لكن جان دانييل الذي يجدد التزامه بالحلم الإسرائيلي، مثلما لم يحدد أية معايير معينة للشرعية المفقودة حتى اليوم، لم يسأل عما يمنع أو يؤخر احتياز كيان الأمر الواقع على مشروعيته المنشودة، ومن لدن خصوم هذا الكيان عينهم أولاً. فالمسألة إذن ليست في نقصان الكمال الدستوري والأخلاقي فقط، وإنما هي مسألة الاستحقاق الذي يجب أن يوفره كيان الأمر الواقع لذاته من جهة، واعتراف (الآخر) بهذا الاستحقاق من جهة أخرى. فمن أبسط عوامل استحقاق الدولة الحديثة لشخصيتها الاعتبارية هي تمتعها بالأرض أي الوطن، والأمة، أي المجتمع المتجانس، والكيان السلطوي القانوني، أي الحكومة. لكن العاملين الأساسيين الأول الوطن، والثاني الأمة لم يكونا قائمين قبل فرض الكيان بالقوة العنفية. ذلك هو ما يثبته مؤرخون أكاديميون في جامعات إسرائيل، قد وُصف بعضهم بالمؤرخين الجدد. فقد أثبت هؤلاء بالوثائق والبراهين المسجلة أن (الوطن) مستلب ومغتصب من سكانه وأصحابه الأصليين بفعل الإرهاب والتهجير القسري. وجاء أخيراً الأكاديمي شلومو ساند، بكل الأدلة التاريخية الموثقة على أنه ليس هناك (أمة) يهودية، حية وقائمة مستمرة منذ أساطير التوراة حتى (اختراع) المجتمع الراهن، من خلائط مستوردة من أمم أخرى عربية وأوروبية.
يبقى أن الدولة غير القائمة على أرضها الطبيعية، وغير المبنية من قبل مجتمع مدني متسلسل من أمة تاريخية متجذرة في وطنها وتراثها، هذه الدولة التي ليست هي صنيعة وطن ولا أمة، إنما هي اختراع كياني، مفروض كأمر واقع بشرط القوة وحدها.
فكيف يكون لهذا الكيان إذن ثمة استحقاق لأية شرعية، إلا إذا كانت هي كذلك من اختراع التواطؤ الدولي، في ظرف سياسوي استراتيجي معين، فرضه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، كحلقة جديدة، أو كصفحة معاصرة من خارطة سايكس بيكو المفروضة سابقاً من قبل المنتصرين أنفسهم، ولكن بعد الحرب العالمية الأولى. فالدولة التي ليست هي صنيعة لأي من عواملها البنيوية الذاتية التي يقرها التاريخ والعلم وحتى السياسة، كيف لها أن تجبر الآخر على الاعتراف بشرعية لا تملكها هي أصلاً. ذلك تساؤل إسرائيلي مستجد، أصبح عالي النبرة، تتداول مقدماتِه الفكرية والبرهانية بعلن الوجدانات الإسرائيلية القلقة، وإن لم يصل اعتراضها إلى مستوى الإنكار المادي الفعال، عبر رحلة النقد العلمي الجريء، النابع من أهل البيت عينه، الموشك ربما على تداعي أركانه المادية بعد زعزعة أساطيره المعنوية في عين بعض الطلائع من سكانه الوافدين أو الطارئين.
لكن زعزعة أساطير الاختراع الكياني، لم تكن لتطفو على موجاتِ إعلامٍ محلي إسرائيلي، وعالمي أوروبي تحديداً، لو لم تتراكم الخروقات القاسية لمبدأ حاكمية القوة وحدها، الحافظة لصنيعة الأمر الواقع؛ فهل كانت أسئلة الهوية الإسرائيلية وحقائقها الأسطورية تجتاح هكذا عقول النخب المفكرة في مجتمع القلعة العسكرية التي آل إليها (الحلم) الإسرائيلي أخيراً لولا تلك الخردقات لأسوار القلعة وعقلها معاً.. فإن يطرح أستاذ جامعي مرموق عنوان كتابه هكذا: كيف تم اختراع الشعب اليهودي، ويتلقفه القراء من داخل وخارج دولة اليهود، ويُترجم إلى عديد اللغات الأوروبية بسرعة البرق، فتلك ظاهرة غير عادية، وتنبئ وحدها عن عمق التحول في صميم الرأي العام المحلي والغربي، وبلية الانعتاق من ثقافة التسليم لسلطة الوهم والتعامي الإرادي، بعد ذلك التمسك الأيديولوجي والمصلحي باللامعقول المنطقي والوجودي، خدمةً لنوع من معقولية سياسوية مصطنعة، لا يدعمها إلا مبدأ الأمر الواقع كقوة طغيان وعسف، مستهين بكل عقاب أو حساب.
يحدث هذا التشكيك الجذري في أصولية الهوية الإسرائيلية وأحقيتها المفهومية، في الوقت ليس غير البعيد الذي أعلن فيه الكنيست الإسرائيلي عن قرار تثبيت الصفة اليهودية للدولة، كأنما صار لزاماً عليها هي المضي في اختراع الشعب اليهودي، قسراً عن مسلمات التاريخ، وواقع الحال لخلائط السكان من كل جنس ولون ولسان؛ فهؤلاء لا يوحدهم شيء سوى أنهم يعلّقون مستقبل وجودهم على كفاية مبدأ القوة، مشروطة بضرورة التفوق المطلق على قوى الخصوم جميعهم.
إلا أن هذا المبدأ هو المعرّض منذ اليوم لخط التقهقر، ومن ثم الإلغاء الذاتي المحتوم؛ وذلك بعد جولات الفشل الإسرائيلي المتمادي في النيل من صمود المقاومة، ووقوع (الدولة اليهودية) نفسها بين فكي الكماشة المقاومة من شمال حدودها وجنوبها. وعلى هذا الأساس يتحرر مبدأ القوة المتفوقة من قبضة الاحتكار الإسرائيلي، يصير للخصوم تدريجياً حصص خطيرة وهامة من مبناه ومعناه، من مزاياه وأدواته.
يدخل الصراع هكذا في معادلة التوازن الاستراتيجي المعتمدة على تقابل القوى شبه المتكافئ بين أطرافه، ما يعني أن (الدولة اليهودية) أنهت إلى حتمية الحسم بين خيارين: إما الحل الشمشوني، أي الاندفاع إلى العنف المطلق ضد الذات والآخر معاً، أو أنها تقع في مأزق فقدانها لسبب وجودها الأول والأخير، فتعيش بطالة الحرب، وبالتالي لا مصيرَ لها إلا في العودة إلى الوطن الأصلي للجميع: فلسطين، حيثما تترسخ أصول المشروعية، في أحقيتها التاريخية وفي صدقيتها الإنسانية والأخلاقية.
لعل ذلك كان ما يقصده جان دانييل من إلحاحه على خطيئة انتقاص المشروعية من (الحلم) الإسرائيلي، لو أنه انتبه فقط أن فلسطين هي وطن المشروعية، من قبلُ ومن بْعدُ كل اسمٍ أسطوري أو أيديولوجي قدُ يلصق بها.
