يوسف أباالخيل

يحمد للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة مبادرتها لتنظيم مؤتمر عنquot;الإرهاب بين تطرف الفكر وفكر التطرفquot;, والذي أتى في سياق تكثيف الجهود نحو محاصرة الإرهاب فكريا,بعد نجاح محاصرته أمنياً نتيجة لما أولته وزارة الداخلية من جهود جبارة أفضت بها إلى درجة جعلت تلك الجهود تبدو بمثابة آلية أو نموذج جديد كلياً في كيفية التصدي لظاهرة كانت تبدو مستعصية على الحل.

مع ذلك؛ فإن ما خرج به ذلك المؤتمر من توصيات, وهي دليلنا الوحيد للتعرف على رسالته التي أراد بثها للجمهور, تؤكد مرة أخرى على أننا لا نزال في مجال مكافحة الإرهاب فكرياً نحبو على الركب، وأن مبضعنا الجراحي الفكري لم يضع أصبعه بعدُ على المحفزات العضوية للداء الإرهابي . ذلك أن وضع النقاط على الحروف الفكرية التي يتغذى منها فيروس الإرهاب لا يزال عصياً على ما نبذله من جهود فكرية, إن كان ثم وجود حقيقي لمثل تلك الجهود!.

آية ذلك,أن تلك التوصيات التي خرج بها المؤتمر لم تتضمن ما يشير ولو على سبيل التلميح إلى ظاهرة التكفير التي لا تزال ترمي الجماعات والمذاهب والأفراد بشرر كالقصر، وهي الظاهرة التي تعتبر بحق إفرازاً للإرهاب من جهة، ومحفزاً مستمراً له من جهة أخرى.

لقد كانت الفتاوى التكفيرية التي صدرت عن رجال دينquot;معتبرينquot; كمرجعيات ربما من قبل بعض من شاركوا في المؤتمر, وقبيل انعقاد أعماله بأيام معدودات,أقول: لقد كانت تلك الفتاوى من الذيوع والانتشار والتلقي-بل والترحيب-إلى الدرجة التي لا يسع فيها من شاركوا فيه أن يتجاهلوها إلا إذا كانوا يعتبرونها حرية تعبير!,فنكون أمام فلسفة جديدة لحرية التعبير قوامها:التعدي على حرمات الناس وأعراضهم!.

كان ذلك عن أبرز ما تجاهلته توصيات المؤتمر، أما ما تضمنته تلك التوصيات, فهي حَرِية بأن توضع على مشرحة النقد كون بعضها ربما شرعن عن غير قصد لبنية تفكير تراثية أنتجت عقلاً متشظياً بالواقع لا يستطيع أن يجبره على استلهام مثالية موهومة لا وجود لها إلا في خارطته الذهنية, فلجأ إلى محاولة تغييره بquot;الجهادquot;/التطرف!. فقد دعت توصيات المؤتمر الشباب الإسلامي- من ضمن ما دعتهم إليه لكي ينأوا بأنفسهم عن مستنقع الإرهاب- إلى:quot; نبذ التفسيرات الخاطئة لقضايا التكفير والجهاد والولاء والبراءquot;. ولنقد هذه التوصية يحسن بنا أن نتناول القضايا التي تضمنتها كلاً على حدة.

فتحذير الشباب من التفسير الخاطئ للتكفير يثير تساؤلاً إشكالياً مفاده:هل التفسير الصائب الذي دعا المؤتمرون الشبابَ الإسلامي لأن يستلهموه كضد على التفسير الخاطئ هو حسن الظن بالفتاوى التكفيرية التي تصدر من قبل المتشددين هنا وهناك؟ وأنها لم تتقصد الأعيان, وإنما المقولات كما يردد كُبراءُ المكفراتية؟ إذا كان ذلك كذلك,فأي تفسير يُرتجى لفتاوى التكفير بغض النظر تماماً عما قصده مُصدرها غير زرع القتل وإزهاق الأرواح وبذر بذور الفتنة في المجتمع الآمن.أما إذا كان القصد إعادة تنميط المقولة السلفية:quot;لا نُكفِّر إلا من كفَّره الله ورسولهquot;, فالأمر لا يستدعي تضمينها توصيات مؤتمر كهذا,فهي مقولة يرددها شيوخ التكفير صباح مساء, في الوقت الذي تنداح فيه فتاواهم التكفيرية عبر محيط القرية العالمية الكونية لتكون وقوداً لنيران تطرف لا تهدأ إلا لكي تبدأ دورة جديدة.

ويبدو أن الأحبة الذين أوكل إليهم صياغة تلك التوصيات أرادوا إيثارquot;السلامةquot; فصاغوا تلك (التوصية!) بقالب دوْري منطقي. فلربما لو سألناهم عما يجب أن يستلهمه الشباب المسلم لكي ينبذوا التفسير الخاطئ للتكفير,لأجابوا بأن عليهم أن يستلهموا التفسير الصحيح,ولو سألناهم عما هو التفسير الصحيح, لأجابوا بأنه ذلك الذي يقع موقع الضد للتفسير الخاطئ, وهكذا دواليك.

أما بالنسبة لقضية الجهاد, فقد كان المنتظر من المؤتمر أن يكون حاسماً غير متردد فيها لتأثيرها البالغ على مسيرة الإرهاب المتلبس باللبوس الديني. كان يجب عليه أن يتبنى تعريفاً للجهاد يحصره بquot;جهاد الدفعquot;,أو quot;دفع الصائلquot; بلغة الفقه القديم, حتى لا يُتهم المؤتمرون بأنهم تواطؤوا على التنكر للخط الفقهي السلفي!. وتبني هذا التعريف يعني أن الجهاد ليس أكثر من آلة للدفاع عن الأوطان,وهو تعريف وهدف لا مناص من تبنيهما بعد تشكل الدول القُطرية وتحددها بحدود أصبح الاعتداء عليها,أو اختراقها, يشكل خرقاً واعتداءً على القانون الدولي العام الذي يُحرِّم على كل دولة داخلة في كنفه -ولا يخرج من كنفه إلا الدول المارقة- التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وعلى الرغم من أن المؤتمر حاول تضمين توصياته ما يوهم بأنها محاولة خجولة للخروج من شرنقة الخطاب السلفي التقليدي بالتأكيد على أنquot; مفهوم الجهاد في الإسلام مفهوم نبيل يختلف في مشروعيته وأهدافه عن الممارسات الخاطئة لبعض الجماعات المنحرفة عن الإسلامquot;, إلا أن تبني صياغة عمومية متأثرة بهاجس الخروج بأقل قدر من quot;التنازلاتquot;,جعل هذا الاستدراك فاقد التأثير على مجريات الواقع الإسلامي الرازح تحت المفهوم السلفي القديم للجهاد. فلمعترض من تلك التي أطلق عليها المؤتمر اسمquot;الجماعات المنحرفةquot; أن ينوه بدوره بأن مفهوم الجهاد في الإسلام مفهوم نبيل هو:جهاد غير المسلمين,الذين يشكلون أربعة أخماس البشرية, لإجبارهم على اعتناق الإسلام, وأن هدفه بالتالي يختلف عن الأهداف التي يشيعها quot;المميعونquot; للإسلام من quot;أذناب الغرب الكافرquot;!.

هذا من جهة, ومن جهة أخرى فإن نقد المؤتمر لمن أطلق عليها اسمquot;الجماعات المنحرفةquot; كان نقداً ناعماً لا يتفق وما تقوم به من مجازر وحشية باسم الجهاد. فقد وصفها بquot;الانحرافquot; بدل أن (يصمها) بالتطرف والمروق عن الإسلام. بالإضافة إلى وصفه لما تقوم به من أعمال وحشية باسم الجهاد بأنها مجردquot;ممارسات خاطئةquot;.وإذا كان الانحراف-في الفقه السلفي- قرين البدعة, فالمنحرفون كما المبتدعون وذوو الممارسات الخاطئة يُحفظ لهم حق الإسلام. أما انحرافهم وابتداعهم وممارساتهم الخاطئة, فيمكن أن تُعالج بquot;نبذ التفسير الخاطئ للجهادquot;. فالمسألة لا تعدو أن تكون أخطاء في المنهج. والمخطئ لن يُعدم الأجر الواحد الموعود به المجتهد المخطئ!. أما إذا نبذت تلك الجماعات التفسيرات الخاطئة للجهاد,فستنعم حينها بالأجرين فالله لا يضيع أجر من أحسن عملا!.هكذا يتم إخراج تلك الجماعات المتطرفة التي امتطت مركب quot;الجهادquot; لنشر الرعب والجحيم في أنحاء متفرقة من العالم من مشهد الإرهاب, وكأنها تعمل لإعلاء كلمة الله, لكن جريرتها أنها لم تحسن اختيار الوسيلة!.

ومثل قضية الجهاد,قضيتاquot;الولاء والبراءquot;,فالشباب المسلم مدعوٌ من قبل المؤتمر لquot;نبذ التفسير الخاطئ لهماquot;,لكن العبارات الموهمة الفضفاضة لهذه التوصية مثلما ما كان الأمر بالنسبة للتوصية التي سبقتها,ستضطره للعودة إلى التساؤل: وما هو التفسير الصحيح لهما إذاً؟ سيجد نفسه مرة أخرى مع الإجابة التي تعتمد الدوْر المنطقي حيث لا إجابة. كان على السادة المؤتمرين أن يستلهموا التفسير القرآني لمسألتيquot;الولاء والبراءquot;, ذلك التفسير الذي يؤكد علىquot;موالاةquot; المسالم مسلماً كان أو غير مسلم, وفاقاً مع قوله تعالى:quot;لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطينquot;. وعلىquot;البراءةquot; من المعتدي مسلماً كان أو غير مسلم, انطلاقاً من قوله تعالى:quot;إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمونquot;.أما السير مع مسار التاريخ العقدي المتلبس لبوس السياسة في واقعها البراغماتي القديم فلن يكون له من أثر إلا استدعاء الجذور التي أسست لتلك الثنائيات العقدية, التي كانت غطاءً أيديولوجياً للنفعية السياسية القديمة,لتكون حاكمة على مفردات واقع سياسي معاصر مختلف عن القديم جملة وتفصيلا. وللمقال صلة.