منى الشمري

كيف ينزع الأدب ثوبه الجميل الرقيق، ويتخلى عن خصائصه الرئيسية وملامحه الإنسانية، ليتحول إلى مسخ مشوّه؟! كيف لقلّة تفتقد قوامة الأدب أن تكسر إطار الأدب وتفسده؟! والمصيبة الكبرى أن تتحدث باسمه. هكذا يتحول الفكر إلى جرثومة، والكتاب إلى فيلم إباحي خليع، والفصلية الثقافية إلى مجلة laquo;بلاي بويraquo;، والروايات إلى سوسة تنخر وجدان القارئ.
كيف يسقط مستوى الروايات والكتب الأخيرة التي تلفظها دُور النشر إلى هذا المستوى من الانحطاط الفكري، ولماذا يتلبّس laquo;الجنسraquo; روح كل تلك الأوراق الصفراء الخالية من الأدب حتى الغثيان.
لماذا تريد سلوى النعيمي في laquo;برهان العسلraquo; وعلوية صبح في laquo;اسمه الغرامraquo; وجمانة حداد في فصلية laquo;جسدraquo; وغيرهن ممن ركبوا هذه الموجة عرايا، أن يفسدن علينا مزاجنا الأدبي، في أعمال تشبه أفلاماً إباحية تحوّل الإنسان إلى حيوان ناطق!!
أشد وثاق قلقي بقوة أمام هذا الزخم الذي يخلو من أي عمق إنساني، يرشقنا بقاذوراته من أجل أن يحجز مقعدا في سينما الشهرة والأضواء والنجومية، حين يكرر أن كل laquo;ممنوع مرغوبraquo;، لكنهم نسوا أننا في زمن العولمة الذي لم تعد فيه أبواب مغلقة وممنوعة، وأن العصر بات أكثر انفتاحا من عقولهم المظلمة.
كيف تدرج فصلية، تغلّف ويكتب عليها laquo;للراشدين فقطraquo;، على أنها أدبية ثقافية، تماما كما يحدث في سينما الغرب التي تحترم عقول البشر وتمنع المراهقين من دخول أفلامها، لأن فيها مشاهد خادشة!
كيف تتمكن صاحبتها جمانة حداد من الدخول في كثير من لجان التحكيم الأدبية، الخليجية تحديدا، وهي تدفع للقارئ ثقافة لا ترى في الأرض قيمةً، ولا في الإنسان هدفاً، ولا للحياة معنى، ولا للخلق حكاية سوى الجسد، والجسد فقط.
ولو كانت حداد خليجية لقالوا إنها في مجتمع محافظ تعاني الكبت الجنسي والحصار الاجتماعي، لكن لكونها لبنانية فهي متحضرة تقدّمية وذات فكر متطور!!
الموجة التي أغرقت أرفف المكتبات العربية لا تعفي الناشر من المشاركة في الإثم، إذ تشترط أكثر من دار، وخصوصا اللبنانية، أن يتم تطعيم الرواية أو المجموعة القصصية بالجنس، ليكون لها أولوية النشر والاهتمام، وإلا فهي من الأعمال غير المرحّب بها.
ولهذا يؤلمني أن ينجرف وراء هذا الطلب بعض الأسماء السعودية التي تدخل الموجة، وإن كانت تحمل فكرة عميقة وهمّاً كبيراً، مثل رواية laquo;الحمام لا يطير في بريدةraquo;، التي تلتهم فيها مادة الجنس ثلاثة أرباع الرواية، فتخسر الكثير من روحها وقيمتها، بينما يظل كتّاب الغرب يسيرون خلف بوصلة قيمة الإنسان، والإنسان وحده، وفي كل رواية ما يرتقي بفكر ومنظور الروح وتطوير الذات والتحليق في المكان والزمان الذي يترك في نفس القارئ ثراء لا حدود له.. وقيماً عظمى بعيداً عن أجواء أولئك العرب الذين يتعرون على الورق ويمارسون فجورهم، فيثيرون فينا القرف والغثيان، ويقرعون في داخلنا أجراس الهلع على الأدب الذي طالما هذّب أخلاق الناس، وقلّم أظفار الغرائز، وربط بينهم وبين الحقيقة والحلم بعيدا عن اللحم!