فيصل جلول
في غمرة الحرب التي شنها الرئيس السابق جورج بوش على الشرق الأوسط، ساد تعبير الدول المعتدلة أو البلدان ذات السياسة الخارجية المعتدلة تمييزاً لها عن البلدان الممانعة التي استهدفتها الحملة الأمريكية، والتي صنفت بالدول المارقة . ولم يخرج هذا التصنيف من التداول منذ ذلك الحين على الرغم من فشل الحملة ldquo;الأمريكيةrdquo;، إذ مازالت تطلق صفة ldquo;المعتدلةrdquo; على البلدان التي لا تنخرط في نزاع مسلح مع ldquo;إسرائيلrdquo;، أو لا تؤيد استراتيجية المقاومة والممانعة ضد الاحتلال الأمريكي والصهيوني، وتتمسك بمبادرة السلام العربية غير عابئة بتجاهل ldquo;إسرائيلrdquo; لهذه المبادرة، بل الاستخفاف بها على غرار موقف رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق أرييل شارون .
والحق، إن وصف سياسة القسم الأكبر من دول الجامعة العربية بrdquo;الاعتدالrdquo; ينطوي على ظلم مبين ldquo;للصفةrdquo;، ذلك أن الموصوف لا يستحق الوصف في أية حال، وهذا الحكم ليس منا وإنما من المعنى الوارد في ldquo;لسان العربrdquo; للعلامة ابن منظور، إذ يقول: ldquo;العدل ما قام في النفوس . . إنه مستقيم وهو ضد الجور . . والعدل هو الحكم بالحق . . وهو حكم عادل ومنه الاعتدال الذي يعني توسط حال بين حالين في كم أو كيف، كقولهم جسم معتدل بين الكم والطول . . وماء معتدل بين الحار والبارد . . ويوم معتدل أي طيب الهواء . . وكل ما تناسب فقد اعتدلrdquo; . وزعموا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ldquo;الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا ملت عدّلوني كما يعدل السهم في الثقاف، أي قوموني . . ويقال اعتدل الشعر أي اتزن واستقامrdquo;، والكلام دائماً لابن منظور .
وفي تفصيل هذا الحكم نرى أن الاعتدال هو نقيض الجور والظلم، ما يعني الوقوف إلى جانب المظلومين المحاصرين في غزة وفك الحصار عنهم، وهو ما نفتقد أثره في سياسة العرب ldquo;المعتدلينrdquo;، في حين نلمسه في سياسة تركيا ldquo;المعتدلةrdquo; في التصنيف الأمريكي نفسه . فقد وبخ رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان زعيم الصهاينة شيمون بيريز في مؤتمر دافوس الشهير، ونهر قادة الكيان على حصار غزة، ورعت بلاده المعتدلة ldquo;دام فضلكمrdquo; أسطولاً بحرياً مدنياً لفك الحصار عن الفلسطينيين ومساعدة المشردين منهم، وإيواء بعض الذين فقدوا منازلهم، وإعانة المعاقين الذين خلفتهم الحرب .
وإذا كان الاعتدال يعني الحكم بالحق فهو يستدعي فتح معبر رفح طالما أن الحكومة الصهيونية تقفل أرض وسماء غزة وبحرها على الضد من القوانين والأعراف الدولية .
وإذا كان الاعتدال لا يتم بغير ldquo;تناسبrdquo;، فكان من الأولى بالدول العربية المعتدلة أن تتعاطى مع مبادرتها الشهيرة للسلام بما يتناسب مع واقع الحال كي لا تفقد هذه المبادرة قيمتها، وكي لا تفقد جامعة الدول العربية ثقة العالم والرأي العام العربي بقراراتها، ذلك أن الاعتدال يعني أن تقابل عدوك بالمقابلة التي يستحقها، فإن جنح للسلم تجنح له، وإن امتنع تمتنع حتى لا تتحول الرغبة في السلام إلى استسلام معلن، لا يردع عدواً، ولا ينتزع احترام صديق .
وإذا كان الاعتدال يعني ldquo;الاتزان والاستقامةrdquo; على نحو ldquo;اتزانrdquo; الشعر، فإن جامعة الدول العربية ما انفكت تسقط المرة تلو الأخرى في انعدام الوزن، إذ تمنح الفرصة تلو الفرصة للولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها لرئيس الوزراء ldquo;الإسرائيليrdquo; بنيامين نتناياهو في عملية تفاوضية يريدها الصهاينة من أجل التفاوض وهدر الوقت . وإذ تخرق الجامعة سقوفاً زمنية رفعتها وتتعدى شروطاً وضعتها بنفسها، وتواصل حديث السلام متجاهلة استعداد العدو للحرب، فإنها تلحق أذى ما بعده أذى ليس بمبادرة السلام فحسب، وإنما بزمام المبادرة في المفاوضات الفلسطينية ldquo;الإسرائيليةrdquo;، وإذ تفعل تبدو كطائرة فقدت توازنها وصارت معرضة لكارثة ماحقة لا تبقي ولا تذر .
وإذا كان الخليفة عمر بن الخطاب يحمد الله على رجاحة قومه الذين عدلوه إن مال ldquo;كما يعدل السهم في الثقافrdquo;، فمن الأولى بالدول العربية المعتدلة أن تسير على خطى الفاروق فتجنح نحو التقويم وبالتالي لا تكبح المطالبين بنصرة غزة، ولا تمتعض من الداعين إلى استخدام الوسائل العربية الفعالة من أجل ردع الدولة ldquo;الصهيونيةrdquo; وحملها على الإقرار بحق الفلسطينيين والعرب في استعادة أراضيهم المحتلة ونيل حقوقهم المهدورة .
قصارى القول إن معظم الدول الأعضاء في الجامعة العربية تنتهج سياسة خارجية في الصراع مع ldquo;إسرائيلrdquo; لا تستحق صفة ldquo;الاعتدالrdquo; وإنما ldquo;الاختلالrdquo;، ولأن سياستها مختلة فإن دولاً إقليمية مجاورة للعرب باتت اليوم تضطلع بالدور الأكبر في قضيتهم المركزية سلماً أم حرباً . . ففي السلم والتفاوض السلمي تضطلع تركيا بالدور الأكبر، وفي المجاهرة بالعداء لrdquo;إسرائيلrdquo; تضطلع إيران بالدور الأبرز، وبين الحرب والسلم تحتل الجامعة العربية هامشاً لا قيمة له لا في العير ولا في النفير، ومن هذا الهامش البائس نراها تتظلم إذ تندلع الحرب، وتغيب عن المسرح إن حضر السلام تماماً كالبهلوان الذي سقط في انعدام الوزن . . يا للفاجعة .
