جهاد الخازن


بين 2006 و2008 أصدر مجلس الأمن ثلاثة قرارات تفرض عقوبات على ايران بسبب برنامجها النووي، والآن هناك قرار رابع يحمل الرقم 1929، وبما ان القرارات الثلاثة السابقة فشلت في إيذاء النظام أو حمله على تغيير سياسته المعلنة، فإن لا سبب منطقياً يرجح أن ينجح القرار الجديد من حيث فشلت القرارات السابقة.

ثمة لازمة مع كل قرار عقوبات يصدر، ضد ايران أو غيرها، هي ان القرار يستهدف الحكومة لا الشعب، وثمة حقيقة مرافقة هي ان الشعب هو الذي يدفع الثمن، وأكتفي بالعراق مثلاً، فالعقوبات في التسعينات أدت الى موت مئات ألوف الأطفال العراقيين، إنْ لأسباب مباشرة أو لأسباب غير مباشرة للحصار الوحشي على الشعب، فأنا لا أتصور أن صدام حسين جاع يوماً، أو أن عدي وقصي لم يجدا دواء يحتاجان اليه أو لعبة كومبيوتر.

مجلس الأمن طلع هذه المرة بحزمة عقوبات رابعة فَحَظّر على إيران استيراد سلاح تقليدي، وعاقب شركات ومصرفاً وأفراداً. وقررت الولايات المتحدة في تنفيذ القرار وضع اثنين من قادة الحرس الثوري على القائمة السوداء لأن الحرس يشرف على البرنامج النووي، ومعهما شركات حكومية وشركة الملاحة الإيرانية و71 سفينة غُيِّرت أسماؤها لتفادي عقوبات سابقة.

وقرر الأوروبيون استهداف بنوك أخرى وشركات التأمين وقطاع النقل والشحن الجوي، وزايدوا على الأميركيين بعقوبات على laquo;جوانب أساسية في صناعة الغاز والنفط، ومنع أي استثمارات جديدة ونقل التكنولوجياraquo;.

المسؤولون الأميركيون والقادة الأوروبيون يستطيعون أن يقولوا ما يشاؤون، إلا أن نظرة سريعة على العقوبات تثبت ان الشعب الإيراني هو الذي سيدفع الثمن المباشر فتجميد البنوك والشركات بأنواعها والصناعة والملاحة يعني أن يفقد المواطن الإيراني عمله، ويعني بالتالي أنه واقع بين سندان حكومة حمقاء ومطرقة دول معادية ترى بعين واحدة، وتكذب وهي تضطهد الشعب الإيراني بحجة مساعدته.

كيف يمكن أن تعاقب ايران على قنبلة نووية لا تملكها وتترك اسرائيل بترسانة نووية مؤكدة؟ لست مغروماً بإيران ولا أخدع، وأعرف أنها تحتل جزراً عربية ثلاثاً وان لها أطماعاً في الخليج، وحتى المغرب العربي، وان حكومتها متطرفة تثير قلق الجار القريب والبلد البعيد، إلا أن كل هذا لا يقاس شيئاً بجرائم دولة نازية جديدة تحتل الوطن وتسرق البيوت وتقتل النساء والأطفال، وتهدد الجيران بحروب مدمرة.

ثم يرى الأميركيون والأوروبيون القشّة في عين إيران، ولا يرون الخشبة في عين اسرائيل، إذا كان لي أن أستعير مثلاً من العهد الجديد من الكتاب المقدس، يعرفه الذين يدّعون المسيحية ولا يمارسونها.

وأعطف قبل أن أكمل على الدول العربية، فقد انتقدت أميركا وأوروبا واسرائيل وايران، إلا أن الدول العربية بدورها في قفص الاتهام، وحكوماتنا تخاف من ايران بدل ان تجعل ايران تخاف منها، طالما انها أكبر حجماً وأكثر عدداً وأقوى سلاحاً (السلاح عادة يستعمل ضد الشعب)، ثم لا تفعل غير أن تختلف أو تتحالف مع دول لن أقول انها عدوة إلا أنني أقول إنه لا يمكن أن يؤتمن جانبها، وإعلامها منحاز مثلها، فقد بقي أسابيع يبشرنا بثورة الخضر، أو المعارضة الإيرانية، وجاءت الذكرى الأولى لانتخابات 12/6/2009 وتبين ان النظام يسيطر على الوضع نهائياً.

وأحاول أن أكون ايجابياً فأسجل نقطة مهمة هي إعلان الحكومة السعودية انها ترفض فتح مجالها الجوي أمام اسرائيل لضرب إيران، كما ورد في خبر من نوع الإعلام الأسود نشرته laquo;التايمزraquo; اللندنية. كنت أعرف أن السعودية لن تسمح لإسرائيل بشيء، وقد سمعت هذا الكلام من مسؤولين سعوديين كبار، بينهم وزراء، وجاء النفي الرسمي ليؤكد ما سمعت.

ربما ما كنا وصلنا الى هذا الحال لو أن في طهران حكومة عاقلة متعقلة تعرف متى تحكي ومتى تصمت. غير أن الموجود سياسة غوغائية ترتد على الشعب الإيراني كله، ففيما كان الأميركيون والأوروبيون يتآمرون على قنبلة نووية غير موجودة ويحشدون التأييد لقرار العقوبات الرابع أعلنت ايران في شباط (فبراير) انها بدأت تخصيب اليورانيوم حتى 20 في المئة، وبعد يومين من صدور القرار أعلن رئيس لجنة الطاقة النووية الإيرانية علي أكبر صالحي ان ايران ستكشف قريباً تقدماً في برنامجها النووي لزيادة التخصيب، وتبعه الرئيس محمود أحمدي نجاد بالإعلان عن خطة لبناء أربعة من مفاعلات جديدة.

أقول لكل مسؤول إيراني من النوع السابق laquo;انْكتمraquo;، وأذكّره بأن الصمت فضيلة.