جميل الذيابي
ارتعدت اليد وسقط القلم، فنزف حباً وحبراً وفكراً وشعراً ونثراً في غياب عراب التجديد.
كيف لا؟! وهو يبحث عن كلمات تليق بعزاء ورثاء غازي القصيبي، فقيد المملكة العربية السعودية الشاسعة والوطن العربي الكبير، وفقيد أصدقاء كثر في أرجاء المعمورة.
رحمك الله يا غازي.. وألهم الله زوجتك وأبناءك وأسرتك وأهلك الصبر والصبر والصبر. نُقل خبر وفاة أبي سهيل صباحاً، في خامس أيام شهر رمضان الكريم 1431هـ.. في شهر الرحمة والمغفرة والخير والبركات.
رحمك الله يا غازي.. فلم تكن فقيداً لعائلة صغيرة يا أبا سهيل، بل فقيد كل عقل عربي يبحث عن التغيير والتفكير والتقدير.
نظرت إلى صورة قديمة تجمعني بالوزير والشاعر والديبلوماسي القدير غازي، فاجتاحتني عاصفة من الألم والحزن، وسقطت من عيني دموع محبة تقديراً لرجل قدره كبير في نفسي، ولا اعتراض على قضاء الله وقدره.
عرفت القصيبي دؤوباً، يسأل عن الكل، ويتمحص العبارات، ويفحص الكلمات، ويشجع كل عقل جديد وكل صاحب مشروع جريء يأتي بمصلحة الوطن أولاً.
عرفته سنوات طويلة، وفي كل مرة أجده كما كان، وفياً وكبيراً لا يتغير، بل في كل مرة ألتقيه فيها أشعر بكبر قلبه وعقله وديبلوماسيته وحيويته وحبه للعلم والتعليم.
عرفته وهو سفير، وقبلها وزيراً، وبعدها وزيراً، وقبل هذه وتلك كان غازي الإنسان المثقف والشاعر والروائي المتقد بالأحاسيس والمحب للعمل ولكل الناس.
أعذرني أبا سهيل، فقد سقط القلم من يدي مرة ثانية وثالثة، وتساقطت من عيني دموع حزن وألم كبير يعتصران قلبي لفقد رجل مختلف مثلك، وجدناه مثالاً للتغيير والتصالح مع نفسه وذا الوجه الواحد في زمن تتشكل فيه الوجوه وتتنوع وتتعدد وتتسع بينها المسافات والحسابات.
لقد عبر غازي بفكره إلى محبيه وقرائه، من المحيط إلى الخليج، بطرق laquo;غير مفروشةraquo; بالورد، بعد أن واجه تحديات أصحاب laquo;الحساباتraquo; والأصوات laquo;النشازraquo; بكل قدرة وشجاعة في مراحل عمرية، لا خيالية كما يكتبها البعض، من وراء جدران laquo;عنكبوتيةraquo; وتحت أسماء مستعارة.
لقد كان القصيبي بشعره ونثره وفكره يرنو إلى بناء إنسان متسامح مفعم بالحب ومهموم بإشغال العقل لخدمة الإنسان. لقد كان عندما تسن الأسئلة أمامه تأتي إجاباته laquo;غازيةraquo; مقرونة بالأدلة والأسئلة وعمق التفكير.
رحل غازي بعد أن نجح في وضع علامات استفهام وتعجُّب عند المؤيدين والمختلفين معاً، لأنه كان صاحب الوجه الواحد الذي laquo;يبشraquo; بالصراحة، ويملك الشجاعة عند المواجهة أو المقاومة.
رحل غازي إلى الرفيق الأعلى وأنا مازلت أقرأ كتابه الجديد laquo;الوزير المرافقraquo;، فهو - كما يقول محبوه - لا يزال بيننا يكتب حراً.
ستبقى laquo;شقة الحريةraquo; وraquo;العصفوريةraquo; وraquo;دنسكوraquo; وraquo;أبو شلاخ البرمائيraquo; وraquo;سبعةraquo; وraquo;سعادة السفيرraquo; وraquo;الجنيّةraquo; وraquo;معركة بلا رايةraquo; وraquo;أشعار من جزائر اللؤلؤraquo; وraquo;للشهداءraquo; وraquo;حديقة الغروبraquo;، وraquo;حياة في الإدارةraquo;، وraquo;عن هذا وذاكraquo; وraquo;باي باي لندنraquo; وraquo;الأسطورة دياناraquo; وraquo;أقوالي الغير مأثورةraquo; وraquo;ثورة في السنة النبويةraquo; وraquo;حتى لا تكون فتنةraquo; نتاجات حية تقرأها الأجيال بعد الأجيال.
رحل أبو سهيل ووري جثمانه في laquo;مقابر العودraquo; بالرياض، وهو في الأول والآخر في قلب العاصفة. عاش ومات وهو رقم صعب، وذو جمجمة laquo;صعبة المراسraquo;، لذلك سيبقى في القلوب وتنبض بحبه قلوب وقلوب.
رحم الله أبا سهيل.. وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
